“وكالات- وطن”- في درجات حرارة منخفضة جداً، يمسح أحمد ألتان، إمام أحد المساجد التركية، دموعه المنسابة على خديه، يحاول أن يعبر عن أحاسيسه، لكن دمعة أخرى تهاجمه من جديد فيصمت، فالرجل قد أدى للتو صلاة الجنازة على جثمان طفل لا يتجاوز عمره سنتين، من دون أن يكون وراءه في الصف أحد.

 

الصمت المحيط بالمكان يزيد من صعوبة الموقف، الإمام أحمد وجد نفسه وحيداً أمام جثامين عشرات السوريين اللاجئين، بعضها يعود لأطفال سرقهم الموت على حين غرة بعد أن خرجوا مع عائلاتهم في رحلة البحث عن الأمل والأمان، هاربين من مشاهد القتل والرعب اليومية التي احتلت أماكن لعبهم في حاراتهم التي كانت يوماً ما آمنة.

 

لا صوت يكبر خلفه

يكبر الإمام أحمد معلناً بدأ الصلاة، لكن لا صوت آخر وراءه يعيد التكبيرة في الغالب، وحتى في الحالات النادرة التي يوجد فيها، لا يتجاوز العدد شخصين أو ثلاثة، فالموتى لا يعرفهم أحد، وحتى هوياتهم مجهولة، إذ وُجدوا فقط مرميين على جنبات الشواطئ بعد أن لفظهم البحر وهم يحاولون الوصول إلى الجهة الأخرى منه.

 

حينما يُسأل الأمام أحمد عن سبب بكائه، لا يجد ما يقوله سوى تكرار جملة واحدة طيلة الوقت: “حينما يتعلّق الأمر بالأطفال فإن الصمود صعب”.

 

“مازالت أمامي 8 جثامين لأصلي عليها، وهي أيضاً من دون جماعة”، يضيف أحمد لموقع “الجزيرة ترك” بعد أن تمكن أخيراً من السيطرة على دموعه، قبل أن يزيد “هم 8 أشخاص لا معلومة عنهم سوى اسم المكان الذي انتهت فيه رحلتهم المتعبة”.

 

مجرد أرقام

وتحولت أسماء اللاجئين الموضوعين أمام الإمام الوحيد داخل أكياس بلاستيكية وتوابيت، إلى مجرد أرقام. يتقدم أحمد من جديد ليؤدي الصلاة، هذه المرة الدور على “الشخص 412″، هو شخص ما وُجد ميتاً في منطقة تدعى “ديديم” السياحية المطلة على بحر إيجه، وهو يحاول أن ينتقل إلى جزيرة “ساكيز” اليونانية الموجودة في الطرف الآخر على بعد كيلومترات.

 

وأصبحت مقبرة “دوغانشاي” التابعة لمنطقة “بايراكلي” بمدينة إزمير التركية “مقبرة أرقام” منذ بدء الأزمة السورية ومحاولات اللاجئين المرور عبر البحر إلى اليونان، ففي يوم واحد، دفن الإمام أحمد 32 شخصاً من دون هوية.

 

وبعد انتهاء مراسيم الدفن، قال أحمد “إنه حقاً عمل صعب، وآلامه المعنوية ثقيلة جداً، للأسف العالم أغلق عينيه، لكن مهما كان الأمر، يجب أن تعطى قيمة للإنسان، سواء كان مسيحياً أو مسلماً أو يهودياً”.

 

ويواصل الإمام عمله في المقبرة منذ 4 أشهر، إذ إنه رغم كل الآلام التي يسببها له ذلك، إلا أنه يستمر “مسنداً بالدعاء والصبر”.