إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

اليمن وإيران .. حاضر مثقل بالتاريخ

 

منذ الوهلة الأولى لظهور حركة التمرد الحوثية بصعدة في حزيران/ يونيو 2004 تكشّفت العديد من الحقائق سواء فيما يتعلق بالتمويل أو التسليح أو الأهداف والمطالب المؤدلجة والمتناقضة في ذات الوقت والمثيرة بطبيعتها تساؤلات لم يعد بالإمكان تجاهلها حول مصدر تمويل هذه الجماعة والأسباب الدافعة بها إلى الواجهة بالصورة التي أضحت معها واحدة من أكثر من التحديات خطورة على حاضر ومستقبل اليمن وأعقدها إذا ما قورنت بالملفات الأخرى على الساحة اليمنية.

إن قراءة سريعة لخفية الصراعات المحلية في مراحلها التاريخية المختلفة توحي بأنها في غالبها كانت تتخذ طابع الصراع الديني في العلن فيما كانت محركاتها الحقيقية الخارجية بامتياز ما يشي بأن التمرد الحوثي اليوم مندرجٌ ضمن سيناريو قديم متجدد غايته تقسيم اليمن وتفكيكه وابقائه في متوالية التجزئة ومحرقة الصراعات الداخلية لا سيما في ظل تحول مثيري الفتن الداخلية من دعاة الانفصال المذهبي والجهوي والقاعدي إلى بيادق وأداة سياسية بيد المخططات الكبيرة الرامية في طابعها العام إلى إعادة إنتاج واقع إقليمي جديد انطلاقاً من اليمن هذه المرة بعد أن تسنى لهم ذلك في العراق على أن هؤلاء والجهات الواقفة ورائهم سواء في الداخل أو الخارج قد غفلوا حقيقة تاريخية في غاية الأهمية وهي أن حظ العجلة والغلو وإقصاء الآخر من الفشل هو أعظم الحظوظ والتاريخ الماضي والواقع الحاضر شاهدان عدلان لا يكذبان وعليه فتحريض الشعوب ضد حكوماتها ودولها والتدخل في شؤون الآخرين, عمل مدنس لا تقوم به سوى الدول الصغيرة والأنظمة المخربة التي تبحث لنفسها عن دور ما على حساب أمن واستقرار الآخرين, عكس الدول الكبيرة والأنظمة المحترمة نفسها كون المقدس في علاقاتها وسلوكياتها التمسك بالأخلاقيات الدبلوماسية ومبادئ حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين .

 

حاضر مثقل بالتاريخ

” تأثر علاقات اليمن بكل من إيران والعراق أو بأحدهما سلباً وإيجاباً بعلاقات اليمن بأشقائه وجيرانه في المنطقة”, واحدة من الحقائق التاريخية التي فرضتها معطيات الأهمية الجيوإستراتيجية لموقع اليمن والتي جعلت منه ساحة للصراعات الدولية وحلبة لتصفية الحسابات الإقليمية, وهي السمة الغالبة منذ مطلع القرن الأول قبل الميلاد عندما شرع الفرس والروم في اللعب بالورقة الدينية عبر دعم إيران لليهود والرومان للنصارى كجسر عبور لتحقيق الأغراض التجارية المتمثلة في تجارة البحر الأحمر والذين كانت نتيجة استيلاء فارس في القرن السادس الميلادي على اليمن.

على أن ظهور الإسلام لم يحد من الأطماع الخارجية بما فيها الطموحات والأطماع الفارسية في اليمن وبذات اللعبة القديمة المتمثلة في تغذية الصراع الديني إذ شهد العام 816 م ظهور إبراهيم بن موسى الكاظم الملقب بالجزار في المسرح السياسي اليمني والمتمكن بالتعاون مع بقايا الفرس- الأبناء- من قتل أعيان قبائل خمر وحرف سفيان وصعدة بتهمة الولاء للدولة العباسية فسِّير المأمون العباسي للقضاء عليه رجلاً من فارس يدعى محمد بن عبدالحميد الرازي ,وتكمن أهمية حركة الجزار في التمهيد فيما بعد لانخراط الطبريين الزيدية الآتين من فارس في دعوة الهادي يحيى بن الحسين المؤطرة لبروز الدولة الزيدية الأولى باليمن عام 900 م بالتوازي مع نجاح  الناصر الأطروش في إقامة دولة زيدية ثانية بالجيل والديلم من فارس في حين شهد عهد عبدالله بن حمزة (1187 – 1217م ) قيام فتنة مذهبية بجبال الشرف ترأس حربتها إمامي إثنى عشري فارسي ما استدع رد ابن حمزة عليه في رسالة مفصلة” في الرد على الإمامي صاحب الشرف” وقيام حرب ضرروس.

 وفي ظل الدولة الصفوية _ والمنسوب إليها الفضل في الاستقلال بفارس بعد أن كانت دولة تابعة مفككة وإحياء الدور الذي كانت تمارسه قبل الإسلام وبالتالي جعل المذهب الإثنى عشري المذهب الرسمي للدولة لأول مرة منذ انهيار الدولة الفارسية –  كانت هناك علاقات وثيقة مع الدولة القاسمية باليمن بدأت فصولها بالود وانتهت بالمصادمات العسكرية، وتحديداً في حقبة المتوكل إسماعيل ابن القاسم 1644- 1676م وعباس الثاني الصفوي 1642- 1667م على خلفية طلب عباس الثاني من المتوكل في العام 1665 مؤازرته في الهجوم على الدولة اليعربية في عمان المنافسة للتجارة الفارسية إلا أن المتوكل اعتذر عن ذلك خوفاً من تغذية اليعاربة لطموحات الانفصال بحضرموت ما أدى إلى ارسال حملة عسكرية صفوية في 1668م للاستيلاء على المخا انتهت بالفشل.

والمفارقة قيام الدولة الصفوية في بدايات اشتداد عودها  بتصفية الزيدية في إيران وكانت الغالبة وقتها وطمس معالمها بصورة وحشية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً بالتوازي مع استمرار الصفويين في تغذية التطرف والمغالاة واصطناع الفتن المذهبية في اليمن ففي عهد المنصور الحسين بن القاسم بن الحسين بن أحمد بن الحسن ( 1726 – 1748م )  برز يوسف العجي الفارسي مثيراً فتنة كبيرة بصنعاء أدت إلى طرده في عهد حكم المهدي عباس بن الحسين (1748 – 1775م).

بعد استقلال شمال اليمن عن الدولة العثمانية قام الإمام يحيى بإرسال ولد الحسين إلى طهران عام 1938 للتشاور حول إقامة علاقات معها, في الوقت الذي كانت فيه إيران تسعى إلى ممارسة دور الشرطي على الخليج بالتعاون مع الغرب ودون إغفال اليمن من حساباتها بدلالة محاولتها إحباط ثورة 26 سبتمبر عندما سارعت إلى تقديم الدعم لقوى الرجعية 1963- 1968 ممثلة بمحمد بن الحسين ومدِّها بالمال والسلاح وإرسالها عدداً من المرتزقة بقيادة الميجور محمود إلى جبال سفيان وصعدة وبعد فشل الرجعيين اعترف الشاه محمد رضا بهلوي  بالنظام الجمهوري في 9 سبتمبر 1970 على أن علاقات صنعاء وطهران سرعان ما عادت إلى التوتر على خلفية رفض صنعاء الهيمنة الإيرانية وبالتالي تأييدها الثورة الخمينية.

قيام الثورة الإسلامية في 1979م لم يغير من الصورة شيئا, باستثناء استبدال إستراتيجية الشرطي الإقليمي بإستراتيجية تصدير الثورة, ما أدى إلى طرد السفير الإيراني من صنعاء في ديسمبر 1981 على خلفية قيامه بممارسات معادية وبالتالي إعلان صنعاء وقوفها إلى جانب العراق في حربها مع إيران لتشهد العلاقات بعد قيام الوحدة تحسناً ملحوظاً قبل أن تعود إلى دائرة التوتر إثر ظهور حركة التمرد الحوثية بصعدة في العام 2004 بالتوازي مع موقف اليمن الرافض للحرب الأميركية على العراق والذي أثار استياء العديد من القوى الشيعية العراقية ما دفعها إلى دعم ومساندة الحوثي .

ما يهمنا من العرض السابق أن لإيران بغض النظر عن هوية وشكل النظام الحاكم سياسات إقليمية ثابته محركاتها المصالح القومية والأوهام التاريخية الدافعة بها على الدوام إلى توسيع النفوذ في الجوار الجغرافي والهيمنة وعوامل تغذيتها الأهداف والمصالح الأيديولوجية المتمثلة في استغلال الحركات الإسلامية والتي كانت ولا زالت عائقاً أمام وجود علاقات إيرانية عربية سلسة.

الورقة الحوثية باليمن تظل نموذجاً فاقعاً للدور الإيراني سواء في مراحل التكوين أو التثوير أو التحفيز والدعم بأشكاله في خطوة مكشوفة لتسييس وترويض زيدية اليمن واستغلالهم ضد مؤسسات الدولة ليسهل على إيران التغلغل وتمرير مشروعها التوسعي في المنطقة على حساب اليمن وأمنه واستقراره.

 لكن ما لا يعرفه الكثير حول الحميمية المفاجئة تجاه الزيدية اليوم, هو أن دافعه عائدٌ إلى العداء التاريخي بين الإثنى عشرية والزيدية والإختلافات الفاقعة في الكثير من القضايا الدينية, والواصلة ذروتها بإنكار علماء الزيدية للكثير من المعتقدات الخرافية للإمامية, بما يجعل من تلاقيهما أمراً مستحيلاً, ولذا تم التوجه إلى استغلال السذاجة الحوثية أملاً في تحويل مستحيل الأمس إلى ممكن اليوم. 

يأتي هذا في سياق مساعي إيران لتوحيد شيعة العالم تحت قيادتها بطوائفهم المختلفة حسب نص المادة 15 من دستورها والذي بدأته عملياً في العراق بالتوازي مع غياب أي مشروع عربي مناهض للأسف الشديد ,وهذه النقطة تحديداً إحدى مقومات دعائم المشروع التوسعي الإيراني.

 

شواهد على الطريق

في محاضرة له بمنتدى الأحمر 12 تشرين أول/ اكتوبر 2009 خلُص الدكتور أحمد الدغشي إلى وجود عدة عوامل تداخلت في الحوثية تترابط في بعضها وتتناقض في أخرى منها التناقض بين الأيديولوجيا والمنافع المتنافرة وبين البعد السياسي ومذهبية التسييس وبين إعلان الاستقلال والتحرر من ربقة الهيمنة الفكرية والفقهية الوافدة مع الارتباط ببعض القوى والمؤثرات الإقليمية والخارجية.

وفي حين ينفي الدغشي عن المؤسس الأول لحركة التمرد تهمة التحول إلى مذهب الإثنى عشرية، وبالتالي تصنيفه في خانة الجارودية المتشددة والمتلاقية مع الإثنى عشرية في العديد من النقاط لكنه لا ينفي تأثره بالأفكار الثورية الخمينية في بعدها العالمي بدلالة موقفه المعارض لمساندة صنعاء للعراق في حربها مع إيران ومشاركة بعض الرموز الفكرية الحوثية في مؤتمر توحيد الشيعة في 1986 وتقاربها مع الكثير من الأفكار المذهبية الإيرانية وصولاً إلى مساندة ودعم إيران لمؤسس التمرد الأول في 1997 وما بعدها مقابل التغاضي عن نشر الإثنى عشرية باليمن سواء عبر الوافدين العراقيين أو الإيرانيين خلال عقد التسعينيات من القرن العشرين والتي مهدت بصورة لافتة لتحول التيار الحوثي من حركة فكرية سياسية إلى حركة مسلحة حنينية إلى الماضوية , الأمر الذي جعل من المذهب الزيدي المعروف بتسامحه وانفتاحه وآفاقه العالمية الواسعة الضحية الأولى لصالح أهداف وأجندة خارجية مشبوهة.

ورغم نفي السلطات الإيرانية المتكرر خلال حروب صعدة السابقة أي علاقة لها بحركة التمرد ومساندتها ودعمها فقد أبرزت الحرب السادسة العديد من الشواهد المؤكدة عكس ذلك تماماً على الأقل فيما يتعلق بتعامل الإعلام الإيراني الرسمي ليس مع أحداث صعدة فحسب، بل ومع الشأن اليمني بملفاته المتعددة والمعقدة بصورة لا تمت للحيادية والموضوعية بصلة بما في ذلك محاولة توظيف أزمة اليمن لتصفية الحسابات الإيرانية مع أميركا ودول الخليج العربي على خلفية الفهم الإيراني المغلوط وغير المبرر لعلاقات اليمن الخارجية ومواقفها القومية العروبية.

كل هذا يثير التساؤل عن الخلفية الحقيقية لدخول إيران في اللعبة اليمنية وحشر أنفها في المنطقة بكل قواها ومعاودتها ممارسة دور الشرطي الإقليمي وإعطاء نفسها حق تقرير ما يجب عمله وما لا يجب عمله على الآخرين.

بالعودة إلى ديناميكية محركات ومنطلقات النظرية التوسعية الإيرانية منذ ما قبل الإسلام وحتى يومنا, يمكننا الوقوف على الدافع الحقيقي لاختيار اليمن كمحطة ثانية بعد العراق لاختبار الأجندة الإيرانية , وهو قيام تلك النظرية على قاعدة أن السيطرة والهيمنة والنفوذ على المنطقة العربية عامة والخليج خاصة, لن يتأتى إلا بالسيطرة وفرض النفوذ على اليمن.

ومعلومٌ أن لإيران طموح قديم متجدد في الوصول إلى البحر الأحمر وخلق تمدد شيعي يجد له مكاناً في تقسيم اليمن، ثم ينتقل إلى توسع أكبر ليشمل السيطرة على جنوب وشرق الجزيرة العربية متعانقاً مع الهيمنة الشيعية بالعراق, بما يضمن في خاتمة المطاف سهولة التغلغل الإيراني داخل البؤر المتوترة بالشرق الأوسط والتحكم في أوراقها, في سباق مع الزمن للتأكيد على أنها أصبحت رقماً شيعياً وقوة إقليميةً لم يعد بالإمكان تجاوزها.

وفي هذا السياق نشر موقع المحرر العربي بتاريخ 24 كانون الأول/ ديسمبر 2006 عدة وثائق صادرة عن الدائرة السياسية لمنظمة بدر التابعة لتيار عبدالعزيز الحكيم بالعراق , وسنكتفي هنا بالوقوف على وثيقتين منها ممهورة بتوقيع الحكيم بتاريخ  5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006, تضمنت الأولى الحديث عن إنجازات شيعة العراق والتحالفات التي عقدتها دول عربية عدة مع أميركا لتغيير معالم الخارطة السياسية للعراق والمنطقة بهدف تهديد وجود الشيعة وكيانهم ومستقبلهم في الشرق الأوسط والقضاء على مخططاتهم وأهدافهم المصيرية خالصة إلى ضرورة التوجه للترويج إعلامياً لمظالم الشيعة وهو ما تم تفصيله في الوثيقة الثانية الصادرة بناءاً على توجيه خامنئي على خلفية إنعقاد مؤتمر شيعي موسع بقم تم فيه الدعوة لإنشاء منظمة المؤتمر الشيعي العالمية مقرها إيران وفروعها في كافة أنحاء العالم ومهمتها دراسة وتحليل الوضع الإقليمي الراهن والاستفادة من التجربة الشيعية العراقية وتعميمها على السعودية واليمن والأردن ومصر والكويت والإمارات والبحرين والهند وباكستان وأفغانستان وبناء قوات عسكرية غير نظامية لكافة الأحزاب والمنظمات الشيعية بالعالم وتخصيص ميزانية خاصة لتجهيزها وتسليحها وتهيئتها لدعم وإسناد الشيعة في السعودية واليمن والأردن من خلال إنشاء صندوق مالي عالمي مرتبط برئاسة المؤتمر وتفتح له فروع في أنحاء العالم تكون موارده من الأموال التي تجمعها الحكومات العرفية وتبرعات التجار وزكاة الخمس.. لدعم متطلبات المؤتمر الإدارية والإعلامية والعسكرية وتشكيل لجنة متابعة مركزية لتنسيق الجهود في كافة الدول وتقويم أعمالها ومتابعة الدول والسلطات والأحزاب وشن حرب شاملة ضدها في كافة المجالات!!.

لذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يشكل هذا التوجه الخطير واحدة من أهم القضايا الخلافية التي طفت على السطح بين الإصلاحيين والمحافظين في الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة من ذلك اعتبار محمد خاتمي تصدير الثورة من خلال إرسال السلاح والفوضى إلى الدول الأخرى مخالفاً لمبادئ الثورة ولا يخدم المصالح الإيرانية وتوجيه كروبي وموسوي خلال حملتهما الانتخابية انتقادات لاذعة لإدارة نجاد بسبب دعمها للحركات الدينية خارج إيران.

إذن فما تواجهه اليمن اليوم ليس سوى خديعة كبرى واجهتها مذهبية وخلفياتها سياسية تآمرية ترمي إلى استنساخ السيناريو العراقي بصورة تضمن عدم بقاء اليمن موحداً وقوياً وناهضاً وداعماً لقضايا أمته وفاعلاً في محيطه العربي والإقليمي وصولاً إلى إدخاله في آتون لعبة لا ناقة له فيها ولا جمل وساحة مجابهه إقليمية – دولية لتصفية حسابات الآخرين.

وفي هذا مدعاة لوجوب الاصطفاف الوطني أكثر من أي وقت مضى وتراص الصفوف لوأد الفتنة المذهبية الجهوية والقاعدية ومنع التدخلات الخارجية تحت أي مسمى كان كون المستهدف ليس شخص رئيس الدولة ولا الحزب الحاكم بل اليمن ككل.

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد