إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

قراءة في حـرية التفكير والإبداع

Tafkeerد .لطفي زغلول – نابلس
تهب على العالم العربي بين حين واخر عاصفة ثقافية ، قد تكون فكرية مجردة او ابداعية يقف في الغالب وراءها روائي او اديب او شاعر ، اما انهم يبحثون عن شهرة من خلال طرح عمل ما ايا كان شكله ، يعمل على خلخلة الامن الثقافي والفكري للمجتمع .
او انهم اصلا ينتمون الى شريحة من اوساط فكرية او ابداعية ، اطلقت على نفسها مسمى المثقفين الحداثيين ، قد سمحت لنفسها اجتياز سياج محرمات فلسفة المجتمع السائدة والتسلل عبره منتهكة بذلك منظومة القيم والتقاليد ، وماسة بالموروث العقائدي والفكري ومستبيحة اياه .
وفي نفس الوقت فهي تناقض ما تدعي انه حقها في حرية التعبير والابداع والتفكير، فتهاجم بضراوة كل من يتصدى لها مدافعا عن قيمه وتقاليده ومثله وتراثه ، ناعتة اياه بانه ظلامي خرافي جاهلي رافض للعصرنة والحداثة والتطوير ، الى اخر ما في هذه المنظومة من اوصاف .
وقبل الخوض في غمار هذا الموضوع ثمة حقائق لا بد من طرحها هنا وتتصدرها حقيقة حساسية الجماهير العربية في كل جغرافيا عربية تجاه معتقداتها وقيمها وموروثاتها الايديولوجية والثقافية ، وبخاصة في هذه الايام التي تتسرطن فيها ثقافة العولمة التي تهدف الى تدمير ما لدى الشعوب من ثقافات وفي مقدمتها الثقافة العربية الاسلامية .
وثانية هذه الحقائق ان المدافعين عن الثقافة العربية بكل ابعادها واتجاهاتها لم يبدأوا هم المعركة ، وكانوا على الدوام مدافعين ومنافحين ليس الا. وانما بدأها اولئك الذين يطلقون على انفسهم مسمى الذين يشنون هذه الهجمة الفكرية الثقافية الابداعية الشرسة ، ويختارون المواقع الأكثر حساسية في فلسفة المجتمع السائدة ليقصفوها بافكارهم العولمية المستوردة .
واخيرة هذه الحقائق لا اخراها ان المساس بالفكر العقائدي بأية حال من الأحوال ، او الاقتراب منه هو عمل خطير غير مسؤول يجر الى عواقب وخيمة وتداعيات خطيرة . وهو لا يمكن له ان يتم تحت ظلال ما يسمى حرية التفكير والابداع والتحديث والتطوير ومسايرة روح العصر والحداثة ، او تحرير العقل العربي ، تلك الذرائع التي يدعي هؤلاء المثقفون الحداثيون انها تشكل برنامج اجندتهم . وهي في الواقع عملية نزع جلود ثقافية في اطار التخلي عن كنوز الثقافة العربية الاسلامية وقطع الصلات معها والتنازل العبثي عنها .
وانطلاقا مما سلف ، فثمة تساؤلات تطرح نفسها في هذا السياق تخص هذه الهجمة الشرسة على مجمل الثقافة العربية . والسؤال الأول حول ما اذا كان هؤلاء المثقفون الحداثيون وقد اضافوا الى مسماهم فعالية جديدة بشأن الدعوة الى العولمة – يتحركون من تلقاء انفسهم ام ان هناك جهات معينة تتولى تحريكهم لقاء اهداف ومرام ومغاز لم تعد خافية على احد .
والسؤال الثاني في ما اذا كان كثير من هؤلاء يقترفون هذه الافكار طلبا للشهرة ولفتا للأنظار وجنيا للمكاسب . وهي آلية ليست جديدة ، اذ ليس اسهل على كاتب او مفكر او شاعر او روائي مغمور من ان يتطاول على مقدسات امته باسم حرية الفكر ، لكي يصبح عندها مادة اعلامية وحديثا على السنة الناس ، لعله بذلك يخرج من ظلام التنكير الى فضاء الانوار والتعريف .
وسواء كان هذا الاحتمال او ذاك او كلاهما معا او غيرهما ، فالمحصلة واحدة هي التشكيك بالثقافة العربية بكل ابداعاتها اصيلها ومعاصرها ، ومحاولة لاقتلاعها من جذورها خدمة لأغراض واهداف لم تعد خافية على كل ذي بصر وبصيرة .
وجراء كل ذلك وعلى خلفية تكراره ، ففي اعتقادنا ان شرائح عريضة من المجتمعات العربية ، قد اصبحت ذات حساسية تجاه اعمال ادبية او فكرية او ابداعية اخرى تصدر في العالم العربي وتفوح منها رائحة المساس بالمعتقدات الدينية والتي يحاول البعض الذي نصب نفسه قيما على الثقافة العربية ان يدافع عنها تحت ستار حق الحرية ، متذرعا بحجة تطوير هذه الثقافة وتحديث الوان مشهدها ، والتحدث مع الآخرين بخطاب عصري آخر مقبول لدى الاوساط الثقافية العالمية .
وفي حقيقة الامر ان المساس بالمشاعر الدينية من خلال اعمال ابداعية باسم حرية التفكير او التعبير او بقصد السير في ركب الحداثة مرفوض كونه (كما اثبتت كل المحاولات السابقة) كان عامل هدم وتمزيق وتفسيخ لكل البنى الاساسية التي تقوم عليها المجتمعات العربية ، اضافة الى انها تعميق للصدوعات التي تعمل على انقسام هذه المجتمعات من الداخل ، وانكسار تضاريس لحمة وحدتها انكسارا حادا . وهي في المحصلة حرية عبثية تهدم لا تبني ، وتبدد لا تصون ، وتهدد لا تحمي .
وخلاصة القول ان مبدأ حرية التعبير والابداع حق لا جدال فيه . ولكن قبل ان تطالب اية فئة بحقها هذا فان عليها ان تحترم حرية الاغلبية في عقائدها وتوجهاتها الثقافية والفكرية . وهذه الاغلبية الساحقة ليست مجدر فئة او طائفة او جهة او حزب او حركة ، وانما هي امة عريقة لها جذورها الضاربة في اعماق الحضارة الانسانية ولها منجزاتها وابداعاتها وتراثها ، وقبل كل شيء تميزها وتفردها .
وثمة ميادين كثيرة لهؤلاء المثقفين الحداثيين غير المساس بالمعتقدات ، لا ينبغي لهم ان يلتفوا عليها او ان يتجاوزوها ، او ان يخرجوا اقلامهم وادوات ابداعهم الأخرى من معركتها .
هناك موضوعات جمة وقضايا اساسية ما زال العالم العربي يفتقر اليها نسوق منها مثالا لا حصرا الحريات السياسية والاجتماعية ، والديمقراطية وعدالة توزيع الثروات وتكافؤ الفرص والصحة العامة والمحافظة على البيئة ، علاوة على حق الحصول على رغيف الخبز والتعليم والدواء ، ومحاربة الجشع وتمركز الثروات لدى فئات محدودة من المجتمع العربي .
في اعتقادنا ان هذه موضوعات تشكل وليمة دسمة لكل صاحب قلم او اداة ابداع اخرى لا يهرب منها الا من كانت نواياه لا تتقاطع وتطلعات مجتمعه وامته . وليس هؤلاء بحاجة الى تذكيرهم بان مناطق هامة من العالم العربي ما زالت تناضل من اجل التحرر والسيادة والرجوع الى احضان العالم العربي . ان هذه وتلك موضوعات اساسية لا غنى عنها وتستحق ان تظل الاقلام وادوات الابداع العربية تدور في افلاكها حتى النهاية .
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد