إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الشاعر الكوني والناثر العبقري

Darrفوزي باكير
“ما معنى أن يكونَ الفلسطينيُّ شاعراً,وما معنى أن يكونَ الشاعرُ فلسطينيا؟
   الأول:أن يكونَ نتاجاً لتاريخ,موجوداً باللغة.
   والثاني:أن يكونَ ضحيةً لتاريخ,مُنتصراً باللغة.
   لكن الأول والثاني واحدٌ لا ينقسم ولا يلتئم في آنٍ واحد….”
 
                                    (محمود درويش,في حضرة الغياب,ص143)
 
وكان درويش الاثنين في آنٍ واحد وملتَئِمَين…كان شاعِرا تحت ظل الاحتلال ومُنتصِرا بِلُغته وحسِّه المُقاوم..وكان فيلسوفا يُخاطب الإنسان أين ما كان..ويتحدَّث عن الشعر ويمدحه ويُسائِله..ويتفوَّق على الموت وفلسفته حيناً..وحيناً يُناجي الغياب وينتظرُ قدومه وهو مطمئن النفس.
 
ولم يكن درويش شاعرا للقضية والثورة فقط..بل كان شاعرا كونيّا..يبحث في كل شيء..حتى في قضايا الجغرافيا والفيزياء…!! ككلامه عن الظلال والصدى والشكل واللاشكل والشيء واللاشيء والعَبَث واللون واللازورد…
 
كما أتقن فنَّ النثر..وكان عبقريا فيه..فالنثر ليس سهلاً..على الأقل هو بخلاف الشعر يخلو من الإيقاع الذي يجتذب القارىء..ويحتاج لمهارةٍ عالية في طريقة الكتابة والطرح..وكان درويش يمتلكها بتفوق..فمن قرأ كتبه النثرية مثل “ذاكرة للنسيان” و “يوميات الحزن العادي” وغيرها سيرى ذلك..كما أنه كان مُبدعا في كتابة المقالة..ففي كتابٍ جديد له “حَيرة العائد” هنالك مجموعة من المقالات المُختارة التي كتبها بمناسباتٍ عديدة..منها في تكريماتٍ له وأخرى في احتفالات تأبين….
 
يقول درويش في إحدى مقالاته عن نفسه كشاعر:
 
“قليلون هم الشعراء الذين يُولدون شعرياً دفعةً واحدة.أما أنا,فقد وُلدتُ تدريجيِّا وعلى دفعاتٍ متباعدة.وما زلت أتعلّم المشي العسير على الطريق الطويل إلى قصيدتي التي لم أكتبها بَعد….”
يرى في نفسه أنه ما يزال تلميذا أمام الشعر…وأن طريقَه صعبٌ وطويلٌ نحو أي قصيدة يريد أن يكتبها..لكنه في الحقيقة عندما يكتب قصيدةً يُصيبُ الجميع بالذهول..ويُدهش القارىء من قدرته على السيطرة على الكلمات ووضع كل كلمة في مكانها المناسب,وأيضا على قدرته على التعامل مع الأحرف وأصواتها واستغلال طاقة الصوت في التعبير,وتوظيفها في نصوصِه ليضفي أثرا جميلا على المعنى…
 
“إنَّ شقاءَ التجديد المُتعثِّر…أفضل من سعادة التقليد المتحجِّر”
 
قال درويش هذه العبارة في كلمةٍ ألقاها في احتفال توقيع ديوان “كزهر اللوز أو أبعد” في رام الله…وباعتقادي أنها ليست جملةً بسيطة..فمن يتأمل فيها سيرى بُعدها وعمقها…كان درويش يُتَّهم من بعض النقاد أو الشعراء بأنه تخلى عن شعر المقاومةِ وابتعد عنه وأخذ يكتب في مواضيع أخرى لا تعني القارىء الفلسطيني..!! حيث كانوا يريدون منه الكتابة في نفس المواضيع وبنفس الحس والصياغة ذاتها,دون أن يُدركوا أن ليس من حقهم التدخل في مسيرة الشاعر وأيضا لم يُدركوا بأن درويش في تجديده يفتح آفاقا جديدةً للشعر والوطن والقارىء…وكما قال في كتابه الأخير أثر الفراشة مُختصرا مسافات الاتهام:
                   
“كل شعرٍ جميل…مُقاومة…”
 
فدرويش ليس فقط شاعرا من فلسطين..بل هو أيضا إنسان ينتمي لهذه البشرية..ومن حقه أن يخاطب الإنسان في فرنسا أو الولايات المتحدة أو البرازيل أو الصين أو المغرب…فالشاعرُ,أي شاعرٍ,هو صوتٌ لإنسان جماعي وليس لشخص واحد أو فرد..ولولا هذا الخطاب الإنساني لفشل درويش في إيصال القضية إلى أنحاء كثيرة من العالم وما كُرِّم كما رأيناه في شتى وأهم المهرجانات على مستوى العالم…وتكريم محمود درويش هو تكريمٌ لكل الشعب الفلسطيني…
 
ورحيل محمود درويش..هو ألمٌ لكلِّ الشعب الفلسطيني…
وكما قال في جداريته:
“لم يَمُت أحدٌ تماماً.تلك أرواحٌ تُغيِّر شكلها ومُقامُها”
ودرويش لم يمُت تماما..كل ما في الأمر أنه ذهب إلى الطرف الآخر من الحياة…ليكتب نص الغياب الذي سنقرأه جميعا..هناك…في الأبدية البيضاء…
 
 
فوزي باكير
                          &#160
;                                        2008-08-12
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد