لم يكن مفاجئا أن “ينفرد” موقع “24” الإماراتي الإخباري المحسوب على جهاز الأمن في أبوظبي في نشر خبر اعتقال الأكاديمي السعودي وقائد الرأي الخليجي والإعلامي العربي محمد الحضيف، ويحقق سبقا صحفيا استمر بضع ساعات. فهذا النشر المبكر الذي سبق وسائل الإعلام السعودية الرسمية أمر يستحق أن يقف عليه السعوديون جيدا للتعرف على مدى اختراق جهاز أمن أبوظبي لمؤسسات وجهات سعودية، بما يوحي بعودة “عهد التويجري” البائد بوصول الملك سلمان للسلطة في يناير 2015. 

اعتقال الحضيف ويد أبوظبي الأمنية

في نشر الموقع الأمني خبر اعتقال الحضيف قرينة ترقى للدليل على أن سبب اعتقاله هو تغريداته المتواصلة التي يعبر فيها آرائه حول بعض سياسات أبوظبي المناوئة لسياسة الملك سلمان أولا وأخيرا، أي أن الحضيف يدافع بصورة أو بأخرى عن سياسة الرياض التي اعتقلته إرضاء لأبوظبي وفقا لموقع “الإمارات ٧١”.

حتى التغريدة التي قيل إن الحضيف اعتقل بسببها، حول هروب وزير “العدل” المصري المطرود من منصبه أحمد الزند إلى دولة الإمارات، هو ذاته يواجه قضية أمام المحاكم السعودية لتطاوله على الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. فهل يمكن للسعودية أن تعتقل رجلا استخدم حقه في التعبير عن شخصية أساءت للرسول ولعموم المسلمين.

من جانب آخر، فإن اعتقال الحضيف وحديث أبوظبي عن اعتقاله عبر شخصياتها الأمنية الشامتة أو عبر مواقعها الإعلامية يدفع للتساؤل عن حقيقة تغلغل أبوظبي في جهاز الأمن السعودي الذي إن أراد أن يخفي هذا الجهاز معلومة عن الناس فلا سبيل لمعرفتها، فكيف يمكن أن يصل خبر اعتقال الحضيف في بضع دقائق لأبوظبي وتعممه على مغرديها ومفتييها وأمنيها؟

على هامش مناورات “رعد الشمال” قال ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد إن السعودية والإمارات تجمعهما رؤية شاملة ومشتركة لمواجهة أزمات المنطقة، مع استمرار المسؤولين في دولة الإمارات على التأكيد على البعد الأمني في تسوية هذه الأزمات، ليس كحالة أمن وأمان وإنما كإجراءات بوليسية قمعية تستهدف الحريات والحقوق التي لا يتوقف الغرب: برلمانات ومنظمات حقوقية عن انتقادها. وهو ما أكده أيضا الرئيس الأمريكي أوباما في أبريل الماضي عندما صارح قادة الخليج من أن الخطر الحقيقي عليهم هو القمع والتهميش الذي تلاقيه شعوب الخليج من حكوماتها. 

فهل باتت يد أبوظبي الأمنية والبوليسية طويلة إلى هذا الحد الذي يُعتقل من أجلها مفكرون ومثقفون في الكويت (مبارك الدويلة) والأردن (زكي بني ارشيد) والسعودية (محمد الحضيف)  ومصر (اختطاف شعب كامل بالانقلاب) وتونس (انتقاد الرئيس السابق منصف المرزوقي) والمغرب (انتقادات لحكومة بنكيران)؟ ما هو الوزن الحقيقي لأبوظبي حتى تتواطأ معها أجهزة مخابرات عربية وخليجية وأندونيسية كما جرى باختطاف عبد الرحمن بن صبيح مؤخرا من جاكرتا في عملية بوليسية “هوليودية” بغطرسة غير مسبوقة؟

مواقف شامتة ومتعالية   

جريمة اعتقال الحضيف تكاد تكون جريمة خاصة لسلطات أبوظبي. فهي التي نشرت نبأ الاعتقال، وهي التي أطلقت عناصرها لتشمت برجل سليل يوسف عليه السلام سُجن عزيزا وخرج عزيزا، و ابن تيمية الذي لا يرى في سجنه إلا خلوة. 

الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبدالله يتنكر لزميل أكاديمي مثله ويعبر “عن ارتياحه” لاعتقال الحضيف، ويظهر شماتة في سلب فيه حرية الرجل وقدرته على الرد، في موقف يخلو من مروءة العرب وشرف الخصومة السياسية. هل لو جمعت الحضيف وعبد الله مناظرة، هل كان الأخير “سيُجميع” جملة مفيدة أمام مناظره. لقد نسي عبدالله طريقة طرده المهينة له في مطار المنامة الشهر الماضي لأسباب أمنية، أم أنه يسعى للعودة للبحرين بالهجوم على الحضيف؟

أما المتجنس وسيم يوسف، الذي سب وسفه مؤخرا المنهج السلفي والوهابي تحديدا الذي تسير عليه المملكة العربية السعودية نظاما وحكومة وشعبا ودستورا، وتستمد شرعيتها الدينية والسياسية منه،   فقد وصف اعتقال الحضيف “بالحزم ضد الخائنين”، على حد زعمه. 

إساءت أبوظبي للسعودية والملك سلمان

من جانب آخر، فإن إساءات أبوظبي للسعودية والملك سلمان لا تتوقف، ولكن لم تبادر أي جهة إماراتية لمحاسبة المسيئين. فقد سبق لإعلاميين إماراتيين معروفين مثل خلف الحبتور أن هاجم سياسة الملك سلمان بكل صراحة واعترض على إدارة الحكم والشؤون الداخلية السعودية، ولا يزال أنور قرقاش يهاجم سياسة الرياض بصورة غير مباشرة في مواصلته انتقاد التقارب السعودي التركي والسعي لشيطنة حليف السعودية، فضلا عن حملة تشويه إعلامي يقودها محمد دحلان ضد الملك سلمان واتهامه بالزهايمر وضعف القدرات طوال الشهور الأولى من توليه الحكم في السعودية، ومر ذلك مرورا عابرا. بل إن سياسة أبوظبي الرسمية وسلوكها في المنطقة لا يتعارض فقط مع مصالح الرياض وإنما أيضا تستهدف إحباط هذه المصالح والصدام معها، كتأييد الأزهر ليحتل مكانة المؤسسة الدينية السعودية.

لماذا الحضيف

تعرضت  الإمارات طوال الأسبوعين الماضيين لحملة إساءات طائفية عراقية مهينة من جانب مليشيا الحشد الشعبي الشيعي الإيراني الإرهابي في العراق الذي توعد بوضع “أحذيتهم” في متاحف دبي والشارقة. والسبت (19|3) وجه حيدر العبادي رئيس وزراء العراق انتقادات شديدة اللهجة للإمارات والخليج، وزاعما أن 100 إماراتي انضموا لداعش. إزاء هذه الهجمة الشرسة، فإن ألسنا وأقلاما وعمائم وتغريدات خرست تماما ولم تنطق بكلمة ولا تزال تخشى حتى التطرق للحشد الشعبي.

مؤخرا نشرت قناة العربية السعودية وثائقي بعنوان “حكاية حسن” امتدح حسن نصر الله زعيم حزب الله الإرهابي في ذروة الصدام السعودي مع الحزب وإيران، ومع ذلك لم يتعرض للقناة أحد لا بمساءلة ولا بمحاسبة. 

الإعلام المصري لا يتوقف نهائيا عن انتقاد الملك سلمان واتهام السعودية والوهابية بأنها مصدر الإرهاب في العالم، ومع ذلك لم تعتقل أجهزة الأمن المصرية أي إعلامي ولم توجه لأي أحد سؤال. بل إن نظام السيسي يبرر ذلك بأنه “حرية تعبير”. 

اعتقال الحضيف مرتبط بسلوك جهاز الأمن في السعودية، وأجهزة الأمن ترتبط بعلاقات خاصة بصورة تتمرد فيها حتى على الحكام والقادة السياسيين وتتحكم في كثير من شؤونهم، واعتقال الحضيف قد يكون تم خارج القانون كما تم اختطاف عبد الرحمن بن صبيح من جاكرتا من خلال محسوبيات وخطوط اتصال خاصة بين أجهزة الأمن والمخابرات، والذي يعني أن أجهزة المخابرات أينما كانت هي ومن معها من “وجوه مدنية”، إنما نقيض الحرية والكرامة والحقوق للمواطن الإماراتي والسعودي والخليجي والعربي. كما أن هذه الأجهزة تظهر “تفوقها” أمام الناشطين وأصحاب الرأي السلميين، أما في مواجهة المتطرفين والإرهابيين فلا أثر لها!