“الأناضول- وطن”- لا يسمى نفسه “سياسيا” بل ” مثقفاً قد يكون له رأي  يبوح به”.. إنه المؤرخ التونسي، هشام جعيط، الذي يعد من أبرز مفكري بلده والعالم العربي، التقته الأناضول التركية في مكتبه، بالعاصمة تونس، واضعة أمامه ملفات عدة، تمحورت في مجملها حول الشأن الداخلي في بلاده، والحالة الراهنة في العالمين العربي والإسلامي.

 

وللبدء في النقطة الأخيرة، وصف جعيط الحالة التي يعيشها العالمين العربي والإسلامي بـ”حالة اضطراب كبيرة ومحزنة”، قائلاً إن هذا الأمر “منذ 30 سنة تقريباً، أو أكثر. عالم مضطرب تماماً لم يجد سياقه في التاريخ الحالي، والآن نراه عبارة عن حروب وعنف”.

 

مستطرداً في هذا السياق: “وأخيراً جاء منذ عدة سنوات، ما سُمي في الغرب بالربيع العربي، أي ثورات ضد النظم الدكتاتورية، حصلت في تونس (14 يناير/كانون ثان 2011) ورحل الرئيس السابق (زين العابدين بن علي، وجماعته، وبقيت البلاد في حالة غليان، طبعاً الثورة فيها اضطراب، أما الآن فأخذت نوعاً من الاستقرار”.

 

“ثم حصل ما جرى في ليبيا، وهي حرب حقيقية حيث قتل فيها رئيسها معمر القذافي، قتلاً شنيعاً (إثر ثورة 17 فبراير/ شباط 2011)، وكذلك مصر من تنحية الرئيس الأسبق (حسني مبارك التي أطاحت به ثورة 25 يناير/كانون ثان 2011)، وانتشرت هذه الظاهرة، ثورات شعبية في كل البلاد العربية تقريباً. في اليمن (2011 أطاحت بنظام الرئيس علي عبدالله صالح)، في البحرين”.

 

وشهدت البحرين حركة احتجاجية عام 2011، قالت السلطات، إن جمعية “الوفاق” (معارضة) تقف وراء تأجيجها، بينما تقول الأخيرة إنها تطالب بتطبيق نظام ملكية دستورية حقيقية في البلاد، وحكومة منتخبة، معتبرة أن سلطات الملك “المطلقة” تجعل الملكية الدستورية الحالية “صورية”.

 

أما سوريا، فما حصل فيها، برأي أستاذ التاريخ الإسلامي بالجامعة التونسية، هو “ثورة من أجل الديمقراطية دائماً، ومن أجل تنحية الرؤساء الدكتاتوريين”.

 

وتابع: “فعلاً كان نظام بشار الأسد، وأبيه (حافظ) أيضاً، نظاماً دكتاتورياً شنيعاً معتمداً على المخابرات، وأراد السوريون أن يدخلوا في الديمقراطية فأصبحت حرب كبيرة جداً، وهي أهم ما يحصل في العالم اليوم”.

 

ومنذ منتصف مارس / آذار 2011، تطالب المعارضة السورية بإنهاء أكثر من (44) عاماً من حكم عائلة بشار الأسد، وإقامة دولة ديمقراطية يتم فيها تداول السلطة، غير أن النظام السوري اعتمد الخيار العسكري لوقف الاحتجاجات، ما دفع سوريا إلى معارك دموية بين القوات النظامية، وقوات المعارضة، حصدت أرواح آلاف الأشخاص، حسب إحصائيات الأمم المتحدة، وعشرات الآلاف من المعتقلين، بحسب منظمات حقوقية.

 

الحديث عن الثورات العربية، جعلنا نطرح على المفكر التونسي، سؤالاً حول أسباب فشل بعضها، وما إذا كان أحد هذه الأسباب هو عدم جاهزية العالم العربي للديمقراطية، أجاب جعيط بقوله: “رأيي الشخصي لا يمكن أن نصل في الفترة الحالية إلى ديمقراطية، حتى في بلد كتونس الديمقراطية شيء جديد غير متعودين عليه أو على الحرية، وبالتالي اتجاهنا نحو الديمقراطية التي لا ننسى أنها من أصل غربي لعلها لا تتماشى مع جذور هذه الحضارة الإسلامية”.

 

وأردف: “الآن وبسبب التأخر الاقتصادي والاجتماعي، فالديمقراطية بالمعنى الغربي الدقيق لا تتماشى مع نفسية المسلمين الحالية”.

 

أن تجلس أمام شخصية كـ”جعيط”، فهذا يعني أنك أمام صندوق مفتوح تبحث فيه عما غاب من زمن أو فكرة أو رأي، وفيك إلحاح الباحث عن المفقود أو المغيّب، لينتقل بنا السؤال هنا عن أسباب التحاق عدد من الشباب العربي، بالتنظيمات “الإرهابية” في سوريا والعراق.

 

يقول المفكر التونسي: “ليس فقط الشباب العربي من التحق بهذه التنظيمات، بل هناك من الإفرنج الأصليين الذين دخلوا في هذه المعمعة، وسبب التحاق الأول هو أن البلدان العربية وحتى الإسلامية، فيها قسم من الشباب منحدر مادياً، وليس لديه إمكانيات حياة كافية، لأن الحركات الديمقراطية لم تعط له حظه”.

 

سبب آخر يجذب الشباب إلى تلك التنظيمات، برأي جعيط، وهو أن “هناك نوع من الرومانسية في سبيل حركة قوية يمكن للإنسان أن يضحي فيها بحياته، لوجود حالة من الفراغ النفسي سواء في الغرب أو في البلدان العربية الأخرى”.

 

في سياق آخر، اعتبر المفكر أن الأمريكيين “كانت لهم سياسة فاسدة إزاء العالم العربي والإسلامي”.

 

وقال: “أنظر إلى حالة سوريا يتدخل فيها الشيعة الإيرانيون أو التابعين لهم من لبنان (في إشارة لحزب الله)، كذلك يتدخل فيها الأمريكيون بصفة خاصة، والأمر نفسه مع الروس، والآن تدخلت فرنسا تماشياً مع أمريكا، وكل هذا يمس الشعور الإسلامي أو العروبي بأن الشرق الأوسط أصبح محل صراع بين كل القوات، وأن العرب والمسلمين غير قادرين على مسك زمام أمورهم سواء في اتجاه الديمقراطية أو في اتجاه آخر، وهذا أيضاً مما يحفز الشباب على الدخول في هذه الصراعات”.

 

وأقرّ الرجل الثمانيني، بنجاح التجربة التونسية، قائلاً: “هناك أسباب للحالة التونسية، فالتجربة البورقيبية (نسبة إلى الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ( 1903 -2000) تقترب كثيراً من الغرب في الثقافة والحضارة، وامتد التعليم، ووقع زحف الثقافة الأوروبية بشكل عام، والفرنسية بشكل خاص”.

 

ومضى بقوله: “حكم بورقيبة دام 30 سنة، حيث كان يعتبر نفسه علمانياً، بل علمانياً متشدداً، فتكونت نخبة متأثرة كثيراً بالغرب، فالرجل كان لا يحب الشرق لأن هذا الأخير عروبي”.

 

أما الرئيس الحالي، الباجي قائد السبسي، فهو كما يعتبره جعيط “بورقيبي وسياسي يمثل التيار العلماني، ويتفاهم مع حركة النهضة، ويعرف أن هناك نصف من السكان أو أقل يؤيدون الحركة، فهو لا يريد أن يكون مثل اليسار”.

 

بينما راشد الغنوشي، رئيس “النهضة”، “فقد سيطر على قواعده، كونه فصيل قديم، وعرف الهجرة، وعنف الدولة في عهد بن علي، كذلك عرف الاضطهاد، لذلك هو تنظيم متماسك”.

 

تونسياً أيضاً، وحول رأيه في الانشقاق الحاصل في حزب “نداء تونس″  الذي يقود الائتلاف الحكومي، قال: “أرى أن رئيس الجمهورية، كوّن حزباً بسرعة، وهذا الحزب تأسس لسببين، الأول: للتغلب على أغلبية النهضة لأن الأخيرة موجودة دائماً، والثاني: لرفع الباجي إلى مقام الرئاسة”.

 

وأضاف: “رأيي الشخصي هو أن السبسي لم يعد بحاجة إلى هذا الحزب. فهو لديه شرعية الانتخاب، وله أغلبية نسبية في البرلمان هي التي تهمه”.

 

ويضم الائتلاف الحاكم أغلبية أعضاء مجلس نواب الشعب (البرلمان)، ويتشكل من  حزب “نداء تونس″ (86 نائباً)، وحركة “النهضة” (69)، و”الاتحاد الوطني الحر” (16)، وحزب “آفاق تونس″ ( 10 نواب) من مجموع 217 نائباً.

 

ويشهد حزب “نداء تونس″، منذ ما يزيد عن شهرين، حالة انقسام حادة بين فريقين الأول يدعم أمينه العام المستقيل، محسن مرزوق، والثاني يساند حافظ، نجل الرئيس السبسي، قبل أن يعلن مرزوق، اليوم الأربعاء، اعتزامه تأسيس حزب سياسي جديد، سيتم إشهاره رسميًا في مارس/ آذار القادم.

 

وبالنظر إلى الصعوبات الاقتصادية ( نسبة نمو أقل من 0.5 %) وتأثيرها على استقرار التجربة التونسية، يقول جعيط: “إلى حد الآن، هذا الاستقرار غير مكتمل. يجب أن يكون استقراراً مكتملاً. لدينا الوسائل، وهي الاتفاق بين الرئيس والنهضة، كون لهما الأغلبية البرلمانية”.

 

كذلك، يرى أنه يجب العمل على حل ثلاث مشاكل في البلاد، الأولى: تقوية النظام بما في ذلك الجيش، وضرب المافيات الموجودة، والثانية: إعادة الاقتصاد إلى نصابه، عندنا مشاكل اقتصادية كبيرة ولا يمكن أن نعول على الخارج، أما الثالثة فيه: مكافحة الإرهاب الذي يطال العالم الأجمع″.

 

في ختام حواره، تطرق المفكر التونسي للحركات الإسلامية، التي قال إن فيها المعتدل، والأقل اعتدالاً”، مستشهداً بحركة الإخوان المسلمين التي وصفها بـ”المعتدلة”، ورأى أنها قويت في كل من تونس، ومصر، وفي أماكن أخرى متعددة”.

 

وفي ديسمبر/كانون أول الماضي، اختارت “المؤسسة العربية للدراسات والنشر” ببيروت، هشام جعيط، شخصية العام الثقافية 2016 .

 

ومن فبراير/شباط 2012 إلى 15 ديسمبر/كانون أول الماضي، ترأس جعيط، المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون “بيت الحكمة” (حكومي)، ويعمل حالياً، كأستاذ زائر في جامعات كندية، وأمريكية، وفرنسية.