“وكالات- وطن-“- زهير أندراوس- بدون التمحيص عميقًا، يظهر بالعين المُجردّة أنّ اسرائيل تبدو ظاهريًا وفعليًا، في الوقت الراهن، وكأنها في أفضل وضعٍ من الناحية الإستراتيجيّة بسبب ما تراه من تدهور في وضع أعدائها التقليديين في محيطها العاصف، ولكن مع ذلك، كشفت عملية تل أبيب، كشفت النقاب عن أنّ صنّاع القرار في إسرائيل لم يأخذوا بعين الاعتبار “العدو”، الذي ينخر في جسمها من الداخل، أيْ الفلسطينيين، الذين يعيشون داخل ما يُطلق عليه الخّط الأخضر، ويحملون جوازات السفر والهويّات الإسرائيليّة، الأمر الذي يسمح لهم بالتنقّل، تقريبًا بدون عوائق في الداخل.

 

فالدول العربية الرئيسيّة التي كثيرًا ما شكلّت في الماضي قاعدة التحالفات ضدّها وخصوصًا مصر وسوريّة والعراق باتت تعاني من أزمات داخلية يصعب الخروج منها، بحيث يعمل العرب أنفسهم على تحقيق حلم بن غوريون القائل إنّ عظمة إسرائيل لا تكمن في ترسانتها النوويّة، بل في القضاء على الجيوش العربيّة: العراقيّ، المصريّ والسوريّ.

 

والدول التي انخرطت في دائرة الصراع ، مثل إيران، وباتت تُعتبر خطرًا وجوديًا دخلت في صراعٍ مع دولٍ عربيّةٍ كانت سندًا لقاعدة التحالفات السابقة فانشغل الجميع بحرب “الشيعة والسُنّة”.

 

علاوة على ذلك، لا يُمكن عدم تناول الانقسام الداخليّ الفلسطينيّ، الذي أصبح يُهدّد الهويّة الوطنيّة ذاتها. ومع ذلك تجد إسرائيل غير راضية عن وضعها لأنّها تعيش حتى ضمن هذا الوضع مخاطر بعضها مزمن وبعضها الآخر مستجد. ومن بين أبرز المخاطر المزمنة أنّها، ورغم قدرتها أحيانًا على إيجاد مصالح مشتركة لها مع أنظمة عربيّة، وقد تخلق أشكالاً من التعاون معها، إلا أنّها تعجز عن تغيير المزاج الشعبيّ العربيّ المعادي لها.

 

وليس صدفة أنّ أبرز مظاهر العداء لإسرائيل على الصعيد الشعبيّ تظهر في الدول التي أبرمت اتفاقيات صلح معها وهو ما يتجلى في رفض التطبيع، وما جرى مؤخرًا في الأردن هو أكبر دليل على ذلك. لكن حتى في الميادين التي يحدث فيها تفكك للدول التي كانت معادية رسميًا لها تنشأ حالات، إسلامية أوْ قومية، تُهدد بأنماط من العداء يصعب التعامل معها. وهذا ما تجده إسرائيل بشكلٍ خاصٍّ في الحلبة السوريّة حيث تتفاقم المخاوف من نشوء تنظيمات ستُوجّه لاحقًا سلاحها للدولة العبرية رغم انشغالاتها الراهنة بالاقتتال الداخلي.

 

ورغم أنّ الميل العام في المنطقة العربيّة يتجّه إلى مزيد من التفاقم والتشرذم، إلا أنّ الاعتقاد الشائع في إسرائيل هو أنّ العرب يُمكنهم في لحظة ما أنْ يتوحدّوا في مواجهتها.

 

ومهما يكن من أمر، فإنّ إسرائيل ضمن قراءتها للمخاطر الراهنة ترى أنّ الغرب يُحاول منع تفاقم الخلاف بين إيران والتحالف العربيّ السنيّ بزعامة السعودية، وهي لا تنظر بعين الرضا إلى هذه المحاولة وتتمنّى فشلها، ولكنها في الوقت عينه لا تستبعد توصل إيران والتحالف العربيّ إلى نوعٍ من الهدنة وربمّا المصالحة ولو بعد حين. ورغم أنّ الصراع السنيّ الشيعيّ الذي تأمل إسرائيل أنْ يُنهك أعداءها الطبيعيين يُعتبر صراعًا استراتيجيًا من وجهة نظرها، إلا أنّ الصراعات الأخرى لا تقل أهمية.

 

ومن نوافل القول إنّ أوّل زعيم صهيونيّ تحدّث عن تأجيج الخلافات والنزاعات السُنيّة-الشيعيّة، كان الثعلب السرمديّ، شمعون بيرس، جزار قانا، الذي تبوأ العديد من المناصب، كان أخرها رئيس الدولة العبريّة. مُضافًا إلى ما ذُكر أعلاه، فإنّ ما يحدث في كلّ دولةٍ عربيّةٍ على حدٍّ سواء في لبنان أوْ سوريّة أوْ العراق أوْ الأردن أوْ مصر أوْ فلسطين وحتى في الدول الأبعد مثل السعودية وليبيا، يجذب انتباهها ويدخل في دائرة حساباتها، ذلك أنّها تتوجّس من أنْ يكون لهذه الصراعات عواقب كارثية عليها حتى لو كانت ضمن الآثار الجانبية لهذه الصراعات.

 

وعوضًا عن العمل على تقويض السلطة الفلسطينيّة، كما كان يسعى في الماضي، بات اليوم أقرب إلى منطق الحفاظ عليها وإنْ يكن ضمن الحدود الدنيا أوْ حتى بطريقة شكلية.

 

وبات نتنياهو وأغلب اليمين أقرب إلى فكرة التخلّي عن الأراضي التي يعيش فيها الفلسطينيون في الضفة الغربيّة وبشكل يكاد يقترب ممّا جرى في قطاع غزة، ومن المُسلّمات أنّ الهدف ليس مصلحة الفلسطينيين، أوْ إيمانًا بوجوب إحقاق الحقوق، وإنمّا للحفاظ على الدولة اليهودية خلف الجدار الفاصل.

 

والمشكلة الأكبر التي تُعاني منها إسرائيل أنّ الأزمة تتفاقم من دون توفر أفق للحل، وإذا كان اليمين عاجزًا عن حلّ المسألة الفلسطينية وعن تطبيع العلاقات مع الدول العربيّة وعن المصالحة مع فلسطينيي الداخل، فإنّ الأفق ينطوي على مزيد من التطرف، وليس صدفة أنّ نتنياهو عاد إلى محاولة توحيد اليمين على أرضية العداء لفلسطينيي الداخل، ومن البديهي أنّ هذه وصفة مجربة لمزيد من التدهور اللاحق، فنتنياهو هو صاحب المقولة العنصريّة بامتياز: بإمكاننا حلّ المُشكلة مع العرب في الضفّة والقطاع، ولكنّ مُعضلتنا تكمن في عرب الـ48، الذين يُشكّلون قنبلة موقوتةً، وهذه المقولة أرساها هذا العنصريّ قبل عدّة سنوات، عندما كان في المُعارضة، وبالتالي لا يستغربن أحدٌ إذا قامت حكومته بتضييق الحيّز، الضيّق أصلاً، على فلسطينيي الداخل (1.6 مليون)، عن طريق القوانين العنصريّة، إذْ أنّه على طاولة الكنيست موضوعة العديد من اقتراحات القوانين المُوجهة ضدّ عرب الـ48، ولا يختلف عاقلان بأنّ التسونامي الفاشيّ آتٍ لا محال.