كتب الدبلوماسي الإسرائيلي والسفير السابق لتل أبيب في القاهرة ” تسفي مزئيل” مقالا تحليليا نشره معهد القدس للشئون السياسية والعامة، حول جذور وتبعات الأزمة بين السعودية وإيران.

 

ويقول الدبلوماسي الإسرائيلي في مقاله التحليلي, إن القوة المحركة للأزمة وجذورها العميقة موجودة في صراع قديم على إرث النبي محمد بدأ قبل 1383 عاما ولا يبدو أنه سينتهي.

 

المواجهة التي تطورت في الأيام الماضية بين إيران الشيعية والسعودية السنية على خلفية إعدام رجل الدين الشيعي نمر النمر في السعودية ليست سوى استمرارا لصراع إسلامي داخلي منذ فجر الإسلام.

 

صحيح أن هذا الصراع يرتبط بالوضع الجيوسياسي الحالي بالشرق الأوسط، لكنه راسخ جيدا في كراهية قديمة بين الشيعة والسنة، تقود الطرفين لتكثيف الصراعات بينهم.

 

أمل النبي محمد

النبي محمد الذي فقد الأمل في توحيد القبائل العربية قضى في ـ”عهد الأمة” (معاهدة المصالحة بين القبائل العربية في يثرب- المدينة)، بأن الإسلام هو ما يوحدهم. خرج خلفاؤه لاحتلال العالم بهدف توحيده تحت راية الإسلام. وقمعوا الحضارات القديمة في الشرق الاوسط وشمال إفريقيا التي محيت تقريبا، وفرضوا الدين الإسلامي واللغة العربية.

 

بقي في الشرق الأوسط قلة قليلة من متحدثي الآرامية، ممثلو تلك الحضارات المهيبة الذين طالبوا مؤخرا بالتنصل من الاحتلال العربي والعودة إلى لغتهم. الشعب الكردي والشعوب البربرية بشمال إفريقيا وعلى الرغم من دخولهم الإسلام وتعاونهم مع العرب في حروبهم، إلا أنهم نجحوا في الحفاظ على هويتهم ويطالبون الآن بالخروج من الحضن العربي وإقامة دول مستقلة واسعة أو ذاتية الحكم.

 

على أية حال، آمال النبي محمد وخلفائه لم تتحقق. العالم الإسلامي مقسم أكثر من أي وقت مضى- العملية التي بدأت فور وفاة النبي وقسمت الإسلام لجماعتين- سنة وشيعة يقاتلون بعضهم البعض منذ 1400 عام بكثافة متغيرة.

 

صحيح أن كلاهما يعترف بالنبي والقرءان لكنهم طوروا تراثا مختلفا يحول دون أية مصالحة بينهم. تغلب أهل السنة على الشيعة ونحو 85% من المسلمين اليوم سنة.

 

“لكن في النهاية كلهم يعلمون أن القوة المحركة للأزمة وجذورها العميقة موجودة في صراع قديم على إرث النبي محمد بدأ قبل 1383 عاما ولا يبدو أنه سينتهي”.

 

عموما الانقسام سمة هامة في التاريخ الإسلامي، تجلى في إقامة الخلافات التي تنافست على التفوق في دمشق وبغداد والقاهرة وإسبانيا وشمال إفريقيا وأخيرا في اسطنبول.اقرأ “لكن في النهاية كلهم يعلمون أن القوة المحركة للأزمة وجذورها العميقة موجودة في صراع قديم على إرث النبي محمد بدأ قبل 1383 عاما ولا يبدو أنه سينتهي”.أ”لكن في النهاية كلهم يعلمون أن القوة المحركة للأزمة وجذورها العميقة موجودة في صراع قديم على إرث النبي محمد بدأ قبل 1383 عاما ولا يبدو أنه سينتهي”.يضا:-

 

الآن تطور الانقسام أيضا داخل السنة وهو ما انعكس على إقامة تنظيمات راديكالية تدعو لإعادة الخلافة بواسطة الجهاد وتعرف بالاسم العام “الإسلام السياسي” لتفريقها عن الإسلام، رغم أن كلاهما مبني على الشريعة ومن المشكوك فيه إن كان هناك فرق بينهما على المستوى التشريعي.

 

خطة الخميني

بوصول الخميني للحكم في 1979 فرض بالقوة نظريته التي أساسها حكم رجال الدين المعروف بــ”ولاية الفقيه” وهكذا بدأ عصر جديد من الحروب بين الشيعة والسنة، فقد أعلن ثورة إسلامية متواصلة لفرض رؤيته بداية على الشرق الأوسط، ثم بعد ذلك على العالم كله. في المناهج الدراسية الإيرانية يعدون الأجيال القادمة لمواجهة الشيطان الأكبر ممثلا في الولايات المتحدة. توفى الخميني في 1989، لكن خليفته خامنئي مضى قدما في تحقيق رؤيته بأقصى سرعة.

 

ارتكزت خطة الخميني على تحريك الأقليات الشيعية بدول الشرق الأوسط بهدف النيل من استقرارها، والتسبب في إسقاط أنظمتها، وبناء شرق أوسط شيعي ووضع إيران في موقف قوة أمام الدول الإسلامية والغرب.

 

في سياق تلك الخطة جعل من الأسد العلوي حليفا له، بعد أن اهتم أن يتم الاعتراف بالطائفة العلوية التي يجرى مقاطعتها من قبل الإسلام كطائفة شرعية منبثقة عن المذهب الشيعي، وذلك من خلال علماء الإسلام الشيعي في لبنان وإيران.

 

خطوة أخرى تمثلت في إنشاء تنظيم حزب الله مع استغلال المكانة المتدنية للطائفة الشيعية في لبنان ومشاعر القمع التي يحسها أتباعها. خًصص حزب الله ليكون عميل إيران لتحقيق أهدافها كالسيطرة على لبنان، وتهديد إسرائيل وتقويض الأنظمة في الأردن ومصر. في 2008 جرى توقيف خلية تابعة لحزب الله في مصر كانت في طريقها لتنفيذ هجوم إرهابي بقناة السويس. كما هو معروف يعمل حزب الله اليوم في سوريا كذراع لإيران.

 

العدو رقم واحد

في الخليج، العائق الرئيسي الذي يحول دون تغلغل إيران هو السعودية التي من وجهة نظر الخميني أصبحت العدو رقم واحد. بدت (السعودية) محصنة بفضل ضمها المكانين المقدسين في الإسلام مكة والمدينة، ولديها احتياطات النفط الأكبر في العالم وصديقة الولايات المتحدة.

 

تركز التكتيك الإيراني على السعي التدريجي من خلال الأقليات الشيعية بدول المنطقة كالكويت والبحرين، هناك بالأخص يشكل الشيعة الغالبية، لكن تحكمهم عائلة سنية.

 

حرص الإيرانيون في تلك الدول على تحريك احتجاجات شيعية تهدف إلى الإضرار باستقرار النظام. وعلى مدى سنوات انكشف النقاب في تلك الدول عن عدد من المجاميع الإرهابية الإيرانية. كما أعلنت البحرين المحافظة الـ14 لإيران- ما دفع الرئيس مبارك آنذاك للوصول سريعا إلى المنامة كي يوضح للإيرانيين أن أمن الخليج هو أمن مصر.

 

سقطت تقريبا عائلة خليفة السنية الحاكمة في البحرين من خلال التظاهرات الشيعية في 2011. وأُنقِذت على يد السعودية التي فعَلت قوات درع الجزيرة وأرسلت إلى هناك قوات عسكرية تصحبها قوات من دولة الإمارات.

 

بذلت إيران جهودا مضنية لتحريض الأقلية الشيعية الكبيرة في السعودية، التي تقطن غالبيتها شرق البلاد، حيث حقول النفط الكبيرة.

 

كان الشيخ نمر النمر الذي أعدم الأسبوع الماضي من زعماء الأقلية الشيعية ومن كبار المحرضين بشكل لاذع ضد عائلة سعود منذ التسعينيات وسًجن عدة مرات. واعتقل وحكم عليه بالإعدام في 2012 بعد أن قاد التظاهرات ضد الملك في الفترة التي سميت خطئا بالربيع العربي.

 

صحيح أن الجرائم التي اتهم بها لم تستدع حكم الإعدام، لكن التحريض ضد العائلة الحاكمة كان جريئا للغاية واستمر بلا هوادة حتى شعر النظام أنّ هناك تمردًا يهدد استقراره ووجدت منظومة القضاء السعودي القائمة على الشريعة الآيات المناسبة في القرءان التي تتطلب حكم الإعدام.

 

من الواضح أن هذا ينطوي على جانب سيا”لكن في النهاية كلهم يعلمون أن القوة المحركة للأزمة وجذورها العميقة موجودة في صراع قديم على إرث النبي محمد بدأ قبل 1383 عاما ولا يبدو أنه سينتهي”.سي وتحذير للأقلية الشيعية لكن تحديدا لإيران، دلالته أن السعودية لن تقف مجددا مكتوفة الأيدي حيال المخطط الإيراني ولغة التهديدات التي تتحدث بها ضدها وضد حلفائها من دول الخليج.

 

 

تلك التهديدات تحولت في السنوات الماضية لأفعال عندما تدخلت إيران في سوريا لإنقاذ الأسد، وعمقت نفوذها بالعراق بواسطة الأحزاب الشيعية وتشكيل المليشيات الشيعية التي حلت محل الجيش العراقي الذي ذاب أمام داعش، وبتشجيع وتوريد السلاح لقبيلة الحوثي، وهي قبيلة زيدية يمنية شيعية، تسعى للسيطرة على اليمن. بهذا أكملت إيران تطويق السعودية ووضعتها في وضع لا يحتمل.

 

“المساهمة” الأمريكية

ما زاد من خطورة الموقف سياسة أوباما التي تركت السعودية بمفردها دون الدعم الأمريكي الذي كان جزءا من مكانتها الاستراتيجية بالمنطقة. أجرى أوباما محادثات سرية في عُمان مع إيران، عدوها المعلن، وفي النهاية وقع معها اتفاقا لتأجيل مؤقت لعملية انتاج السلاح النووي لعدة سنوات، لكن وفي الأساس دون أن يشترط وقف الإرهاب الإيراني بالشرق الأوسط. بهذه الخطوات توجت الولايات المتحدة إيران كدولة مهيمنة بالشرق الأوسط على حساب حليفتها السنية.

 

السعودية من جانبها بذلت قصارى جهدها للتصدي للإيرانيين. انضمت للائتلاف الذي أقامته الولايات المتحدة لشن غارات جوية على الدولة الإسلامية. هي نفسها أنشأت تحالفا لقتال الحوثيين في اليمن، ومؤخرا أيضا تحالفا للدول الإسلامية ضد داعش.

 

كذلك تعمل على تعزيز اقتصاد مصر التي تعد حليفتها ضد إيران منذ فترة مبارك رغم أن برودة علاقات بالولايات المتحدة قادتها للمسار الروسي الذي يؤيد سياسة الحل السياسي في سوريا المتعارضة مع موقف السعودية.

 

الأزمة الأخيرة

الأزمة التي تطورت في الأيام الأخيرة بين السعودية وإيران هي فعلا نتيجة للخطوات السياسية والعسكرية التي تنتهجها إيران بالشرق الأوسط، وتحديدا في الخليج، المستمرة منذ وقت طويل. لم يتركوا للسعودية إلا الخيار بتنفيذ عدة خطوات بدأت بإعدام الخطيب الشيعي وبعد ذلك تواصلت بقطع العلاقات الدبلوماسية والعلاقات التجارية مع إيران ردا على إحراق قنصلياتها في طهران ومشهد.

 

لكن هذه الخطوات تحمل دلالة مزدوجة: تحذيرا لإيران وأيضا محاولة لحشد تأييد الدول السنية التي هي كما ذكرنا سالفا الغالبية الساحقة في الإسلام. السؤال هو هل هذه السياسة قابلة للتطبيق على خلفية المصالح الفردية لكل دولة.

 

صحيح هناك عدد من الدول حذت حذو السعودية كالبحرين والسودان وجيبوتي التي قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، بل أوقفت البحرين التجارة معها، لكن دولا أخرى مثل الكويت والإمارات العربية اكتفت بخطوات أكثر تواضعا.

 

اللافت أن قطر أيضا التي تحاول السير على خيط رفيع بين السعودية وإيران قررت إعادة سفيرها من طهران، على ما يبدو عندما شعرت بالحاجة لاتخاذ موقف تضامني سني. مع ذلك يجب انتظار رد الجامعة العربية التي ستعقد اجتماعا طارئا الأحد المقبل وكذلك التطورات على الأرض.

 

كالعادة، دعت الولايات المتحدة إلى ضبط النفس، لكن لم يأخذ أحد كلامها على محمل الجد، لأنه من الواضح للجميع أنها ساهمت بشكل كبير في إضعاف السعودية ودول الخليج وتقوية إيران. في المقابل فإن روسيا التي بات تدخلها في المنطقة ملموسا جيدا اقترحت وساطتها.

 

على الجانب الآخر، ليس هناك مصلحة لإيران الناشطة على عدة جبهات ومواردها قابلة للنضوب في تصعيد التدهور في علاقاتها مع السعودية في هذا الوقت، وتفاقم علاقاتها مع الدول السنية التي باتت في أسوأ حالاتها. فالحرب على داعش والحفاظ على نفوذها في سوريا والعراق أكثر أهمية.

 

لكن في النهاية كلهم يعلمون أن القوة المحركة للازمة وجذورها العميقة موجودة في صراع قديم على إرث النبي محمد بدأ قبل 1383 عاما ولا يبدو أنه قد ينتهي.