نظام المهداوي

التفت محمد بن زايد نحو ضيفه المسؤول الأمريكي الكبير قائلا: لو عرف الإماراتيون ما أفعله لرجموني بالحجارة. كان ذلك قبل الثورات العربية، وبالتحديد منذ أن تمكّن من الانقلاب على أخيه خليفة ليستفرد بالحكم.

وهذه المقولة جاءت في برقية مسربة ضمن وثائق ويكليكس. ويبدو أن الشيخ كان يبالغ أو يحاول أن يظهر للمسؤول الأمريكي أنه مستعد للذهاب إلى أبعد ما تكون الخيانات والانقلابات.

ورغم انكشاف بعض ما فعله لم يرجم الإماراتيون حاكمهم ابن زايد. أرسلت فقط بعض النخب الإماراتية التي كانت محل تكريم من دولتها رسالة إلى “خليفة”، الذي تحول إلى “خيال مآتة” تطالبه بالإصلاح.

وقبل أن يعتقلهم ابن زايد كان القوم يكررون ويؤكدون بمجالسهم وبين أنفسهم لو أن آل نهيان تخلوا عن الحكم لكانوا أول من يطالبهم بالعودة، ذلك لأن النظام القبلي لا بد أن تحكمه عائلة متفق عليها وإلا تقاتلت القبائل طمعا بالعرش، ولذلك لم يكن سعيهم إلا الدعوة للإصلاح. ومع هذا رماهم ابن زايد في غياهب معتقلات تصفها منظمات حقوقية بأنها شبيهة بـ “غوانتنامو”.

يقال إن مستشاره رجل الاستخبارات المفصول من “فتح” والهارب من القضاء نصحه بذلك. فابن زايد لا يثق بأحد. ومن الغباء أن يثق بأي من أقربائه وهو الذي ينتمي لعائلة اشتهرت بغدر الأشقاء وأبناء العم.

فجده “سلطان” قتل على يد أخيه “صقر” ليستولي على حكم أبو ظبي، ثم  لم يلبث أن سقط قتيلاً على يد “خليفة” عم الشيخ “زايد” ليكون رابع حاكم لأبو ظبي يقتل على يد أحد أفراد عائلته وورث الحكم “شخبوط” قبل أن ينقلب عليه أخوه “زايد” ويستولي على الحكم، ويقال إنه لولا العهد الذي قطعه أمام أمه “سلامة” مع إخوته لبطش فيه، لكنه نفاه إلى بيروت.

وربما يفسر هذا كيف استأنس ابن زايد بعد الانقلاب على أخيه بمستشاري السوء والتآمر والفوضى من أنظمة متهاوية ليجمعهم حوله.

وهذا أيضا يرتبط بحقيقة كشفت عنها وثيقة أخرى مسربة تظهر عدم ثقته حتى في جيشه، إذ قال إن شيخاً في جامع يستطيع تحريك ٦٠٪ من أفراد الجيش الإماراتي، ونصحه المستشارون بجلب المرتزقة من جيش كولومبيا مع الاستعانة برجال عصابات “البلاك ووتر”، التي نفذت مذابح في العراق، كي تحرس قصوره، وتشارك في حرب مضادة للثورات كان هو من خلقها وأهدر من أجلها مليارات بلده لينشر الحروب الأهلية والفوضى.

ولم يكن خوفه من الإسلاميين المحرّك الوحيد لابن زايد ولا استرضاؤه الأمريكيين والإسرائيليين، إنما يبدو واضحاً -حسب تسريبات جديدة– بأنه يسعى لحكم مصر ومعها ليبيا واليمن وكل عواصم الأنظمة الساقطة.

ويرى الرجل أنه الأجدر بتولي زعامة الدول العربية للعديد من الأسباب أهمها أنه يملك المال القادر على “تعليف” الشعوب بالفتات كالدواب فلا تتدبر أمرها تماماً كما يحاول أن يفعل مع شعبه، وبسبب أنه من نسل “حكيم العرب” ومن نسب عشيرة ينهش الإخوة لحوم بعضهما الآخر.

وفوق هذا وذاك استطاع بدعم “متسول” الرز الخليجي الأكبر أن يمسخ أم الدنيا ويحولها إلى أم المتسولين، لدرجة أن يرسل لشعبها الملابس المستخدمة ثم يطلق “نباح” المذيعين من على فضائيات يمولها كي تصور اللحظات التاريخية لفرحة المصريين شاكرة كرم الإمارات.

بعد كل هذا كيف ينظر ابن زايد لنفسه من خلال عيني مستشاره “دحلان”؟ حرب أهلية في ليبيا وأخرى في اليمن ضد الإخوان والحوثيين معاً ودعم خفي لنظام الأسد في سوريا، واقتياد مصر إلى الانهيار من خلال متسول أنفقت عليه وعلى جيشه أكثر من خمسة وعشرين مليار دولار لم تجلب على الشعب إلا مزيداً من القهر والضيم والقتل والاعتقال.

وفي غمار كل هذه الفوضى تبرز علاقات الأخوة مع الشقيقة إسرائيل. كم هو مفيد المستشار دحلان للاثنتين أبو ظبي وتل أبيب! مع أن أبو ظبي لم تحتج مستشارها للنصح والوساطة وهي المعجبة حتى الغرام بإسرائيل والأجدر في التطبيع معها أكثر من مصر والأردن، ذلك لأنها اتخذت تل أبيب نموذجا ناجحاً تسير على دربه في البلطجة والقتل والبطش والتآمر وإشاعة الفوضى، والأهم انتهاكها لقوانين دولية دون أن يهتز جفن الدول التي تخرسها بالمال القذر، وطبيعي أن تقصف طائراتها دولة اخرى أو تزود السلاح لمليشيات متقاتلة في ليبيا يجري عليها حظر دولي أو ترسل الوقود إلى طائرات بشار الأسد لتواصل مهمة إسقاط البراميل المتفجرة على السوريين.

ولا يبخل ابن زايد بواسطة مستشاره في إفساد السلطة الرابعة بالشرق والغرب وبغباء مطلق تشتري أبو ظبي السياسيين الدوليين والصحفيين الغربيين في صفقات سرعان ما تنكشف وتفوح منها روائح التآمر على كل شيء، على مواطنيها الإماراتيين وعلى جارتها وعلى الإسلاميين والمطالبين بالحريات من الوطنيين اليساريين والعلمانيين المغيب أكثرهم في غياهب السجون.

وعلى العرب جميعا الذين خرجوا ضد الظلم والاستبداد فسرقت ثوراتهم وجعلوها رجسا من عمل الإخوان.

وبما أنه ليس من العقل تكذيب حقيقة أن العالم العربي مقبل على انفجار فإن ابن زايد يتصرف باستعجال انفجاره حتى على أقرب حلفائه “السيسي” وهذا ما قد يستدعي المؤرخين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس أن يتوقفوا عنده كثيراً ليكتشفوا حقيقة ما الذي كان يسعى إليه هذا الرجل الذي بزغ نجمه في أسوأ سنين العرب، وعند كل حرب وكل مؤامرة وعند كل انفجار تجد أصابعه وأصابع قرينه دحلان.

فإن كانت عقدته الإسلاميين فلمَ يحارب غيرهم من العلمانيين والليبراليين واليساريين والحقوقيين؟ وإن كان ضدهم فلماذا لا يقدم لنا البديل بدول مدنية خالية من الفساد تسود فيها الحريات؟ وان كانت عقدته الثورات فلمَ يستهدف الإسلاميين في كل بقاع الأرض من تركيا مروراً بليبيا حتى مالي؟ ولماذا يلجأ لاستخدام الدين وتأسيس “مجلس حكماء المسلمين” ويدفع لأعضائه من رجال الدين رواتبهم ويتقرب من الصوفيين في محاولة واضحة لتحويل الإسلام إلى دين كهنة؟

وإن كانت عقدته الديمقراطية القادرة على إزاحة حاكم مستبد مثله من على عرشه، فهل يعقل أن لا أحد قدّم له النصيحة يوماً بأنه قد يقود المنطقة فعلاً ويصبح زعيمها كما أشار مستشاره الأكاديمي، لكنه يضع مؤخرته على فوهة الانفجار.

لن تحكم الشعوب بعد اليوم كدواب محرومة حتى من العلف وفيما العالم ينكمش داخل شاشة يستشري الفساد والقمع والاعتقال والاختفاء القسري وفساد القضاء وغياب المؤسسات وانعدام العدالة الإجتماعية.

لا يتوقف الزمن حيث مزاج الشيخ ولا تستطيع ملياراته ومؤامراته أن توقف سنة من سنن الحياة وهي التغيير الذي قبل أن يرسو على حال مستقرة سيهدر كطوفان نوح وسيظل ابن زايد مستعصماً بجبل ملياراته حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

حينها قد يعرف المؤرخون لماذا قال ابن زايد:” لو عرف الإماراتيون ما أفعله لرجموني بالحجارة”.

نظام المهداوي