رأت صحيفة “واشنطن بوست”، الأمريكية في تعليقها على خطاب الرئيس الأمريكي باراك أوباما عن حالة الاتحاد الذي ألقاه ليلة الثلاثاء، أنه جاء في موسم الحملات الانتخابية التي طغى عليها خطاب كارثي وأدت لنوع من عدم الثقة والتشاؤم حول المستقبل والخوف من الإرهاب والنقمة على عدم المساواة في الفرص الاقتصادية.

 

وحاول أوباما كما تقول الصحيفة مواجهة سخط الأمة لا استخدامه سياسياً، وقال: “كل الحديث عن تراجع أمريكا الاقتصادي ما هو إلا حديث سياسي تافه”.

 

فمنذ الأزمة الاقتصادية في عام 2008 و2009 تحولت أمريكا بطرق مختلفة، فمستويات الحياة أفضل، وبالتأكيد أفضل من مستوى الحياة التي يعيشها الناس حول العالم.

 

وفي هذا محاولة لدحض الخطاب البلاغي الذي يصدره الجمهوريون في حملاتهم الانتخابية من أن البلد يقف على حافة الانهيار أو أنه يدمر نفسه.

 

وفي تحليل لبيتر بيكر بـ”نيويورك تايمز” جاء فيه أن رؤية أوباما ورؤية الجمهوريين يوم الخميس ستحدد في النهاية من سيخلف أوباما في يناير المقبل ويقود الأمريكيين في السنوات التالية.

 

وأشار بيكر إلى أن أوباما حاول الرد على اللغة التي استخدمها دونالد ترامب المرشح الجمهوري المحتمل الذي حاول استغلال سخط الناخبين. ونقل عن كاتب خطابات سابق لأوباماـ، جون فيفروا: “في هذه الليلة كان رد أوباما على الخطابات المزعجة من الجمهوريين الذين ألقوها العام الماضي”.

 

وأضاف: “من ريغان إلى كلينتون إلى أوباما لم ينتخب الأمريكيون رئيسا متشائما يتحدث عن أمريكا مثل أفلام “ماد ماكس””. ورغم هذا يقول الجمهوريون إن أوباما سيجد صعوبة في إقناع الأمريكيين برؤيته الورديةـ خاصة وأن اعتقال إيران للبحارة الأمريكيين قبل موعد الخطاب بساعات منح معسكرهم ذخيرة للهجوم على الاتفاق النووي، وقدموه كدليل على أن الدبلوماسية لا تجدي.

 

ونقل ما قاله “مارك دوبوفيتز” من “مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات”: “في كل يوم يصحو الأمريكيون على أخبار سيئة في عالم يواجه أزمات مستمرة”، وأضاف: “تواجه القيادة الأمريكية تراجعا فيما يواجه العالم كوارث من الملالي الإيرانيين والديكتاتوريين الروس والراديكالين الإسلاميين، ولا يمكن لخطاب اتحاد الأمة مهما كان فصيحا أن يشرح الواقع”.

 

وليس الجمهوريون هم وحدهم من يرى نصف الكأس، فالمرشح الديمقراطي المحتمل ذو الميول اليسارية، بيرني ساندرز، جمع حشودا كبيرة في هجماته على منافسته هيلاري كلينتون وحديثه عن رجال الثروة في “وول ستريت” ممن يتربحون من كد الفقراء.

 

ويعلق “بيكر” أن الهجوم من اليمين واليسار على أوباما أثار حنقه، خاصة وأن مساعديه يرون أنه لم يحصل على الثناء الذي يستحقه. فمع اعترافه بالفشل في تغيير الخطاب السياسي لواشنطن، إلا أن خطابه كان موجها بطريقة أو بأخرى لدحض رواية الجمهوريين، من تراجع الاقتصاد إلى أمن أمريكا وأحلام الجيل المقبل.

 

ويرى “بيكر” أن نقاش أوباما كان مقنعا في الكثير من الحالات خاصة في مجال مكافحة البطالة، فقد استطاع توفير 14 مليون وظيفة منذ وصوله للحكم. وحصل أكثر من 17 مليون أمريكي على ضمان صحي، والأمر نفسه يقال عن الإسكان وتوفير البيوت بأسعار معقولة.

 

وينقل عن “ستيف إسرائيل”، النائب الديمقراطي عن نيويورك، قوله: “لن يعطي الجمهوريون أي تقدير لأي من النجاحات في عام 2016. وأقترح عليهم قراءة الأرقام حول وضعنا في أول خطاب له عام 2009”.

 

ويشير “بيكر” إلى أن إنجازات أوباما لم تؤد إلى تقليل مخاوف الرأي العام، ذلك أن 2 من كل 3 أمريكيين لا يزالون يرون أن بلادهم تسير في الاتجاه الخطأ لأن المكاسب التي حققتها البلاد لم يتم توزيعها بالتساوي. فقد زاد التباين في الدخل السنوي بشكل كبير، ووصل مستوى الفقر إلى 14.8٪، وهو أعلى منه عندما تولى أوباما السلطة. والاقتصاد نام ولكن ليس كما حدث في عهدي بيل كلينتون ورونالد

 

والتحدي الأكبر كما يقول الكاتب هو السياسة الخارجية التي لم يحقق فيها الرئيس نجاحات سواء في أوكرانيا أو ليبيا أو سوريا.

 

وفي السنوات الأخيرة، حقق أوباما اتفاقات مع إيران وكوبا ودول الباسيفيك، لكن كل اتفاقية لها نقادها الذين يخشون من آثارها الاقتصادية أو الأمنية.

 

كما أخاف صعود فلاديمير بوتين وسط دمار الحرب الأهلية في سوريا وبروز تنظيم الدولة الإسلامية وذبح الرهائن الأمريكيين الكثير من الأمريكيين.

 

ويقول إن الرئيس الذي صادق على قتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن وأمل في مغادرة المنصب وقد انتهت حربا أفغانستان والعراق سيورث خلفه حروباً لم تنته وتمتد إلى عدد من الدول. ومع أنه تفاخر يوما بأنه “قطع رأس القاعدة”، إلا أنه اعترف يوم الثلاثاء بأنها لا تزال تمثل تهديدا على الولايات المتحدة.

 

وينقل الكاتب عن سارة فاغين، وهي مخططة إستراتيجية للجمهوريين: “من الواضح أن ما يقلق الناخبين ليس الاقتصاد وفقط”، “فهم قلقون مما يرونه ضعفاً أمريكياً على المسرح الدولي ويعتقدون إن كانت أمريكا تقود لاتبعها العالم، ولم تؤد أفعال أوباما في روسيا وسوريا وإيران إلى تخفيف القلق”.

 

ولعل الامتحان الأكبر الذي واجهه لتبديد مخاوف الأمريكيين بدا في هجوم “سان بيرنادينو”، الذي بدا فيه مثقفاً أكثر من اللزوم بدلاً من طمأنته للسكان.

 

ويختم الكاتب بالقول إن أوباما واجه أياما صعبة في المكتب وكافح من أجل أن يثير اهتمام الأمريكيين أكثر مما ألهمهم في حملاته الانتخابية.

 

وفي هذا السياق، يعلق مايكل غيرسون من “واشنطن بوست” على سجل أوباما في السياسة الخارجية، ويراه مسؤولا عن الفراغ الذي كان وراء صعود تنظيم الدولة.

 

ويقول غيرسون: “من هو المؤهل للحكم على ثماني سنوات في الرئاسة؟”، فالرئيس أوباما ومن حوله متحيزون لها. أما نقاد الإدارة فهم منخرطون في معارك في الوقت الحالي. وبالنسبة للمعلقين والصحافيين فعادة ما يبحثون عن الجوانب البراقة في القصة. ومع ذلك فسيكون لدى المؤرخين الوقت للعمل في تشريح فترة أوباما. وسيجدون في الآراء التي قدمها مسؤولون سابقون عملوا مع الرئيس ما يساعدهم.

 

وهنا انتقادات وزير الدفاع السابق، تشاك هيغل، الذي هاجم في مقابلة له مع مجلة “فورين بوليسي” أوباما واتهم إدارته بملاحقته ومحاولة تدميره، وقال إن البيت الأبيض حاول إدارة البنتاغون و”أجل الكثير من القرارات”.

 

واتهم هيغل أوباما بعدم الرد بطريقة مناسبة على الأزمة الأوكرانية ومعاقبة نظام الأسد بعد استخدامه السلاح الكيماوي، وهو “ما أضر بمصداقية كلام الرئيس”، كما وصف مدير المخابرات والدفاع السابق ليون بانيتا الرئيس بالرجل “الذي يتجنب المعركة واللوم ويضيع الفرص”.

 

ووصف وزير دفاع آخر، وهو روبرت غيتس، إدارة أوباما بأنها “أكثر إدارة مركزية وتسيطر على الأمن القومي لم نشهد مثلها منذ ريتشارد نيكسون”. ولاحظ “غيتس” عدم ثقة المسؤولين البارزين في البيت الأبيض، بمن فيهم الرئيس ونائبه، بالقيادة العسكرية أبدا.

 

ويقول “غيرسون” إن النقد الذي سيهم المؤرخين هو سياسة أوباما في سوريا التي حثه فيها قادته العسكريون والأمنيون والسياسيون على تدريب وتسليح جماعات من المعارضة السورية وذلك عام 2012، لكن أوباما حسب تعبير روبرت فورد، السفير الأمريكي السابق في دمشق كان في السياسة الخارجية “مترددا”.

 

وسيسجل المؤرخون فقدان السيادة في قلب الشرق الأوسط، والذي أدى إلى تقوية أسوأ الناس في العالم، وقتل فيها أكثر من 250.000 سوري منهم أكثر من 10.000 طفل وشرد واحدا من كل خمسة سوريين وفجر أزمة اللاجئين في أوروبا وأثبت أن الولايات المتحدة ليست شريكا يمكن الوثوق به وأتاحت لكل من روسيا وإيران نفوذا أوسع في المنطقة.

 

ويرى “غيرسون” أن صعود تنظيم الدولة كان نتيجة كارثية لإهمال سوريا. ويعلق غيرسون قائلا: “كل مسؤولو الإدارة السابقين يتحدثون باحترام كبير عن علم أوباما وأسلوبه المركز، ولكنهم يحكمون عليه سلبا في القضايا الإستراتيجية الكبرى والقضايا الإنسانية في وقتنا. وقد لا تنتهي صورة أوباما التاريخية عند هذا، بل ستبدأ بالتأكيد من هنا”.