شمس الدين النقاز – (وطن) خاص

الأمر مرتهن في جولة صباحية في أحد أسواق العاصمة وضواحيها، أو في إحدى المحافظات التونسية من شمالها إلى جنوبها أو ركوب أي وسيلة نقل جماعية أيّا كان نوعها مترو،حافلة،قطار وربّما طائرة،وسنسمع حكايات التّونسي وهمومه وشكاويه الّتي لها ما يبرّرها وما يدحضها وينفيها في نفس الوقت.

بعد 14 من شهر يناير/كانون الثاني 2011 بات التونسي شعلة ملتهبة من الحماس ومن الطموح والحلم بتونس أفضل في شتّى المجالات،لكن وبعد سنة أو أكثر بقليل بدأت هذه الشعلة تنطفئ رويدا حتّى أصبحت عند البعض أزمات نفسيّة يصعب علاجها على المدى القريب.

لنعد بالقارئ الكريم إلى الوراء قليلا ولنسترجع معا بعض التفاصيل المنسية عن الثورة التونسية التي ركبها من هبّ ودبّ، لكنّ هؤلاء الراكبون لم يكتفوا بالركوب ومرور الكرام بل دافعوا باستماتة عن أن أنفسهم وأظهروا للتونسي البسيط أنهم مناضلون وثوريون ولولاهم لما هرب بن علي ولما حدثت ثورة من أصلها لكن التاريخ لا يرحم والأرشيف كذلك لن يرحم حتّى وإن حاولوا إحراقه وإخفاءه.

ليلة 14 من يناير خرج المحامي عبد الناصر العويني مردّدا كلماته الشّهيرة “الشّعب التّونسي حرّ..بن علي هرب..المجرم هرب..المجد للشهداء…”خارقا بها حظر التجوال في شارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة،وقتها ظنّ كثير من التّونسيّين أنّ المجرم هرب فعلا ولم يعلم هؤلاء الطيّبون أنّ رحيل المجرم لا يعني بالضّرورة رحيل وانتهاء المجرمين فقد اعترف بن علي بنفسه أنّه تمّ تغليطه “غلطوني” ومن كان سببا مباشرا في هذه الغلطات بقي في منصبه يواصل تغليط الآخرين حكّاما ومحكومين.

وفي صباح 14 من يناير  وقبل ساعات من كلماتالمحامي التونسي الشهيرة، ردّد مواطن تونسي ملأ الشّيب رأسه والقهر قلبه وفؤاده يدعى أحمد الحفناوي جملة خُلِّدَت في تاريخ الثّورة التّونسيّة “هرمنا من أجل هذه اللّحظة التّاريخيّة” ولكن لم يعلم هذا الحكيم أّنّ هذا الهرم الّذي تحدّث عنه تسبّب في اختطاف ثورة الأحرار.

 خلال الأحداث التّي شهدتها تونس من الفترة الممتدّة من 17 من شهر ديسمبر كانون الأوّل 2010 إلى غاية 14 من يناير 2011 ظلّت وسائل الإعلام المحلّيّة تكذب على شعبها وتزيّف الجقائق وتتّهم المتظاهرين بأبشع التّهم،وكانت بطانة الرّئيس زين العابدين بن علي الفاسدة والمجرمة تنقل له الوقائع محرّفة وتطمئنه بأنّ قتل العشرات من المحتجّين كفيل بإخماد هذه الهبّة الشّعبيّة الّتي انطلقت من محافظة سيدي بوزيد بالجنوب التونسي بعد أن أحرق أحد المواطنين نفسه احتجاجا على المعاملة المهينة الّتي تعرّض إليها من قبل عون التّراتيب البلديّة حسب قول شهود عيان.

بعد أن حرق محمد البوعزيزي نفسه،لم يتجاوز الرّئيس بن علي إلقاء 3 خطابات في محاولة منه لتهدئة الأجواء قبل أن يغادر غير “مأسوف” عليه،وكان في خطابيه الأوّلين حازما وجادّا في تهديده ووعيده للمتظاهرين مستدركا في الثاني ما فاته ومحاولا بذلك إمساك العصى من وسطها عندما أعلن عن عزمه القيام بإصلاحات جوهريّة وتوفير مواطن شغل واستعمال “الكرتوش الحيّ” لفرض الأمن.

نسي بن علي ومستشاروه ووزراءه أنّ دولة “الكرتوش الحيّ” والظّلم والبطش لن تدوم ولن تعمّر طويلا حتّى وإن كان حاكمها الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز،لأنّ العقل والواقع والتاريخ والأديان أجمعت كلّها على أنّ دولة الباطل ساعة ودولة الحقّ إلى قيام السّاعة.

13 من يناير كان يوما استثنائيّا بكلّ المقاييس ولن نستعرض أحداثه الدّراميّة لكن سنكتفي بالحديث عن الفلم الكوميدي الّذي تمّت صياغة فصوله واختيار بطله في القصر الرّئاسي بقرطاج،في ذلك الفلم أطلّ علينا الجنرال بن علي بوجه شاحب يؤكّد للفطن والنّبيه أنّ أيّام الرّئيس باتت معدودة وربّما ساعات هي قبل أن يفرّج الله البأس على الشّعب الضّعيف.

“أنا فهمتكم وفهمت الجميع” بهذه الكلمات السّهلة غير المركّبة صارح الرّئيس بن علي شعبه بعد أكثر من 23 عاما من الكذب المباح وتحديدا منذ أن ألقى علينا بيان السّابع من نوفمبر المجيد بعد أن انقلب على رئيس الجمهورية الأسبق الحبيب بورقيبة.

يبدو أنّ بن علي قد فهمنا فعلا وكان جادّا في فهمه حيث أردف قائلا “وسوف يحاسبون”،فمن سيحاسِب ومن سيحاسَب ومن سيترُك ومن سيُتْرك هنا، عن في الوقت الحالي نتوقّف عن الإجابة لأنّنا لا نملكها ولا ندّعيها وعلّنا نظفر بها قريبا إن خرج الجنرال بن علي ليصارح شعبه بما حدث.

اختار “الرّئيس الدكتاتور” أن يخاطب شعبه في تلك اللّيلة الظّلماء وفي ذلك الجوّ البارد والكئيب باللّهجة العامّيّة المحلّيّة الّتي أتعبت ترجمتها إلى اللّغات الأجنبيّة وكالات الأنباء العالميّة ووسائل الإعلام الدّوليّة لأنّ كلّ كلمة في ذلك “الخطاب التّاريخي” كانت تستحقّ النّشر وعدم الإقتضاب.

في تلك اللّيلة شاهدت رفقة أفراد عائلتي كما هو حال معظم أو كلّ التونسيين، خطاب 13 من يناير “المجيد” الّذي انبرى لتحليله فطاحلة ودهاة ومخضرمو تحليل الخطاب السّياسي في تونس وما أكثرهم على قنواتنا ‘المهنيّة’ جدّا.

أحد الثّقاة كان شاهدا على بطش بن علي في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات قال لي ليلتها حرفيّا “بن علي انتهى أمره وأيّامه باتت معدودة” ولكنّي لم أقتنع بكلامه لكوني زقتها حديث عهد بالسّياسة ولم أكن أفقه شيئا، فكلّ همّي في سنوات الجمر كان تشجيع فريق رياضي كبير في البطولة والكأس المحلّيين بالإضافة إلى مساندة المنتخب الوطني في المناسبات الدّولية والودية.

في تلك الليلة الظلماء خرق القوم حظر التجوال وخرجوا محتفلين بخطاب الرّئيس” حتّى أنّ أحد المسؤولين في الحزب الحاكم قال وقتها “سيّد الرّئيس أبدع والإحتفالات تعمّ أرجاء البلاد فرحا بخطابه التاريخي والسيارات ملأت الطرقات”.

فعلا،لم يكن ذلك القيادي يكذب لأنّ من فرح بخطاب الرّئييس التاريخي كانت بطانة الحزب الحاكم وميليشياته الّتي كانت تعدّ نفسها مسبقا للقيام بدورها في الفلم الكوميدي “13 يناير”،ولقد رفعت في ذلك الفلم شعارات مساندة وتضامن مع بن علي ومع حزبه ولم يكونوا وحدهم الفرحين بخطاب “سيّد الرّئيس” بل إنّ آخرين من الموالين و”المعارضين” تصدّروا ليلتها برنامجا سياسيّا استثنائي أُعدّ خصّيصا لتحليل الخطاب الّذي وصفه الضّيوف وقتها بالتاريخي،حتّى قالت إحداهم “عندي ثقة في بن علي” “J’ai confiance à Ben Ali ” كما دعا آخر الشّعب التونسي للفرح وللإحتفال ولفتح موقعي YOUTUBEو DAILYMOTION لأنّ “سيّد الرّئيس”  كان من قراراته الجريئة الأمر بفتح كلّ المواقع المحجوبة.

لم يقف الأمر عند هذا الحدّ في ذلك البرنامج المسرحي الّذي كان وراء بثّه أحد أفراد عائلة زوجة الرّئيس شخصيّا حيث استغلّ فيه مقدّميْ البرنامج وقتها ذلك المنبر الإعلامي لكيل التّهم إلى المعارضين الشّرسين لبن علي بدعوى أنّهم رفضوا المشاركة في تلك المسرحيّة سيّئة الإخراج.

هؤلاء الرّجلين أصبحا اليوم صاحبي قناتين تلفزيونيتين يشار إليها بالبنان،وهو ما يمكن اعتباره تكريما لهما على مجهودهما في تلك اللّيلة التاريخية ولو أنّ هذا التكريم جاء متأخّرا نوعا ما،لكن لا إشكال في ذلك ما دام  حصل التّكريم.

لن نطيل كثيرا في هذه المقالة الّتي ربّما سيعقبها مقالات أخرى تنقل فيها للقارئ الكريم المتشوّق لمعرفة ما حدث وما يحدث على السّاحة التّونسيّة تفاصيل من داخل تونس ومدنها بعد رصد ومتابعة دقيقة لما يجري فيها طيلة 6 سنوات.

فليصبر القارئ ولينتظر،لأنّنا سنزيده من الشّعر أبياتا!