الدبور – واجه الأردنيون قبل أيام مفارقةً متناقضةً في السلوك الحكومي، حيال حادثتين مهمتين، ربما تفسران سبب التغير الدرامي الذي جعل جزءًا غير يسيرٍ من الشعب يتعاطف مع لصوص البنوك.
في السلوك الحكومي الأول، خضع الأردنيون إلى “العين الحمراء” الحكومية التي حذّرتهم من مغبة التعاطف مع لصوص البنوك، بعد حادثتي سطو على بنكين في العاصمة عمّان، وصدر التحذير على لسان الشرطة التي أبدت امتعاضها من هذا التعاطف غير المسبوق، خصوصًا على مواقع التواصل الاجتماعي، من مدونين كثر، امتزجت تعليقاتهم بالسخرية والنكات اللاذعة التي سوّغت هذا السلوك، على اعتبار أن المواطن بلغ مرحلة الانكشاف التام أمام سلسلة الارتفاعات المهولة في الأسعار التي طاولت حتى رغيف الخبز، الذي كان يعدّ المساس به، حتى فترات قريبة، ضربًا من العبث بالمقدسات.
ولست هنا في معرض لوم الحكومة على صدمتها من سلوك مواطنها، الذي ربّته على الانصياع التام لقراراتها التي “تصب أولًا وأخيرًا في مصلحته”، وهي التي كانت، دومًا، تتغزّل بـ”الأمن والاستقرار” اللذين يحظى بهما المواطن الأردني، وكأنها تريد إيصال رسالة “إنكم في نعيم مقيم. وفي المقابل، عليكم أن تتفهموا كل المصائب التي نهوي بها على نوافيخكم، بما فيها الغلاء الفاحش، والتضييق على الحريات والأحزاب، وديمقراطية النص كم التي أسبغناها عليكم”.. ولم تكن تعير بالًا للفرق الشاسع بين “استقرار المستنقع” الذي لا تتمخض عنه أي حياةٍ غير حياة الطحالب والبكتيريا و”استقرار النهر” الذي يعرف مجراه، ويعجّ بكل صنوف الحياة الدافقة والمتجددة.
الشق الآخر من السلوك الحكومي تمثل في تزامن إشهار “عينها الحمراء” ضد المواطن، مع بهجةٍ رسميةٍ غريبةٍ ببيع رقم مميز للوحة سيارة، في مزاد علني، بمبلغٍ يزيد على نصف مليون دينار مع الضريبة، لأحد التجار، وسط احتفالٍ منقولٍ على وسائل الإعلام المرئية و”المخفية”، وكأنها تتعمد إلهاء المواطن المسكون بالأحداث البنكية أخيرا.

غير أن الحكومة، في محاولاتها البائسة هذه، لم تتنبه إلى أن في هذه المفارقة، وما يماثلها، تكمن عقدة الرواية التي صنعت التحول الدرامي في مشاعر المواطن الأردني، وجعلته متعاطفًا مع لصوص البنوك، للمرة الأولى، في حياته “المستقرة”.
والسؤال هنا: ما الذي كانت تنتظره الحكومة من مواطنٍ أطبق عليه الغلاء من كل الجهات، وطارده غول الأسعار في رغيف خبزه، وحبة دوائه، وفواتير مائه وكهربائه وقروضه البنكية لتأمين الحد الأدنى من متطلبات حياته، ثم تأتي لتطعن مشاعره بهذه المزادات القاتلة، هي وبعض التجار الذين لا يراعون مشاعر مواطنٍ أنهكه الطفر؟
ومن الغريب، حقًا، أن يُطلب من المواطن، في كل مرة، أن “يتضامن” مع حكوماتٍ وبنوكٍ وتجارٍ لا يتضامنون معه، وكأنهم جزءٌ من جسد آخر، ليس معنيًا بالسهر والحمّى مع “المريض الأردني” الذي بلغ حد الهذيان فعلًا من “حمّى” الأسعار التي فاقت كل قدراته على التحمل.
أكرر، في مثل هذه المفارقة بين “العين الحمراء” و”العين البيضاء” يكمن التحول في مشاعر المواطن الأردني، الذي تطلب منه الحكومة أن يتضامن معها لسداد عجوز موازناتِها المتكرّرة سنويًا، ويحتمل ألم القطعة الجديدة التي ستنتزعها من لحمه لسد العجز، لكنها في المقابل تسنّ له يوميًا قوانين صارمة، تقتطع جزءًا جديدًا من “حريته” المجزوءة أصلًا، على غرار قانون منع التجمع، وحبس الصحفيين، ومطاردة آراء المدوّنين على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقبل ذلك، عاش المواطن الأردني ردحًا من الزمن، وهو ينتظر “ثمار معاهدة السلام” التي وعد بها حال توقيع اتفاقية وادي عربة، فاكتشف أن المعاهدة لم تكن إلا لصالح إسرائيل واقتصادها وسفارتها المستهترة بالدم الأردني، أما هو فتردّت أوضاعه المعيشية من سيئ إلى أسوأ، فإن حاول الاحتجاج، جحظته ثانية بـ”العين الحمراء”.
على هذا النحو، تتضح المعادلة: لوحة سيارة باذخة، مقابل 40% من المزارعين المطلوبين للحبس بعد تراكم الديون عليهم.. لوحة سيارة مقابل شعبٍ مرشح لانحدار نصفه إلى ما دون خط الفقر، بعد متواليات رفع الأسعار المهولة.. لوحة سيارة مقابل 30% من البطالة المستفحلة في صفوف الشباب.. فماذا ترتجي الحكومة بعد ذلك؟ هل يكون الحل المقبل بعرض “المريض الأردني” نفسه في المزاد.. لا أستبعد.

بقلم باسل طلوزي