إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

دموع الغزلان……..!

fathe al batote

دكتور فتحي البطوطي

 

 
 
 
تفجرت ينابيع العسل الجبلي المصفي….
وتناثرت قطراته علي رمال الصحراء الجافة…..
علي الكثبان….
فتلألأت حباته في ضوء الشمس الحارقة…
كعيون الجان….
أو كأنها جمرات صغيرة تهدد من يقترب منها….
بالحريق….أو جحيم بركان….
صدحت أصوات بكائها المكتوم …
غزالة البيداء…مع شهقات متقطعة…
وقلب
مكلوم…
تلتقط فيها أنفاسها….
بين نوبات القهر و الأحزان..
طلبا لأستمرار حياة لم تعد تعنيها…
ولكنها أوامر اللاوعي للحفاظ علي الحياة
منحة الخالق….للأنسان…

تجمعت وفود القبائل من كل حدب و صوب …
تسأل و تتساءل…ماذا حدث للبيداء من حولهم..
مابال الأنفاس قد ضاقت …والهواء قد ثقل…
والحياة لم تعد كما كانت….أصبحت بهتان..
نادي منادي القبيلة ….
غزالة البيداء قد فقدت عائلها…
قد فقدت الأمان….
وألمت بها الأحزان….
فقدت عائلها شيخ القبيلة …
المؤمن الكريم المنان…
تكاثرت الأصوات من حولها …
بين سائل…أو مشفق….
أو
حائر…أو شغوف…أو عاشق ولهان…

أخفت هي البدر بيديها ..وجهها…
وأغمضت قمراها ……عيون المها…
فأظامت الدنيا حول محبيها….و مريديها…
صاحوا جميعا في صوت واحد يطلبون منها …
غزالة الوادي…..يطلبون …النور….
يطلبون العفو و الأمان….
فتحت عيناها …فسطع النور …
يضيئ الحياة و يبعث الأمل …
جفت
شفتاها من الظمأ…والحزن…والهوان….
فأخذت تلعقهما بلسانها الجاف…العطشان…
صاح المحبون …والمريدون …
لا…لا…يا أميرتنا…ألماء واللبن هنا…
طوع بنانك…قربنا مليئة بخيراته…والأوان…
و خرجت القرب الصغيرة من الجيوب…
وأحاطت بها تطلب شرف الأختيار…
إختارت أقربها ….تلمست بشفتيها…….
بفمها الصغير…خاتم سليمان….
عصارة الحياة وسرها…
رشفت منها …رشفة…رشفتان…
ثم أدمنتها….تنهل منها بشغف….
تروي الأرض ..والبنيان…
وضعت اليد الحنون
..
صاحبة القربة المختارة يدها…
علي رأسها بحنان….
تسقيها الماء والامان…
والأحتواء …. في وقت واحد…
كل ذلك أشبعها…. فهدأت ..
و الجسد إرتوي …وإستكان….. .
وفتحت عيناها أكثر …قمراها …
فسطعا..وأحالا الدنيا ضياءا ….
و بهاء….و لمعان…
هلل المحبون والمريدون…..
وجهت هي قمراها لمنقذها…
وساقيها….وحانيها….
لم تجده….كان قد ذهب لحاله…..

 

.هي تعرفه من بين ألف رجل أو أكثر….هو سيد
الفرسان
هي تعرفه من رائحته…رائحة رجولته …
القوة …الحانية…العنفوان…
إرتعش القمران جزعا …..
خشية عودة التوهان ….الفقدان….
هي لم تكد تفيق من صدمة حياتها …..
فقدان قائد سفينتها….الربان…
الشيخ الذي رباها …..
بعد أن عثر عليها طفلة في الثالثة….
ربتها و أرضعتها الغزلان…..
بعد أن فقدت والديها المجهولان…
الذين تاها و ماتا ظمأ
في البيداء ولم يبق منهما …
سوي ثوبان
باليان …علي بقايا أبدان..
كانت القبيلة وقتها تمر بسنين عجاف ….
وجفاف…وخذلان….
وخلت الواحات من زرعها …..
و خضرتها…والوديان…..
وإنتشرت بين الناس من الجوع والظمأ …
الأوهام ..والسراب…والهذيان…
حتي أضاءت القبيلة بمقدم …
أميرتها الصغيرة …ربيبة الغزلان…
فكانت يمن الطالع ….وبداية الخير ….و عفو الزمان….
و جابت السماء بفيضها…….
فإخضرت الأرض …وإرتوت الأبدان….
ومن يومها …أصبحت اليتيمة …
جوهرة القبيلة …و درة جبينها…
وأصبحت البركة والخير في ركابها .
.هي وناقتها…أينما يحلان….

خمدت الأحزان في فيض الحب الذي أحاطوها به ….
الأحباب والخلان….
وإستسلمت غزالة البيداء لقضائه….
وأنعم عليها سبحانه…بالنسيان…
ولكنها أبدا لم تنس منقذ حياتها …
و ساقيها ….و حانيها….
فارس الفرسان…..
لم يأت من يومها …ولم يظهر له أثر ….
و كأنه كان وهما …أو جني بعثه….سليمان….
عقدت العزم…غزالة البيداء….
و حزمت
رحالها…..
و في الفجر غادرت …الي حيث ربتها وأرضعتها …
أمها و خالاتها ….الظباء …والغزلان….

قابلوها بأفراح و زينات صنعوها من سعف النخيل ….
وسقوها لبنهم ….وأطعموها الرطب …
و جمار النخيل …هنيئا لأميرة الغزلان…
حكت لهم بلغتهم التي تعرفها….
وألقت عليهم قصيدة عشقها ….
وفؤادها
الهيمان…..
إنتشروا في البيداء …
فجر يومها التالي …أخواتها ….
يرصدن ….الحبيب….الفارس وأمير الزمان…..
وجدته إحدي الظباء الصغيرة …
.ممتطيا جواده الأشهب….
ويحمل سلاحه…القوس والنبل و السهام السنان….
و علي كتفه يتأهب و يتلمظ صقر ….من أشرس العقبان…
ويطوي الأرض بجواده …
بحثا عن صيد يقتنصه في السهول والوديان…
أسرعت الظبية لأختها الأنسية …
بنبئها …وهي سعيدة بلقيا نسيبهم….الأنسان….
أسكرت الفرحة غزالة البيداء …وأميرة الوديان….
وإعتلت ناقتها …..التي أسرعت …خلف صغيرة الظباء …
الي عرس الحبيبان….

لمحته الأميرة …بجماله و قوته علي صهوة جواده ….
فكاد قلبها تقف دقاته…
فرحا و طربا لطلعته البهية…والعنفوان…..
لم يكن قد رآها بعد …كان يصوب حاد نظراته …
.بحثا عن صيد…في كافة الأركان….
لمح صغيرة الظباء …أختها …
فإستل بسرعة الشهب أحد سهامه …
وصوب نبله إليها ….
فإرتمت غزالة البيداء من فوق
الناقة علي أختها …
.تحميها من السهم السنان….
فإذا بالسهم يستقر بين قمراها …عيون المها….
بين ذهوله هو والهذيان….
أسرع إليها صائحا ….وصوته يجلجل من الألم …
و قسوة الحدث…لا…لا….لا تموتي يا قرة عيني ….
ودرة الوجدان…..
إختلطت الدماء من جرحها بدموعها ….
دموع الغزلان…..
و سألته بصوت خافت ما إسمك يا حبيبي….
رد بجزع أنا نعمان…
حبيبتي أنا نعمان….حبيبتي أنا نعمان….
نعمان……نعماااااااان….
تلاشي صوته في أذنيها و صعدت الروح الي
بارئها …
وعلي وجهها إبتسامة إرتواء ….
بعد أن رشفت من الحب قطرة أو قطرتان……
و أخذت البيداء من يومها تجلجل بصيحاته ….
يناديها ويصلي و يقرأ القرآن…
….زهد الناس…والصيد ….
وعاش في زاوية يصلي و يصوم ….
ويكتسب عيشه من بيع التمر…
ويقص علي الناس قصته …
وهو يحتضن صغيرة الظباء أختها ….
التي سكنت إليه من يومها فرعاها ….
و يحلم أحيانا أن روح حبيبته قد تقمصتها …
فيقوم من نومه إليها …
يحتضن رأسها و يسقيها الماء من جرابه
ويسقيها معه الحنان…و الأحتواء …والأمان…..

دكتور فتحي البطوطي

تمت بحمد الله في 19 أبريل
2010

 
 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد