إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حرب بلا نصر ونصر بلا حرب

Algiria(14)عبد  الحق خـالد
[email protected]
<<…ذوو النفوس الضعيفة أفكارهم هزيلة، أما أنا فأحس باللاّنهائية في داخلي…>>

 من تظنّ قائل هذا الكلام؟..إنه قاهر أوربا…نابليون بونابرت العظيم..؟؟؟.

أود أن أقرّ ابتداءا أني كنت أوثر الاحتياط وعدم الانسياق وراء انفعالات وعواطف مندفعة فأقع، من حيث أدري أولا أدري، فيما وقع فيه الآخرون من شراك الفعل ورد الفعل الذي طغى على تفكيرنا وتجاوزه إلى سلوك شائن جعلنا أضحوكة أمام الأمم الحية والشعوب المكافحة الجادة في هذا العالم…وهوما يدل على غياب بل تغييب تام "للعقلانية" في معالجة مانتخبط فيه من "مهازل" بسيطة كانت أم معقدة، نسمّيها تجاوزا أزمات؟؟..وأن الشرخ غائر- ليس فقط في النفوس- بل يتعدى ذلك ليُلامس الجغرافيا والتاريخ؟..

لكن عندما أجد مفكرا له احترامه ووزنه، هوالأستاذ فهمي هويدي، يخرج عن صمته ووقاره، ويكتب موضوعا بعنوان "دفعنا ثمن تغييبنا للحقيقة" ينتقد فيه بكل موضوعية تصريحا جاء على لسان وزيرالإعلام المصري "أنس الفقي" في صحيفة "المصري"، فيقول معلّقا:<<..وهو كلام لايعني إلا شيئا واحدا هو أن اللوثة التي أصابت مقدمي البرامج في بعض تلك القنوات، لم تكن كلها غضبا لكرامة مصر، وإنما أيضا استجابة لتوجيه رسمي، عبّرعنه كلّ بطريقته..>>، فإن ذلك يعني أن الأزمة مفتعلة أراد لها الجانب المصري أن تأخذ أكثرمن حجمها الطبيعي..تضخيما وتهويلا، وحينها لايمكنني أن أسرح بخيالي بعيدا متجاهلا الحقائق كما هي على الأرض..إذ يكفي أن تداعياتها لازالت تلقي بظلالها "قاتمة" إلى اليوم..أي بعد مرورالأسابيع عن تلك المباراة.. 

      وأولى هذه الحقائق النفسية العميقة المسلّم بها أن "الغرور لايمتد إلا في العقول الفارغة…" كما جاء على لسان أحد الفلاسفة، يؤكد هذه المقولة حملةٌ مسعورةٌ بدأها إعلاميون ثبت، بما لا يدع مجالا للشك، فشلهم وافتقارهم للاحترافية(والكلام للصحفي المصري الشهير بالجزيرة:أحمد منصور) في وسائل إعلام لم تجد من يشاهدها حتى من المصريين أنفسهم، فاعتقدت أن النيل من سمعة الجزائر وشهداء الجزائر وتاريخ الجزائر…سيحقق لها ما تصبو إليه من وهم الشهرة والمجد..وغذّاها من يحسبون أنفسهم نوابا للشعب ومثقفين ومحامين وأشباه فنانين من مروّجي(هزالبطن، والدنيا سيجارة وكاس…) وسار بها إلى منتهاها وأطّرها رسميون في الدولة والحزب "الوطني" الحاكم، في محاولة للخروج من عنق الزجاجة، وتجاوزحالة الاحتقان التي بلغها الشارع المصري المصاب بالإحباط منذ أكثر من سبعة وعشرين عاما، هي فترة حكم آل مبارك…؟.

      لقد طال الجزائر والجزائريين من (الإخوة المصاروة) بسبب مباراة في كرة القدم، تصوروا.. مجرد مباراة في كرة القدم والله؟..من الإهانات والسباب ما لم يقف عند وصف المشجعين، وفقط مشجعي الفريق الوطني، بالصيّع والهمج والبلطجية -وليس المشاغبين؟…وإنما تعدّاه ليطال كل ما هو جزائري (أرضا وتاريخا وحكومة وشعبا..ورموزا) وتنعيته بأبشع النعوت "لقطاء، برابرة، دمويون…"إلى ما هنالك من هذا الكلام الذي جادت به قريحة العبقرية المصرية وسمعه العالم ورآه، وهو كلام يدل -بكل تأكيد- على ثراء لغوي "في البذاءة التي تصل حد الصفاقة" وتعجز قواميس كل لغات العالم عن الإتيان بمثله، لكن ماذا نفعل ؟..إنها الأريحية وأخلاق التحضرعند أحفاد الفراعنة، عند من قالوا عن أنفسهم أنهم "أناس شيك"؟..إنه باختصار فن المدح ورد الجميل على الطريقة المصرية..ألم يقل المتنبي:وإذا أتتك مذمتي من ناقص     فهي الشهادة لي بأنّي كـامل؟.

      والحقيقة الأخرى التي لا مراء فيها، أن مصر والمصريين –وقد كشفوا عن هذا المخزون الهائل من الغل والحقد- ما كانوا ليجرؤوا على مهاجمة الجزائروالجزائريين بهذا الشكل "المبرمج" العنيف لولا ظروف وملابسات هيأت الجو لمثل هذا التحامل وهذا الشحن "غير المسبوق"، لعل أبرزها الأوضاع الداخلية الصعبة التي عاشتها الجزائر قرابة العقدين من الزمن (منذ1990) فجعلتها تنعزل إلى حدّ ما لانشغالها بإعادة ترتيب البيت من الداخل، فغابت وغابت مواقفها المعروفة في المحافل الدولية..غابت عن استحقاقات في مجال الرياضة كما في مجالات أخرى أكثر أهمية، مما أعطى الانطباع بأن الجزائر استقالت فعليا من المجتمع الدولي، وأن "الطّرحة" أصبحت شاغرة (إلا من مصر طبعا) لملء هذا الفراغ والتصرف بالتالي بعقلية "أنا ربكم الأعلى…ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد.."؟.

      ومما يدعم هذا الاعتقاد ويعززه هو هذا الهوس والرغبة الجامحة في لعب "دور الشقيقة الكبرى" ،أي الوصي على الشعوب العربية "القاصرة"، هذا الدورالذي  دأب ساسة  مصرعلى مضغه وتذكير الآخرين به بمناسبة وبغير مناسبة، حتى ملّته الشعوب العربية بما في ذلك الأطفال؟.. ذلك أن الكثير من مواقف مصر-مابعد عبد الناصر-بدءا باتفاقيات "كامب ديفيد" وليس انتهاءا بالمصائب التي حلت بالعراق ولبنان وغزة/فلسطين…لم تكن مشرّفة على الإطلاق، بل مثلت تراجعا حقيقيا لمكانة ودور مصر العربي والإقليمي، إضافة إلى أن الذهنية المصرية لم تستطع أن تهضم التحولات الحاصلة عند كثير من شعوب العالم وشعوب المنطقة من حولها، فهي مثلا لم تنظر أبدا بارتياح للتجربة الرائعة التي خاضتها بنجاح دولة صغيرة مثل قطر، وجعلت منها في سنوات قليلة دولة لها اسم ووزن؟؟.. وعلى العموم لم تكن الشعوب العربية لتتخلف عن مواكبة تلك التحولات والتغيرات..! لأن طبيعة الأشياء تقتضي أن يكبرالصغار و"يشبّوا عن الطوق"، وبذلك يصبحون أهلا لتحمل مسؤولياتهم التاريخية؟! ولكن نرجسية السادة الأوصياء تأبى إلا أن يصدّقوا كذبة صنعوها ولو تجاهلوا العالم أجمع؟!..لقد استكثروا على الجزائريين الذين افتكّوا منهم-عن جدارة- تأشيرة الذهاب للمونديال وتمثيل العرب والأفارقة، أن يهزموهم في مباراة لكرة القدم، وصوّرت لهم كبرياؤهم "المتورمة" المسألة على أنها مسألة نخوة وكرامة مهدورة، والحقيقة غيرالمعلنة، أنه عزّعليهم أن يروا الجزائر تتعافى..جزائر تملك استقلالية القرار وتعد  بالكثير الذي يؤهلها للعب دور مؤثر ليس على المستوى الأفريقي أوالمغاربي والعربي فحسب، وإنما على المستوى الإقليمي والدولي كذلك؟..ألم يعبّر الشاعر العربي عن نفسية "الحسود" بكلام جميل حين قال:    حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيـه       فالقـوم أعـداء له وخصـوم                        

                                         إبدأ بنفسك فانهـها عن غيّيـها       فـإذا انتهـت عنه فأنت حكيم

                                         فهناك يقبل إن وعظت ويقتـدى       بالـرأي منك وينفـع التعليـم

                                         لا تنهى عن خلق وتأتي مثلـه  عار عليك إذا فعلـت عظـيم؟..                                                                         

كانت هذه وقفة لابد منها، لإضاءة بعض الزوايا المهمة في معرفة الآخر وكيفية تعاملنا معه،   لأن مقالي اليوم أردته أن يكون-بكل تواضع-عن "المعجزة الجزائرية"..عن هذه الجزائر العميقة الرائعة التي تعرف كيف ومتى تجسّد صورة الوطنية الحقّة حين يجد ّالجد؟..عن جماهير الشعب الغفيرة وقد خرجت تحتفل بفوز الفريق الوطني(حتى في الصين والقطب الشمالي…)فملأت بكل "عفوية" الشوارع والساحات العامة فرحة      اختلطت فيها الدموع بالزغاريد بالصخب…ولم يكن مسموحا لأي كان أن يستبدل أوينغّص على الجموع هذه اللحظة التي انتظرتها طويلا، ذلك أن الرغبة كانت عارمة في "عيش" لحظة الفرح كاملة للخروج من "دائرة اللاّمعنى" وتجاوزالحاضرالبائس بكل ما يفوح منه من روائح الهزيمة والضعف والتلاشي..وهي الرّغبة ذاتها التي تحفّزهذه الجماهير لصنع ملحمة تليق بقامتها، لأنها دوما كانت تنشد مثلا أعلى يوحّد صفها..إنجازا أكبر يعبّرعن طموحها وآمالها..حتى تتجه بكل ثقة صوب المستقبل تصنع مصيرها وتغيّر مجرى التاريخ؟..

     وتلك قصة أخرى، قد نفرد لها مقالا مستقلا في مناسبة أخرى.

                                                                 بقلم: عبد الحق خالد[email protected]

                                                                      –كاتب من الجزائر-

                                                                       +213-0774-93-78-35

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد