الدبورـ كتب وعد الأحمد – في مطلع الشهر الاول من عام 1997 فقد فن فناناً كبيراً يعتبر من أوائل مؤسسي فن في الشرق عامة وفي خاصة، وهو الرسام الشهير الكسندر المعروف بلقب () الذي دُوّن اسمه في السجل الذهبي للكاريكاتير العالمي كواحد من أبرز أعلامه خاصة أن ريشته استطاعت أن تلتقط كل ما يدور بخواطر العامة من الناس فأثارت الأسئلة الذكية الساخرة حول قضايا الشعب الرئيسية ورصدت معاناة أبناء الشرائح الاجتماعية الفقيرة، وركزت على المفارقات الطبقية بين المتخمين بالبؤس والشقاء والمتخمين بالجشع والنهب والتسلط -كما يقول الدكتور مروان الخطيب في كتابه (صاروخان- الكاريكاتير- الانتماء) – الذي صدر عن دار الصداقة بحلب في 122 صفحة من القطع الصغير وتضمن نماذج الكاريكاتير التي رسمها الفنان الراحل بدءاً من منتصف الثلاثينات وحتى وفاته في 10/1/1977.

ولد صاروخان  في الأول من أكتوبر عام 1898في قرية (اردانوش) من قرى القوقاز، تلقى دراسته الابتدائية في مدينة باطوم ثم انتقل مع أخيه إلى مدينة اسطنبول وهو لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره ودخل عام 1915 معهد المختارين الليليين ثم غادر عام 1922 إلى فيينا ليدرس فن الرسم (الجرافيك والليتوغرافيا) حيث التقى بصحافي مصري اكتشف ما لدى هذا الفنان الشاب من المواهب في فن الكاريكاتير فشجعه على التخصص في هذا النوع من الرسم.

بدأ في مراسلة صحيفة “كاوروش” الارمنية في اسطنبول برسوم كاريكاتيرية وإلى جانب ذلك راح يرسم للمجلات والجرائد المصرية نذكر منها “الجديد، روز اليوسف، أخر ساعة، أخبار اليوم، الأخبار، المستقبل” والمجلات الفرنسية المصرية منها “لابورس، اجبسين، ايماج” وغيرها.

كان صاروخان كما يقول الاديب الراحل نظار.ب. نظاريان أول من رسم شخصية الشعب المصري باسم “مصري أفندي”. وعبر على لسان هذه الشخصية عن أماني وآمال الشعب العربي في مصر في كفاحه ضد الاستعمال الانجليزي وضد التسلط الملكي، وعاشت شخصية المصري أفندي مدة طويلة حتى أن الصحافة الأوربية كانت تعيد نشر سخرية هذه الشخصية ونكاتها اللاذعة عدة مرات.

بين رخا وصاروخان

كان وصول الفنان الأرمني صاروخان إلى مصر بعد عامين على اعلان تصريح 28 فبراير سنة 1922 الذي قرر إنهاء الحماية البريطانية والاعتراف بمصر دولة مستقلة ذات سيادة وتبع ذلك صدور الامر الملكي رقم 42 لسنة 1923 بوضع نظام دستوري للدولة المصرية.

وكان عام 1927 بمثابة عام تحول في مسيرة الكاريكاتير في مصر. ففي هذه السنة اصدر محمد علي حمادة مجلة “الناقد” وأصدر جمال الدين حافظ عوض  مجلة “الستار” ومصطفى القشاشي أصدر مجلة “أبو الهول” وبعدها ” الصباح” فيما أصدر أحمد شفيق مجلته “المطرقة”.

وفي هذه السنة بدأ رسام الكاريكاتير المصري رخا ممارسة الرسم الكاريكاتيري في الصحافة المصرية ويعتبره النقاد أحد الذين تأثروا برسومات صاروخان في بداية مشواره الفني ويعتبر الرائد المصري الأول في فن الكاريكاتير لأنه استطاع “تمصير” الكاريكاتير بعد أن كان حكراً على (سانتيس) الاسباني و(رفقي) التركي و(صاروخان) الأرمني.

وكان من الطبيعي أن يتتلمذ رخا على أسلوب صاروخان ويقلده في بداية الأمر خاصة في تكويناته وحركاته وتعابيره إلا أن رخا في “أخبار اليوم” لا يكاد يختلف كثيراً عن أسلوبه عندما بدأ بتقليد صاروخان ويؤكد ذلك الرسم الذي نُشر في أحد الأعداد الاولى من “أخبار اليوم” في الصفحة الأولى وعلى مساحة تصل إلى ستة أعمدة وهو رسم لعدد كبير من الشخصيات المشهورة بريشة “صاروخان ورخا” ومطلوب من القراء أن يحددوا الشخصيات التي رسمها كل من هذين الفنانين وكان هذا دليلاً واضحاً على تقارب أسلوبيهما.

المصري أفندي

كان صاروخان أول من ابتكر الشخصيات النمطية الكاريكاتورية في مصر والوطن العربي وأول  شخصية نمطية ظهرت بريشته هي شخصية “المصري أفندي” .

ويصف الكاتب (ضياء الدين بيبرس) هذه الشخصية في مقال له بعنوان “هؤلاء الضاحكون وإبتساماتهم الدامعة” حيث يقول:”هي شخصية أودع فيها صاروخان خلاصة انطباعاته عن المصريين مضافة إليها خلاصة تصور التابعي للشخصية المصرية فجاء المصري أفندي رجلاً قصير القامة طيب القلب مبتسما في أغلب الاحيان يرتدي الثياب الافرنجية في غير تأنق ويمسك بيده السبحة التي تشفّ عن تديّنه”.

حرية الفنان

  جمع أسلوب صاروخان في الرسم بين المدارس الاوربية والأمريكية في الكاريكاتير. الأول تعتمد على الحوار الساخن في شرح تناقضات الموقف الكاريكاتيري وتميل على صعيد الرسم إلى تبسيط الاشكال بعض الشيء والثانية تقوم على اعتماد الحوارات والشروحات أو التعليق على الرسم الكاريكاتيري الذي هو عمودها الفقري وهذه المدرسة تتميز عادة باللجوء إلى الرمز. وعلى الرغم من أن صاروخان أكثر من التعليق والحوارات في أعماله المنشورة في بعض الروايات والقصص وذلك لضرورة التبسيط والإيضاح كما يشير الخطيب خاصة أنه كان يقدم هذه الأعمال الكاريكاتيرية لتجسد بالصورة الأحداث والأشخاص التي تتضمنها تلك الروايات.

غير أنه استطاع عبر آلاف الاعمال أن يقدم لوحات كاريكاتيرية لا تعليق عليها ولا حوار فيها لقد كان الرسم هو الناطق الوحيد وعلى عين القارئ وذهنه وحواسه تقع عملية صياغة الحوار والتعليق.

واستطاع صاروخان الاستفادة من مخزونه الفكري. متعدد الثقافات. معتمداً على لغاته العديدة التي يجيدها وعلى تجربته الخاصة واطلاعه، وأسفاره فكان تشكيلياً محترفاً إذا شاء وركز على الجوانب التشريحية في موضوعاته فأخذت هذه الجوانب مكانها بشكل حسي ومعرفي ساعدته على ذلك قدرته التعبيرية وتقنياته العالية التي أدخل إليها اللون أحياناً في إطار المفارقات الكاريكاتيرية التي تبرزها أعماله غير الصحافية بشكل خاص. كما استطاع صاروخان التعامل مع الموضوع السياسي في أدق الظروف خطورة وأحرجها  مبيحاً لنفسه جرأة القول منتزعاً حرية الفنان فيه معبراً من خلال شخصياته الكاريكاتيرية العديدة التي ابتكرها خلال مسيرته الطويلة وأبرزها “المصري أفندي” الذي عبّر خير تعبير عن المواطن المصري البسيط ومن خلاله استطاع تنطيق مجتمع بأسره، دفع صاروخان إلى التعبير عن مشكلاته واشتراكه في المسرح السياسي جنباً إلى جنب مع القادة البارزين أو في الخندق الرافض لهم ولسياساتهم، ومن هذه الرسوم تلك التي شيّع بها صاروخان الملك فاروق الذي عُرف بالشراهة، لقد صوره وهو يأكل ثم علق بأنه بعد خروج الملك لم تعد هناك أزمة طعام في مصر.