إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

تعريب الانقسام الفلسطيني

Inqesamبقلم نقولا ناصر*
 – عندما تصطدم شرعيتان عربية وفلسطينية او تتجهان نحو الصدام يكون القرار

Inqesamبقلم نقولا ناصر*
 – عندما تصطدم شرعيتان عربية وفلسطينية او تتجهان نحو الصدام يكون القرار  في الجانبين خاطئ خطا فادحا بالتاكيد وتكون النتيجة كارثية حتما ولا يمكن في هذه الحالة الا البحث عن “عامل خارجي” مستفيد من ضرب الشرعيتين ببعضهما ، وقد توالت مؤخرا مؤشرات الى احتمال حدوث صدام كهذا نتيجة الانقسام الفلسطيني وازمة “الشرعية” المتفاقمة الناجمة عنه التي فتحت ثغرة واسعة للتدخل الخارجي في الشان الفلسطيني الداخلي ، وهو تدخل يسعى بصورة واضحة الى تعريب الانقسام الفلسطيني بعد ان فشل التدويل في حسمه بعد الانحياز السافر غير البريء ل”شركاء السلام” الاسرائيليين والاميركان والاوروبيين لاحد طرفيه .
 
لقد امتلك امين عام جامعة الدول العربية عمرو موسى حرية التعبير علنا عن “الغضب” العربي على استمرار الانقسام الفلسطيني بلغة دبلوماسية مدروسة تستهدف بعث رسالة من الدورة ال 130 لمجلس الجامعة التي انعقدت على مستوى وزراء الخارجية في القاهرة مؤخرا ، لكن غضبه لا يقارن بالغضب الفلسطيني المكظوم المتراكم نتيجة خيبة الامل الوطنية من عجز الموقف العربي الرسمي عن الارتفاع الى مستوى الحد الادنى من التضامن اللازم مع استمرار رهان النضال الوطني الفلسطيني على هذا الموقف ، وهو موقف لم يعجز بالرغم من ذلك عن استمراره في اشتراط الالتزام الفلسطيني بالشرعية العربية كمرجعية لقراره ولو على حساب المرجعيات الوطنية للشرعية الفلسطينية ، ليضاف هذا الاشتراط قيدا جديدا الى قيود الاحتلال العسكري والحصار السياسي والاقتصادي التي تكبل صانع القرار الفلسطيني فتحرمه من أي حرية للتنفيس عن غضبه علنا ناهيك عن بعث اية رسائل علنية الى صانعي القرار العرب ، الذين عجزت شرعيتهم او شرعياتهم عن فك الحصار المضروب على اشقائهم الفلسطينيين منذ اربعين عاما ونيف ، ناهيك عن انهاء الاحتلال الذي يفرض هذا الحصار .
 
تاريخيا كان الطرف الفلسطيني هو الاضعف في معادلة الشد والجذب ، والتكامل والتعارض ، والاندماج والانفصال بين الشرعيتين العربية والوطنية ، وقاد الفشل القومي في ردف النضال الوطني الفلسطيني هذا النضال الى اسقط شعار “الوحدة هي طريق العودة” ورفع شعار “القرار الوطني المستقل” بدلا منه ، لكن اذا كان الشعار الاول قاد الى طغيان الشرعية العربية على الشرعية الوطنية حد الغاء الاولى للثانية كما قاد هذا التداخل بين الشرعيتين الى “نكبة” عام 1948 ثم الى “نكسة” عام 1967 فان الشعار الثاني لم يكن حصاده افضل للنضال الوطني في مواجهة الاحتلال كما عجز عن الغاء الشرعية العربية مثلما سبق لها ان الغت شرعيته وكانت نتائجه السياسية ماساوية حيث حرمت هذا النضال من قواعد حيوية له كما حدث في الاردن عام 1970 وفي لبنان عام 1975 وفي الكويت عام 1991 ، دون اغفال العوامل الخارجية الدولية والاقليمية ، الاميركية – الاسرائيلية بخاصة ، التي كانت اقوى كثيرا من العامل الذاتي الفلسطيني في كل ذلك .
 
صحيح ان الحديث عن وجود شرعية عربية واحدة فيه تعسف كبير حد مغالطة واقع ان جامعة “الدول” العربية تتعدد فيها الشرعيات بعدد انظمة التجزئة الاعضاء فيها ، لكن الصحيح ايضا ان في الحديث عن شرعية فلسطينية واحدة قدر مماثل من مغالطة الواقع . ولا بد هنا من التذكير بان “الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني” قد ولد من رحم الشرعية العربية ، اذ ظهرت منظمة التحرير الفلسطينية الى الوجود بقرار من مؤسسة القمة العربية عام 1964 ، وبالتالي فانها جزء لا يتجزا من الشرعية العربية . ان الاجيال الجديدة من عرب فلسطين ممن يراقبون بهلع الانقسام الوطني الحالي الناجم عن ولادة حركة حماس وغيرها خارج اطار المنظمة بحاجة الى جيل ابائهم ليرووا لهم كيف ولدت حركة فتح ايضا خارج اطارها قبل ان تقود الهزيمة العربية عام 1967 الى تسلمها لقيادتها طوال اربعة عقود تالية من الزمن ، وربما يجدر في هذا السياق ايضا تذكير صانعي القرار العرب ب”تلك” الازدواجية في الشرعية الفلسطينية لكي لا يتسرعوا في الغضب على ازدواجيتها الراهنة حد التورط بالانحياز الى احد طرفيها .
 
لقد كانت الشرعية العربية دائما دون اسنان ، ولم يعرف عنها انها استخدمت اسنانها العسكرية في أي قضية عربية كانت بحاجة لها ، وفي السنوات القليلة الماضية استنكفت جامعة الدول العربية عن الاستجابة الى مطالبات بارسال “قوات حفظ سلام عربية” الى العراق ولبنان والصومال والس
ودان ، وبما ان الاستثناء الوحيد الاهم كان اشراك قوات عربية ب”قرار قمة عربية” تحت مظلة الولايات المتحدة وقيادتها في حرب الكويت فان المظلة الاميركية المفتوحة حاليا فوق سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية تنذر بتكرار تجربة تكشير الشرعية العربية عن اسنان عسكرية ما زالت لها بعد ان خلع الاحتلالان الاسرائيلي والاميركي لفلسطين والعراق معظم اضراسها وانيابها .
 
في الثالث من تشرين الثاني / نوفمبر من عام 2007 الماضي اصدرت الامانة العامة للجامعة بيانا اعتبر انعقاد اول اجتماع ل”مجلس السلم والامن العربي” الذي اقرت قمة الخرطوم عام 2006 انشاءه “خطوة متقدمة” نحو تمكين الجامعة العربية لاول مرة منذ تأسيسها من التحرك المؤثر لتسوية النزاعات بل والحيلولة دون نشوبها عبر اربع اليات اساسية تشمل نظاما للانذار المبكر وهيئة حكماء وقوات حفظ سلام وبعثات مراقبين عسكريين ومدنيين موضحا ان انشاء قوات حفظ سلام عربية ستمكن النظام العربي والعمل الجماعي العربي من التعامل الحاسم مع الازمات والنزاعات . فهل اصبح المجلس بعد عامين جاهزا لخوض اول تجربة له ؟
 
اذ يبدو الان ان بعض دول الجامعة تجد في الانقسام الفلسطيني الراهن فرصة لدفع “مجلس السلم والامن العربي” لخوض اول تجربة عملية له في قطاع غزة دعما لشرعية الرئاسة ومنظمة التحرير الفلسطينية العضو في الجامعة ضد شرعية فلسطينية اخرى منتخبة في اطار مؤسسات سلطة الحكم الذاتي المنبثقة عن المنظمة لكنها ليست عضوا في منظمة التحرير ، وستكون هذه التجربة ان حدثت تطورا نوعيا محفوفا بالمخاطر ، اولا لانه يعتبر خروجا على تقليد عربي عليه اجماع بعدم التدخل “العلني” في الشان الفلسطيني الداخلي وترك أي جنوح الى أي تدخل كهذا لاجهزة المخابرات وعملياتها السرية ، وثانيا لان أي انعطافة عربية كهذه تهدد بدورها بالخروج على تقليد فلسطيني عليه اجماع ايضا خصوصا من قطبي الانقسام الحالي بعدم التدخل في الشان العربي الداخلي ، وثالثا لان أي انحياز عربي لاحد طرفي الانقسام سيقود تلقائيا الى انحياز عربي اخر للطرف الفلسطيني الاخر لاسباب معروفة غنية عن البيان ، مما يقود رايعا الى توفير اسباب موضوعية لتدخل      عوامل اقليمية غير عربية ، كالعامل الايراني ، التي كان الاجماع العربي والفلسطيني على عدم التدخل المتبادل يحول دون تدخله السافر المباشر او يحد منه في الاقل ، مما يعني خامسا كذلك نجاحا لمن دولوا الانقسام الفلسطيني في تعريب هذا الانقسام بتوريط العرب فيه ، ومما يعني سادسا ان المسرح يكون بذلك قد اعد لاول مواجهة في القرن الحادي والعشرين بين “شرعية عربية” وبين “شرعية فلسطينية” لن تكون نتائجها بالتاكيد اقل ماساوية من المواجهات المماثلة في القرن الماضي وسيكون الاحتلالان الاسرائيلي والاميركي المستفيدان الوحيدان منها ، ولا يتصور ان يكون أي تطور كهذا قرارا يتخذه أي “مجلس حكماء” عرب او فلسطينيين الا في حالة واحدة لا يكون فيها قرار هؤلاء الحكماء بيدهم .
 
ان “الغضب” والتهديد ب”عقوبات” اللذين عبر عنهما بيان وزراء الخارجية العرب الصادر عن دورة الاجتماع الـ 130 يمكن تفسيره كاداة للضغط على طرفي الانقسام الفلسطيني لتسهيل المصالحة ، لكن الامين العام عمرو موسى لم يترك مجالا للاقتصار على هذا التفسير عندما قال انهم يدرسون “الإجراءات التي سوف تُـتخذ إزاء الفوضى الفلسطينية القائمة ، وكلها في إطار مشاورات مغلقة في داخل النظام العربي الآن .
 
ولم يكن هذا الغضب المصحوب بالتهديد هو المؤشر الوحيد الى صدام محتمل بين شرعيتين عربية وفلسطينية ، اذ ان الاقتراح المصري الذي حظي ببعض الموافقات العربية بارسال قوات عربية الى قطاع غزة مؤشر ثاني ، ومطالبة الشرعية الرئاسية الفلسطينية بذلك مؤشر ثالث ، ومطالبة هذه الشرعية نفسها قبل ذلك بقوات دولية ترسل الى القطاع مؤشر رابع ، وموافقة دولة الاحتلال الاسرائيلي بعد طول معارضة لارسال قوات دولية الى القطاع مؤشر خامس ، وتاييد “المظلة الاميركية” للاقتراحين “العربي” و”الدولي” مؤشر سادس .
 
اما المؤشر السابع الاحدث فكان ما حرصت وسائل الاعلام الاسرائيلية المعروفة بخضوعها للرقيب العسكري على ترويجه في الايام الاخيرة عن استعداد سلطة الحكم الذاتي ك”خيار اخير” لانهاء سيطرة حماس على قطاع غزة “بالقوة” كما قال رئيس اركان قوى الامن الوطني الفلسطينية بالضفة الغربية اللواء دياب العلي (ابو الفتح) لصحيفة هارتس يوم الاحد قبل الماضي ، موضحا ان عملية عسكرية كهذه تقتضي التنسيق مع اسرائيل والاردن ومصر ، ومع ان ابو الفتح قال ان اسرائيل لم تستشر بعد حول ذلك فانه لم ينف أي مشاورات عربية مماثلة ، كما لفت النظر ان تصريحاته لم يسبق لها مثيل من الرئاسة الفلسطينية لكن الرئاسة وحكومتها برئاسة سلام فياض لم تؤكدها او تنفها لا بل ان صحيفة الايام المقربة من الرئاسة والحكومة معا نشرت
تصريحاته على صفحتها الاولى في اليوم التالي .
 
وفي اليوم نفسه (22/9/2008) خرجت يديعوت احرونوت الاسرائيلية واسعة الانتشار على قرائها بمقال تحريضي كاتبه الكولونيل احتياط موشى العاد كان عنوانه الرئيسي “الفلسطينيون يتجهون نحو حرب اهلية” وعنوانه الفرعي يتحدث عن “مواجهة دموية وشيكة” بين حركتي فتح وحماس ، واستشهد الكولونيل باجتماع انعقد خلال الاسبوع السابق بمقر الحاكم العسكري للاحتلال في مستعمرة “بيت ايل ” الاستيطانية على مرمى حجر الى الشرق من مقر الرئاسة الفلسطينية في رام الله بين عشرة قادة امنيين فلسطينيين وبين ضباط اسرائيليين اظهر كما قال الكاتب “نقلة” في موقف الرئاسة الفلسطينية “لم تصل بعد حد كونها تغييرا استراتيجيا ، ولا كانت بعد تحالفا عسكريا بين فتح وبين اسرائيل في مواجهة حماس ، لكنها كانت نقلة” ، حيث كانت تصريحات كبار مسؤولي فتح في الاجتماع “غير مسبوقة !
 
لقد نجحت قمة دمشق في منع تعريب الانقسام الفلسطيني بانحيازها الى شرعية الرئاسة الفلسطينية المنتخبة عندما تبنت المبادرة اليمنية للمصالحة الفلسطينية واسقطت منها “اعلان صنعاء” الموقع بين فتح وبين حماس بسبب معارضة الرئاسة الفلسطينية له ، فمنعت بذلك الانقسام الفلسطيني من ان ينعكس انقساما في الشرعية العربية ، لتنسجم قمة دمشق بذلك مع الاجماع العربي على مبادرة السلام العربية كخيار استراتيجي يجمعها مع “الشرعية الفلسطينية” المنبثقة عنها ، لكنها   لم تستعد شرعية السلطة التشريعية بل تبنت المبادرة اليمنية كقرار عربي لل”حوار” بين الشرعيتين الفلسطينيتين المتصارعتين ، ليعلن المجلس الوزاري للجامعة العربية في اخر اجتماع له دعمه لجهود الوساطة المصرية باعتبارها وساطة عربية ، كما قال عمرو موسى ، وبالتالي فان أي جنوح الى تعريب الانقسام الفلسطيني ، بالانحياز الى احد طرفيه ، يتعارض مع روح قرار قمة دمشق ونصها على “الحوار” ناهيك عن كونه محفوفا بمخاطر جمة عربية وفلسطينية كل الاطراف في غنى عنها .
 
*كاتب عربي من فلسطين
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد