في الوقت الذي أطلق فيه حاكم محمد بن آل مكتوم، تساؤله لسكان دبي حول مدى سعادتهم، كان هناك آخرون يستطيعون التحدث عن وجه آخر لدبي يقابل تلك السعادة، ولكن لم يطلب منهم أحد الحديث، فالوجه الآخر لأسرع وأغنى مدن العالم هو وجه “تعيس بائس” يتخطى العربات الـ4× 4، ويتجاوز حمامات السباحة الباردة، لأوضاع مزرية في أبسط حقوق الحياة ما بين عمالة وافدة تعاني ما يشبه العبودية، وانتهاكات للإنسانية لمجرد  كونك تحمل رأيًا معارضًا.

وعلى الرغم من استبيان السعادة الذي أطلقه يظهر جانبًا آخر في دبي بل كلها، حيث تتصدر دول الخليج في مؤشر العبودية، الذي يصدر سنويًا عن منظمة (ووك فري) الحقوقية بـ 99 ألف شخص بين الاتجار بالبشر والعمل بالـ”السخرة”، والزواج القسري، وعبودية الدين، والاستغلال الجنسي التجاري، بحسب مفهوم “العبودية الحديثة”.

ملف أسود للعمالة الوافدة بدبي

من بين من تحدث عن الوجه الآخر لمدينة الذهب كما أسماها هو “جيم كران”، الكاتب بجريدة “الغارديان” البريطانية ومؤلف كتاب دبي مدينة الذهب، حيث أكد أنه وعلى الرغم من الجانب الذهبي لدبي، إلا أن هناك نموذجًا بها لا يمكن الاحتذاء به، أبرزها في رأيه، استغلال دولة الإمارات للعمالة.

ووثقت كاميرات الإعلام العالمي ذلك الجانب المقيت الذي لن يشارك في استبيان “بن مكتوم”، حيث نشرت جريدة “الديلي ميل” البريطانية نهاية العام الماضي، تقريرًا مصورًا بعنوان “الجانب السري لدبي الذي لا يريدون أن يراه السياح”، وينقل صور مأساوية عن أوضاع العمالة بدبي.

ونقل التقرير صورًا تظهر الظروف البائسة التي يعاني منها المهاجرين، الذين أجبروا على العمل في درجات حرارة شديدة الارتفاع تعدت الـ50 درجة مئوية، مقابل مبالغ زهيدة.

وتحدث المصور الإيراني فرهاد بيراهمان، والذي التقط صور التقرير عن ظروف العمالة القادمة من جنوب آسيا والمتواجدة بمدينة دبي، والتي كان تركيزه الأكبر عليها.

ولفت المصور في تقريره إلى أن تلك العمالة تعمل في ظروف بائسة ودرجات حرارة مرتفعة جدًا، ومعظمهم لا يستطيع مغادرة دبي حسب رغبته، لأن جوازات سفرهم غالبًا ما تكون مع صاحب العمل.

والتقط المصور تلك الصور في منطقة «سونابور»، وهو الاسم غير الرسمي لمعسكر عمل في ضواحي دبي، ويقع بعيدًا عن أماكن الترف، وناطحات السحاب المرتفعة، وكل مظاهر الثراء الفاحش في واحدة من أهم وأشهر مدن الإمارات.

اللافت أن مسمى “سونابور” يعني مدينة الذهب باللغة الهندية، رغم أنه عنوان لعشوائيات يقطن بها أكثر من 150 ألف عامل، معظمهم من الهند وباكستان وبنجلاديش والصين.

وكان المئات من العمال الهنود والباكستانيين والبنغال، قد نظموا احتجاجات في دبي يوم 10 مارس 2015، احتجاجاً على ضعف الأجور، وظروف العمل الصعبة، فيما اُعتبر إضرابًا نادراً أجبر السلطات الإماراتية على حشد شرطة مكافحة الشغب، وأعلنت عن دخولها في حوار مع الشركات المشغلة لهم لتلبية مطالبهم، وهو ما جعل المنظمات الحقوقية تطالب الحكومة بضرورة تعديل قوانين العمل، بما يضمن عدم انتهاك حقوق تلك الشريحة واستعبادها.

وفي تقرير نشره موقع الجزيرة نت سبتمبر الماضي، كشف وصول حجم العمالة الهندية الوافدة فحسب بالإمارات لنسبة 34 % من السكان.

اتهامات لسلطات دبي بالتغطية على الانتهاكات

وتوجه العديد من المنظمات الحقوقية، التهم إلى سلطات دبي بالتغطية على الانتهاكات ضد العمالة الوافدة، خاصة انتهاكات شركات المقاولات، حيث قالت جمعية «الإمارات لحقوق الإنسان» إنها تلقت 545 شكوى خلال عام 2014، دون الإشارة إلى فحوى تلك الشكاوى.

ويبدو أن العدد المعلن من جمعية الإمارات لا يعبر عن الواقع، فهي جمعية متهمة من قبل منظمات الدولية بالتستر على ممارسات أجهزة الأمن الإماراتية مع المعتقلين، وخاصة .

كما ذكرت صحيفة “الغارديان”، أن منظمة العمل الدولية التابعة للأمم المتحدة تجري تحقيقًا بشأن إساءة معاملة العمال المقيمين في دولة الإمارات العربية المتحدة، مع التنويه إلى نشر نتائجه بحلول نهاية العام الجاري.

منظمات دولية تنتقد ظروف العمالة الوافدة بالإمارات 

وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش قد نشرت في الأول من فبراير 2015، تقريرًا مكونًا من 82 صفحةً، عن سوء المعاملة، للعمال للإمارات، وبخاصة لجزيرة السعديات.

وتحدثت المنظمة عن  الانتهاكات المستمرة ضد العمال، مشيرة إلى ترحيل المئات منهم تعسفيًا بعد مشاركته في إضراب مشروع للمطالبة بحقوقهم. وناقش التقرير بعض ممارسات أصحاب الأعمال بحق العاملين، كاحتجاز رواتبهم ومستحقاتهم، والامتناع عن سداد أتعاب استقدامهم، فضلًا عن مصادرة جوازات سفرهم، وإيوائهم في مساكن وصفتها المنظمة بـ”دون المستوى”.

ليس فقط عمال البناء من يعانون بالإمارات، فقد أفاد تقرير لنفس المنظمة في أكتوبر 2014، أن العمالة المنزلية في دولة الإمارات تعاني من انتهاك حقوقها، وحثت المنظمة في التقرير الذي يفصل الانتهاكات الجسدية والجنسية والعاطفية للعمالة المنزلية الإمارات، على إلغاء نظام “الكفيل” الذي يربط العمالة بالمستخدم الذي دخلت عن طريقه إلى البلد، واستجوبت المنظمة 99 خادمة ووكلاء استخدام ومستخدمين في الإمارات، وقالت 22 من النساء اللواتي تم استجوابهن إنهن تعرضت للضرب بالعصا والصفع والرفس، وتضمنت الانتهاكات مصادرة جواز السفر، وعدم دفع الأجور، وساعات عمل طويلة، والحبس وحجب الطعام.

الانتهاكات برعاية السلطات
وتشارك السلطات الإماراتية بشكل كبير في قمع أي محاولة للحديث بصوت العمالة، أو أي محاولة من العمالة الوافدة نفسها للحصول على حقوقها، فما بين ترحيل العمال لاعتراضهم أو لمشاركتهم في مسيرات أو إضرابات حول حقوقهم، إلى إيقاف الحقوقيين وتعطيل أعمالهم في رصد تلك الأحداث.

وكانت الإمارات وفي أبرز نموذج للانتهاكات، قد منعت خبير بمنظمة العفو الدولية من الدخول للبلاد من خلال مطار دبي منتصف يونيو الماضي، وأجبرته على حجز رحلة العودة إلى المملكة المتحدة، بعد أن تلقى دعوة رسمية للمشاركة في “قمة قيادة البناء” في دبي للحديث عن مسؤولية الشركات في ضمان حماية حقوق العمال المهاجرين، في ظل النهضة العمرانية الضخمة التي تشهدها منطقة الخليج.

“شؤون خليجية”