إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

على هامش الحوار (د. أفنان القاسم. أ- جهاد نصره) علنّا نرتقي بالحوار.

يتطلب الإصغاء أو قراءة الحوارات ملكة التحمّل وقبول النخر في الأدمغة التي استساغت التلقين والخضوع الذي يحقق التسليم المطلق، ويتطلب أيضاً سفك دماء التصارخ المتبادل والشتائم النافية، وأقصد الحوار الذي يعني قراءات وفسحات نقدية وخرق للذاتية المغلقة ومحاكمة فكريّة استثنائية لا انتقائية اجتزائية، يتطلب موقفاً لا تلفيقاً أو توفيقاً تكاذبياً، وهو إسكات للنرجسيات، وهو اعتراف بالعجز والضعف القصور، هو عدم التلطي أمام النماذج المرفوضة قبل المقبولة، وإلاّ فإنّ الحوار يبقى وقود الصحف التي تستخدم لتنظيف الزجاج، ويصبح قراءة طالع أو لعبة نرد على ناصية الشارع، بدل أن يكون صاحب الأسئلة المعاصرة التي تخترق الهدوء إلى القلق، وترسم أسئلة لماذا؟ بدلاً من كيف، مستنيراً بفلسفة قيم إنسانية.
لذلك عندما نرى حواراً بين أنموذجين صادقين غير واهمين، فقد ينبت فينا بعض الأمل المناقض لواقع الأمر، ولكنّ الأمل الذي ينبت على كراسي الكسل هو الوهم وأحلام اليقظة، وهو السراب الذي بنى عليه سياسيو اليسار العربي أحلاهم الخائبة خيبة شخوصهم، وهو المرض النفسي الذي صّور قوميات هي في واقع الأمر ” قوميات إعلامية” لم تخرج من نطفة القبائل والعشائر لتنضح في أبهى صورها طائفية يدعمها هؤلاء ليبقى لديهم من يطعمهم ويزيد من أرصدة حساباتهم الخارجية.
هي كذلك صور التشويه التي نبعثها وتصل إلينا بصورة ديموقراطية ولمرة واحدة يركبها الإسلاميون للوصول وإلى الأبد إلى السلطة التي يستبيحونها، وهي المنظمات الحقوقية التي أنجبتها عاقرات البنى، تلهث وراء حماية جلاد لم تتحمله أنظمة الجلد نفسها، وحماية سفّاحي التفجيرات تحت شعار الحقوقيات، حقوق الإنسان التي لا تعنيهم إلاّ بمقدار سفرهم واستقبالاتهم وصالوناتهم، ولا يعنيهم إنسانها إلاً بمقدار تصفيقه لهم.
وعودةً للأديب الذي نبحث عن اكتمال دوره، ألا نستحق أن نسمع منه تصريحاً أو تلميحاً أنّه لن يعود للكتابة مادامت كلماته المتوهجة بعنفوان المعاصرة والنضال تتغذى من صحف البترول أو النخاسة، وتتربع كلماته على صدور شاشات التسخيف والغوغائية، وتتوسل سهرةً حتى ولو تحت عدسات “الكاميرا الخفية”، ألا يستحق هؤلاء الذين باسهم ترفع الشعارات ولهم تكتب الديباجات أن نتوقف ولو لحين عن خرق أسماعهم وتشويه أبصارهم، أن نسمي لهم الأشياء بمسمياتها، وأن يتجرأ كاتب أو شاعر على القول بأنّ كل ما يمكن أن يقال في الشعر العربي قد قيل، وأنّه يكفينا من المسخ من نرى من الممسوخين، هل حقاً هناك من بقية تستحق أن يكتب لها، وهل هنالك من قول أو فعل أدبي لا يحمل معانٍ غير مجترة ينتج الآن في برارينا وصحارينا، وهل يمكن أن يتصحّر بلد وتزحف الرمال ملتهمة أراضيه الزراعية دون أن يكون نتاجه الفكري والعلمي قد تصحّر قبلاً؟!.
إنّ استغلال الأنظمة لفكرة أو إبداع فني أو أدبي لا يعني بالضرورة تواطؤ صاحبها أو ضرورة رفضها وتمزيقها وصلب صاحبها، بل هي دافع لتطوير الآليات والمعرفة و لا بأس أن يستخدمها حتى الشيطان في إغوائه، وإلاّ فسحقاً لحضارة غربية أنتجت العلم والتكنولوجيا والمعرفة وتقنية المعلومات ليستخدمها حفارو القبور المأدلجون أرضياً أو سماوياً، وتباً لمبدعي الأبجدية التي لم تعد حروفها تنتج غير قلة الأدب.
إذاً لماذا يتسابق المثقفون العرب على تحطيم نماذجهم المتوهجة والمبدعة كالأطفال يحطمون دماهم ثم يبكون طالبين غيرها؟.
إنّ نموذج أدونيس هو النموذج الأجدى لرمي السهام، وملاحقته بعقدة نوبل، نعم أتفق على أنّه كذلك وهو كما فعل في شبابه المبكر عندما تسلّق سور الثانوية وألقى قصيدته أمام رئيس الدولة في زيارته لمدينة جبلة التي ينتمي لها، وحقّق من خلال ذلك ضربة المراهق بالشهرة والاهتمام والتعلم لسنوات قليلةٍ على نفقة الحكومة، نعم كلّ ذلك صحيح ويبقى أنّ حصوله على “نوبل” هو اعتراف بمشاركة الناطقين باللغة العربية في النتاج الفكري والثقافي العالمي، وستكون على الأقل أشرف وأشد رفعةً من نوبل نجيب محفوظ ونوبل “تشرشل”، أعني أنّ الكثيرين ينهالون بسياطهم على الشاعر والمبدع أدونيس رغبةً بأن تصل نوبل للقرضاوي أو هيأته المتناثرة كأسراب الجراد، أو لملك ملوك أفريقا في الزاوية الأخرى، وربّما لا يستحقها أدبياً من الناطقين بالعربية غير مجالس الأمة والشورى لشدة ورعهم وأدبهم وحسن سلوكهم.
وحتى يكتمل الحوار لا بد من التطرق إلى أساسيات في بنية المجتمع العربي، وأولويات قضاياه، وتحديد المفاهيم المعرفية بدقةٍ وبعدٍ عن الابتذال أو إرغام المفهوم على ما لا يحتمله، لذلك هي الدعوة للبحث في همّ الإنسان وتحقيق إنسانيته، هي لنسج معنىً غير إعلامي للوطني والقومي والإنسانّي، للمصداقية والأخلاقية، للمعرفة وللعلمية، لفضح التجهيل والتضليل والتكاذب، لتمزيق قشرة الرياء، للوقوف بمسؤولية أمام الذات والآخر، والتوقف عن المشاركة في الدمار أو الفساد والإفساد، أي أنّها دعوة لتحديد تصّور الهوية أو إعادة إنتاجها ورسم معايير علاقتها بالآخر والمختلف.
22/9/2009م.
م. محمد أحمد
سوريا – اللاذقية
[email protected] 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد