قالت دراسةٌ جديدةٌ صادرة عن مركز بيغن- السادات للدراسات الإستراتيجية، في تل أبيب، قالت إنّ منطقة الشرق الوسط منقسمة حاليًا بين أربعة معسكرات متنافسة هي: إيران وأتباعها وحلفائها، الجهاديون السلفيون وعلى رأسهم ما يدعى بـ”الدولة الإسلامية”، جماعة الإخوان المسلمين بأشكالها المتعددة ومن ضمنها حركة “حماس″ المدعومة من قطر وتركيا أردوغان، و”قوى الاستقرار”، أيْ جميع الذين يخشون ويقاومون صعود المعسكرات الثلاث التي سبق ذكرها، مع اعتبار إسرائيل لاعبًا مهمًا وفاعلاً في المعسكر الأخير.

 

وبحسب الدراسة فإن الايام القليلة الأولى من العام 2016 وفرت دليلاً جديدًا على ديناميكية التغيير في ميزان القوى الإقليمي.

 

ويشكل تصاعد التوتر بين المملكة العربية السعودية وإيران المظهر الأبرز في دراما أكبر تتكشف الآن عبر مشهد جغرافي واسع يمتد من اليمن إلى سورية ومن الخليج العربي إلى ليبيا.

 

وتابعت أنّ المعسكر الرابع، وتعريفه غير واضح، يجمع كل أولئك الذين يخشون ويقاومون صعود المعسكرات الثلاث الأولى، ويُمكن تسمية هذه الجهات الفاعلة “قوى الاستقرار”، واعتبار إسرائيل لاعبًا مهمًا وفاعلاً ضمن هذا المعسكر. وما نشهده حاليًا، أضافت، هو تبدّل في ميزان القوى المعقد بين هذه المعسكرات الأربعة، وهي أساسًا تتقاتل فيما بينها، مع أنّها ترى أنه من الممكن أحيانًا أنْ تتعاون في ما بينها متجاوزة الانقسام الأيديولوجي، ضدّ ما تعتبره أعداء أشد خطورة.

 

ورأت أيضًا أنّ الحد القاطع لتصاعد المواجهة الإيرانية – السعودية يعكس حقيقة أنّ المعسكر الإيراني من جهة، وقوى الاستقرار من جهة ثانية، تنظر إلى بعضها بعضًا بصفة أنّ كلّ منها يشكّل التحدي الرئيسي للآخر، مع اعتبار ما يسمى “الدولة الإسلامية” وجماعة “الإخوان المسلمين” عدوًا من الدرجة الثانية.

 

ولفتت إلى أنّه تراجع معسكر “الإخوان المسلمين” بشكل حاد، مما قلل فرصه وكبح طموحاته، وقبضة السيسي على السلطة في مصر تبدو ثابتة على الرغم من مشاكل اقتصادية مستمرة، وهجمات إرهابية متكررة، وشكوك جدية في صدقية الانتخابات التشريعية الأخيرة. وتبدو فرص عودة جماعة الإخوان إلى السلطة، ضئيلة جدًا، ولا تزال “حماس″ بعد الضربات الموجعة التي تلقتها في العام 2014، حريصة على تجنب خوض معركة مع إسرائيل في قطاع غزة.

 

وبرأي الدراسة، يُمكن القول إنّه منذ صيف 2013، انحسرت حظوظ جماعة الإخوان، وصار من المشكوك فيه جدوى كونها حصانًا قويًا يمكن ركوبه للوصول إلى السلطة.  لكن هذا الكلام لا ينسحب على تنظيم “داعش” الذي تعزز ممارساته الوحشية العلنية هالته الغامضة وتجذب أنواعًا معينة من الشبيبة المتحمسين لفرص حياة من النشاط الخارج عن المعايير الغربية، موضحةً أنّه على الأرض، حقق “داعش” مكاسب في أماكن مثل ليبيا، ولا تزال قواته تسيطر على مساحات كبيرة في العراق وسورية، بيد أنّ زخم التنظيم جرى كبحه.

 

وأشارت إلى أنّه بسبب تحمل الروس جزءً من عبء إنقاذ النظام من الانهيار في ما تبقى من سورية، بات المعسكر الإيراني طليقًا في استئناف مسيرة الهيمنة الإقليمية. وهذا كان هو الوضع حتى قبل رفع العقوبات الدولية المفروضة على إيران وقبل بدء تدفق الأموال إلى طهران. أمّا إدارة أوباما، التي تعتبر الاتفاق النووي إرثًا استراتيجيًا رئيسيًا، فهي تدعم شفهيًا ضرورة مواجهة طموحات إيران الإقليمية.

 

وبما أنّ التركيز الدوليّ، تابعت، يتحول باتجاه محاربة تنظيم “داعش”، فليس من المستغرب أنْ يتكوّن انطباع لدى السعوديين وآخرين في المنطقة بأنّ أوباما وقادة غربيين آخرين مستعدون لرؤية إيران كجزء من الحل وليس كجزء رئيسي من المشكلة. ولعل هذا العامل أكثر من أي عامل آخر، أيْ الشعور بأنّ أمريكا لم تعد القوة العظمى التي يمكن الاعتماد عليها لدعم قوى الاستقرار في المنطقة، هو الذي يشمل القوة الدافعة للديناميكية الجديدة في “لعبة المعسكرات”.

 

ورأت الدراسة، التي نقلتها إلى العربيّة “مؤسسة الدراسات الفلسطينيّة” ومقرّها بيروت، رأت أنّه من السابق لأوانه وليس من الحكمة في هذه المرحلة توقع بروز معسكر استقرار متماسك وقوي يعمل بتعاون وثيق، فهناك تباين في موقف السعوديين ومصر من المسألة السورية، والعلاقة الإسرائيلية مع سلطة عباس في رام الله على الرغم من النظرة المشتركة لتحديات إقليمية أوسع، شهدت انتكاسة خطيرة في الأشهر الأخيرة بعد أن تعلّق الفلسطينيون بموجة إرهاب كأداة سياسية، كما أنّ تحول تركيا لم ينضج بعد، ونيات أردوغان والتزامه المتواصل تجاه حركة “حماس″ لا تزال تثير شكوكًا في إسرائيل ومصر.

 

وخلُصت إلى القول إنّه نظرًا لإمكانية صعود القوة الإيرانيّة، فإنّ تحالفات بدت بعيدة الوقوع، قد تصبح حجارة لبناء واقع جديد، وهذا ما جرى بالفعل في شرق البحر الأبيض المتوسط حيث تتلاحم الآن مصالح كل من مصر والأردن وإسرائيل واليونان وقبرص، فضلاً عن إيطاليا وقوى أوروبية أخرى بدأت تدرك خطورة الوضع الحالي، على حدّ تعبيرها.