بقلم المفكر والباحث العربي: منير العكش
(خاص - الوطن) أكثر من مئتي سنة قبل ولادة المشروع الصهيوني وأميركا الانكلوسكسونية الرسمية لم تكن إلا محطة من محطات (المشروع اليهودي) الذي هو أخطر علينا وعلى العالم من مشروع هرتزل الصهيوني.الجزيرة التي ألهمت همنغواي رواية (الشيخ والبحر) ماتزال إلى الآن تحتفظ ببيته وبركة سباحته وبأجيال لاحصر لها من قططه. جزيرة على باب كوبا، وتكاد الموجة الواحدة تتكسر على شاطئيهما. هنا حين تفتح نافذتك يحمل إليك هواء البحر عطر الصبايا الكوبيات وأهازيج أخر قلعة أميركية منيعة على برابرة ما بعد الحداثة.
هنا في أقصى جنوب فلوريدا توقف الزحف الجنوبي لما يسمى في الأدب الاستعماري الأميركي (بالقدر المتجلي)، وهي العقيدة التي مازالت توهم شعب الله الانكلوسكسوني على طرفي المحيط بأن مسيرة تاريخ الإنسانية لابد أن تضع كل شعوب العالم تحت أقدامهم.
كانت عقيدة (الاختيار الالهي) التي ظن الإنكليز (يهود الروح) أنهم أحق بها من العبرانيين (يهود اللحم والدم) قد دخلت عصر العلم وتقولبت في (نظرية التفوق العرقي). وكان جون أوسوليفن - وهو أحد أنبياء أميركا الحديثة - هو الذي طلع بعقيدة (القدر المتجلي) التي أراد بها أن يعلمن لاهوت الاستعمار الإنكليزي البيوريتاني المستمد من أدبيات العبرانيين ولاهوت مملكتهم ومن أوهام تفوقهم على باقي البشر و(حقوقهم) المقدسة في نهب بلاد الآخرين وإبادة سكانها.
أكثر من مئتي سنة قبل ولادة المشروع الصهيوني وأميركا الانكلوسكسونية الرسمية لم تكن إلا محطة من محطات (المشروع اليهودي) الذي هو أخطر علينا وعلى العالم من مشروع هرتزل الصهيوني. هكذا كان المستعمرون الإنكليز يسمون أنفسهم (عبريين Hebrists) ويستعيرون لأنفسهم (أسطورة الخروج) فيشبهون الجزيرة البريطانية بأرض مصر، ويشبهون العالم الجديد بأرض كنعان. وهكذا كانوا يستمدون من لاهوت إسرائيل مبررات إبادة سكان أميركا الكنعانيين الذين أحل رب الجنود لشعبه المختار أرضهم وأموالهم ودماءهم.
هذه الجزيرة التي تسمى اليوم (كي وست) تشكل ثغرا متقدما لأرخبيل من عشرات الجزائر التي تربط بينها جسور معلقة تراها في الشتاء تحت شمس الصيف؛ جزائر تعاورَ قديسو فرديناند وايزابيلا وعبرانيو كانتربري على صيد أهلها صيد السمك.
على طرف الماء المتلألىء بشمس الضحى القوية، وفي الظل الكثيف، كنت أقرأ عن حركة استيطان شعب الله الإنكليزي في مقدمة برنارد بايلي لكتابه The Peopling of British North America حين احتجب تلألؤ الماء ووهج السماء عني بسحابة سوداء لحاخامين شابين يحجلان فوق الرمل مثل البنغوين القطبي.
وكالملسوع، تركت الكتاب جانبا، وراحت عيناي تتأملانهما وهما يجرجران أثقال ملابسهما وقبعاتهما وزعانفهما السوداء بين الأجساد العارية كأنهما خارجان من مسرحية (شلومو وشولميت) التي حاولت أن تجد مقابلا يهوديا لروميو وجولييت فكشفت عن مأساة (عقيدة الاختيار) وعنصريتها وعن هذا التاريخ الطويل من الإصرار عليها والعذاب في سبيلها. مسرحية من القرن التاسع عشر البافاري كتبها الحاخام اسحق تزفي واستحضر فيها أحداث نهاية العالم (البهيجة) من خلال قصة حب بين (شلومو) ملك آخر الزمان وشولميت رمز (أرض إسرائيل) التي سيسجد تحت أقدامها ملوك الأرض ويطلبون رضاها، في قفزات فجة تتساقط فيها العروش وتحترق الممالك وتباد الأمم ويتم الإنتقام الأعظم من (عاهرة بابل) ، كأنك في سيرك قيامي.
لم أعرف كيف إن منظر الحاخامين السريالي خلط عليّ صور المستوطنات الانكليزية في العالم الجديد والعالم القديم بصور هذه المسرحية الفظة.
تداعيات كانت تسافر بي مع الأوديسة الاستعمارية الخالدة لشعب الله الإنكليزي على طرفي المحيط وتقفز بين اسرائيل الله الإنكليزية وإسرائيل نهاية التاريخ (من الكويت على مدى شريط النفط -كما يقول الدكتور عبدالله النفيسي- إلى مسقط، ومن البحرين إلى ينبع. الخليج والجزيرة العربية -والكلام للمفكر النفيسي- منطقة نفوذ، ومنطقة مصالح عريضة للأميركان، وهم ينوون الاستقرار فيها، وهم يبنون مدنا عسكرية. وهذه المدن ليس فيها تسهيلات عسكرية وحسب، بل فيها حتى حضانات الأطفال والمدارس، وجلبوا إليها عائلات. أنا أسميها مستوطنات أميركية على غرار المستوطنات الاسرائيلية في فلسطين المحتلة) (القدس برس 2 آب الحالي).
كانت عيناي مسمرتين على البقعتين السوداوين الوحيدتين في هذا العالم المضيىء حين التفت إلى من الكرسي المجاور رجل مكتهل مفتول العضلات وقال بصوت خفيض : (بحق الله، ألا يموتان من الحرّ؟).
بعد جملتين أو ثلاث جمل مقتضبات، لاحظ الجار لكنتي الثقيلة فقال لي:
(لا بد أن رحلتك كانت طويلة إلى (كي وست)! من أين جئت)؟
وأجبت: (من واشنطن العاصمة).
كان من الواضح أنه ينتظر جوابا آخر، وأنه يريد معرفة المزيد عن سبب هذه اللكنة الثقيلة فقال وبتهذيب مبالغ فيه: صحيح أنها رحلة طويلة، لكنني كنت أسأل عن الرحلة الأطول! منذ متى وأنت تسكن واشنطن؟ لابد أننا جاران فأنا أعمل هناك).
ولما عرف أصلي وفصلي انفرجت أساريره، وراح يحدثني عن ذكرياته الجميلة حين كان ملحقا في السفارة الأميركية بدمشق، عن تصوراته لإمكانية قلب المعادلة اليهودية العربية في وزارة مادلين ألبرايت، عن ضرورة (تحسين الصورة) العربية، وعن سيرك (الاستعمار الصديق).
لا جديد تحت شمس الجزيرة، فكل مستعربي (فوغي بتوم) مقصوصو الأجنحة والألسنة.
ولا جديد في كلام جاري -ويبدو أنه من هؤلاء المستعربين- سوى تذكيري بمسرحية (شلومو وشولميت) التي نبشتها واشنطن وعدلت اسمها وبعض مشاهدها وعباراتها وصورة أبطالها ثم أخرجتها مع أصدقائها وحلفائها لتدشن بها نهاية الزمان العربي.
لا جديد إلا هذه الدعوة المشكورة لرسم استراتيجية عربية جديدة انطلاقا من نظرية (الثمن والمنفعة Cost-benefit analysis<) التي تعمل بها (اسرائيل الله الأنغلوسكسونية) على طرفي المحيط. ففي رأيه أن الأنظمة العربية تعمل بأجندة أميركية.
كان يحدثني بود زائد. يسألني عن حلب والقلعة والسوق القديمة وعن أخبار فاتح المدرس، ويبدي حماسة مسرحية لقضايا باعها العرب وأراقوا دم شهدائها في المجارير.
المشكلة الأساسية في هذا الوضع المأساوي أن (الولايات المتحدة في سياستها الحالية -كما يقول جار الرضى- تنتفع ولا تدفع ثمنا، بل إنها تكافَأ بسخاء مدهش. وهذه حالة شاذة في العلاقات الدولية. وسياسة الولايات المتحدة هذه لن تتغير مادام العرب يتنافسون على تقديم أرضهم وثروتهم لقاء تفاهات peanut، ومادام أن الأجندة السياسية لكثير من هذه الأنظمة هي أجندة أميركية. صدقني أنني لا أتحدث عن هذه الأنظمة العربية وحسب، فهذا شيىء صار معروفا لديكم ولدينا، وقد كتب عنه الكثير.
(ما هو أكثر مأساوية أن التطوع لإرضاء الولايات المتحدة، وإسرائيل أحيانا، صار يشمل كثيرا من قوى المعارضة العربية وعددا لا تتصوره من الانتهازيين والوصوليين الذين يحرضوننا على بلدانهم ويحذروننا من بعضهم بعضا. أنظرهم على أبواب مكاتبنا مثل القطط الجائعة. انهم يجيئوننا كل يوم باستخبارات نعلم أنها مبالغات وتلفيقات لا هدف لها إلا التخويف والتحريض والعمليات الانتقامية. إنهم يتعاملون مع واشنطن كما يتعامل رجل القبيلة مع زعيم القبيلة).
كان يتحدث عن معارضات مختلفة الأجناس والألوان؛ معارضات اشترتها واشنطن للابتزاز أو (خلقتها) للشغب على الأنظمة التي لم تدخل بيت الطاعة بعد.
وراح يضحك من طوباويات هؤلاء الذين يظنون أن التنظيم السياسي للعرب الأميركيين وحده كاف لقلب المعادلة العربية اليهودية. فهذا التنظيم في رأيه -ما لم يتم تغيير كبير في (معادلة الثمن والمنفعة) بين الولايات المتحدة والدول العربية- لن يحقق في النهاية اكثر من اعتراف الأجهزة السياسية والإجتماعية بالحقوق المدنية للعرب الأميركيين. حتى هذه الحقوق المدنية المشروعة التي نالها العجزة وقوم لوط وامرأة لوط مهددة ومرهونة لحسابات (نظرية الثمن والمنفعة).
هذه النظرية التي استعارها علم السياسة الحديث من عالم الإقتصاد هي التعبير المهذب عن سوقية أميركا وسياستها. إنها (أخلاق السوق) و(أيديولوجية السوق) وغول الرأسمالية المتوحشة التي تتحكم بفعل واشنطن ورد فعلها وحركة جيوشها وصواريخها الإشعاعية. أما الحديث عن (حقوق الإنسان) و(الديمقراطية) و(عالم القيم) فإن لم يكن للتمسيح فهو إذن ليس إلا جزءا من اللعبة الإعلانية لأخلاق السوق التي تبيع وتشتري القيم والحقوق والشعارات النبيلة كما تبيع أي عاهرة جسدها.
إن ما يسمـى بالأدلة السرية secret evidences التي يُعتقل بموجبها العرب الأميركيون، ويرمون في غيابات السجون، أو يطردون بموجبها من البلاد دون أي حق لهم أو لمحاميهم في أن يعرفوا طبيعتها ومصدرها وصحتها وفسادها قد وضع النظام القضائي الأميركي في حرج لا يحسد عليه، وجعله فريسة سهلة لمنظمات حقوق الإنسان والدفاع عن الحريات المدنية، فهو على المستوى الحقوقي والمدني والأخلاقي يعلم أن الحكم بأدلة سرية أو التمييز بين البشر على أساس عنصري إجراء ينتمي إلى عقلية محاكم التفتيش وصيد الساحرات، وهو على المستوى السياسي لا يستطيع أن يكشف عن مصادر هذه الأدلة (السرية) دون أن يكشف عن سوقيته وانحطاطه ويعرض مصالح الولايات المتحدة وتحالفاتها للخطر.
كان الحاخامان يحملان قبعاتهما وأحذيتهما ونصف ثيابهما ويحجلان فوق رمل الشاطىء عائدين بينما كان جاري يخبرني أن واشنطن ربما تضطر في المستقبل اضطرارا إلى الغاء العمل بنظام الأدلة السرية، لكنها إلى أن تضطر إلى هذه العملية القيصرية لن تكشف عن مصادر هذه الأدلة مهما كان الثمن. وسبب ذلك بسيط في اعتقاده، فمعظم مصادر ما يسمى بالأدلة السرية التي يشكو منها العرب في أميركا ذات أصل عربي أو إسرائيلي. (ولست أدري كيف غاب عنكم أن اتفاقيات التعاون الأمني بيننا وبين كثير من الأنظمة العربية في مصر والكويت والسلطة الفلسطينية و ......] يقضي على هذه الدول أن تمدنا بكل ما لديها من استخبارات ومعلومات تمس أمننا ومصالحنا أو أمن إسرائيل ومصالحها في كل مكان من العالم.
(هذا هو الأساس. لكن هذه الأنظمة العربية عودتنا على أن تتبرع دائما بخدمات إضافية. وهي تحاول أكثر من ذلك أن تمد معاركها السياسية والدموية مع معارضيها إلى داخل الولايات المتحدة مما يعرض كثيرا من الأبرياء لحملات انتقام لطالما تم فيها تزوير الأدلة وفبركتها.
(إضافة إلى الأنظمة، هناك قوى المعارضة، وهناك الانتهازيون والوصوليون والمراكز الثقافية والدينية التي تمولها الدول التي وقعت معنا اتفاقات التعاون الأمني والتي تعمل مباشرة تحت إدارة مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI أو وكالة الإستخبارات المركزية CIA.
(إنك لا تستطيع أن تغير المعادلة اليهودية العربية في أميركا مادامت أجندة الأنظمة العربية وأجندة المعارضات العربية أجندة أميركية، ومادامت أميركا مستثناة من منطق (الثمن والمنفعة).
منذ تأسيس (إسرائيل الله الجديدة Godصs New Israel<) وشعب الله الإنكليزي على طرفي المحيط ينتظر هذه اللحظة التي يتطوع فيها الحاكم العربي بتبني أجندته السياسية وتقديمها على مستقبل أولاده وأحفاده وأبسط ما تمليه غريزة البقاء على كل إنسان حي.
كل منطق الحرب والسلام ونشوء الامبراطوريات وانهيارها يقول أن أولى خطوات بقاء الجماعات البشرية هي في أن لاترهن مستقبل أبنائها وأحفادها باتفاقيات تمليها أسباب ضعفها وتمزقها. وكل أجندة الحاكم العربي في أسوأ أزمان الضعف والتمزق العربي هي أن يأخذ دور البطولة الأول في مسرحية (شلومو وشولميت) الأميركية.
لقد انتهى المشروع الصهيوني وسقط... لينبعث المشروع اليهودي من عاصفة الصحراء.
إنها ألفا سنة من تمردنا على (عبادة) اسرائيل انتهت من الفرات إلى النيل.
ألفا سنة من مجد مكة والقدس وأنطاكية والإسكندرية مازال تاج وندسور، منذ أول القرن يحاصرها ويداورها وينفخها وننفخها معه حتى طارت كالغبار.
أكثر من ألفي سنة مضت على اندحار هذه البربرية اليهودية المقدسة طويناها نحن بنو يعرب؛ نحن المكابيون الصناديد بناة إسرائيل وعشّاروها وعمال جزيتها وفقهاء احتلالها، ونحن جيشها الذي لا يتفاني ويستميت إلا في ذبح أعدائها بين الرافدين.
ألفا سنة: لا الأرض أخيرا لأهل الأرض، ولا السماء لمن في السماء، وهذا يهوه (رب الجنود) ينتفض من بركانه مجنحا كأنه حيوان جيوراسي أعمى، ذيله في قصر القبة، ورأسه في هضبة الكابيتول، ينفخ بالنار ويبشر العرب بالسلام وعبادة الشعب المختار.
قبل أن تسدل الستارة على (شلومو وشلوميت) يعطى ما لمبارك لمبارك وما لباراك لباراك ويغني الكورس :
أنا من أهوى، ومن أهوى أنا
نحن روحان حللنا بدنا
فإذا كلمته كلمتني
وإذا كلمتني كلمتنا