تعامل الباحثون في جذور تنظيم “الدولة” مع العلاقة بينه وبين نظام البعث العراقي السابق لصدام حسين باعتبارها حقيقة واقعة ليست قابلة للجدل.

 

وفي هذا السياق، حاول الباحثان “صمويل هيلفونت” و”مايكل بريل” التحقيق فيه بناء على أرشيف النظام العراقي السابق. ويرى الكاتبان بمقال نشره موقع الدورية “فورين أفيرز” أن التركيز على دور صدام حسين في صعود تنظيم “الدولة” ليس صحيحاً.

 

فقد أعادت ليز سلاي في تقرير نشرته “واشنطن بوست” جذور التنظيم لـ”الحملة الإيمانية” في عام 1993 وزعمت أن صدام حسين روج للسلفية. وكتب في السياق نفسه، كايل أورتون، بصحيفة “نيويورك تايمز” عن قادة تنظيم “الدولة” بأنهم الجيل الذي تحول للتشدد في عهد صدام حسين.

 

وذهب “أماتزيا بارام” الذي كتب عن علاقة صدام حسين بالإسلام في الفترة ما بين 1968- 2003 إلى أبعد من هذا عندما زعم أن “البغدادي هو من صناعة صدام”.

 

ويعلق الكاتبان أن كلاماً كهذا “مضلل” و”خطير” في الوقت نفسه، خاصة وأن الوثائق العراقية وسجل معهد هوفر لحزب البعث العراقي تؤكد غير هذا. ويقول الكاتبان إن دراستهما الدقيقة للسجلات لم تؤد إلى وجود دليل عن تعاطف أظهره صدام أو حزبه مع الإسلاميين والسلفيين أو “الوهابيين”.

 

ورغم محاولة بعض المحللين القول إن صدام دعم السلفية وليس “الوهابية”، إلا أن الواقع يشير إلى أن نظامه لم يفرق بينهما وكان معادياً لهما. فقد أشار صدام إلى “الحركة الوهابية” في تعليق له على تقرير حول “دراسة الظاهرة السلفية الدينية”، كما أظهر نفوراً تجاه أي محاولة لأسلمة نظامه.

 

وانتقد صدام النقاش الديني الرافض للوحدة العربية والداعي بدلاً من ذلك للوحدة الإسلامية, وأقرَ صدام حسين بانحياز حزبه أيديولوجيا “للجيل الجديد” من الناصريين في مصر واليمن ممن يؤمنون بـ”القومية ويقاتلون من أجلها”.

 

كل هذا يؤكد أن القومية هي التي ظلت تقود سياسات النظام حتى في القضايا الدينية. ويرى الكاتبان أن خطاب صدام تم تعميمه على عناصر البعث وخطط لأن يكون أساساً لسياسات النظام تجاه الناشطين الإسلاميين.

 

وأشار الكاتبان إلى أن ما توصلا إليه يتوافق مع نتائج دراسات أخرى قامت على تحليل “أرشيف حزب البعث العراقي”، كما في دراسات كل من جوزيف ساسون وآرون فوست، اللذين أشارا لعدم تعاطف النظام العراقي مع أي شكل من أشكال السلفية أو الإسلامية.

 

ولاحظ سياسيون أن وزارة الأوقاف العراقية نظمت عام 2001 مؤتمرا حضره باحثون ودعاة وممثلون عن مؤسسات أمنية لمناقشة “الوهابية” وطرق مواجهتها.

 

وفي السياق نفسه، كتب “فوست” عن الخطوات التي قام بها النظام في التسعينيات من القرن الماضي عندما منع الكتب الإسلامية وعزل الأئمة والدعاة بعد اكتشافه ميولهم الإسلامي ومنع الإسلاميين من التدريس في المدارس الدينية ولا الكليات أو الأكاديميات العلمانية.

 

ومع أن واحداً من أوجه النقاش عن دور البعث في تنظيم “الدولة”، يقوم على انتماء قادة عسكريين له إلا أن هذا لا يثير الدهشة، خاصة وأن الضباط السابقين في الجيش العراقي انضموا منذ عام 2003 إلى عدد من الجماعات المسلحة وليس إلى تنظيم “الدولة”، فقط، وحولوا ولاءهم بناء على الظرف السياسي ودعموا الجهة التي اعتقدوا أنها قادرة على الوصول للحكم.

 

ولا يعتبر هذا جديداً، فقد عبر العراقيون على مدار التاريخ عن قدرتهم على التكيف مع الظروف ودعم الأيديولوجية السائدة. ويشيران هنا لتحولات الديكتاتور الإيطالي، بنيتو موسوليني، الذي كان اشتراكيا قبل أن يصبح فاشيا، فيما تحول بعض النازيين لشيوعيين في ألمانيا الشرقية وحتى سيد قطب مال في مرحلة من حياته للماركسية الاشتراكية قبل أن يصبح منظراً إسلامياً.

 

وعليه، فالنقاش الذي يتحدث عن دمج صدام السياسات البعثية مع السلفيين والإسلاميين غير صحيح. ويشير أصحاب هذه الفكرة إلى اللقاء تم في عام 1986 بين صدام، وقادة النظام الكبار وأعلن فيه وقف المواجهة مع الإسلاميين وتحالفا تكتيكيا مع بعض الإسلاميين في خارج العراق مثل السودانيين وفروع أخرى للإخوان المسلمين في مصر.

 

ويعتبرون هذه الخطوة تحولاً من البعث إلى التيار الإسلامي. صحيح، كما يقول بريل وهيلفونت، أن صدام أكد على التحالف التكتيكي لكن لا يعني تخليه عن إطار البعث، فقد قام بعقد تحالفات سابقة مع الإخوان المسلمين السوريين بداية الثمانينيات من القرن الماضي مع أنه ظل يمارس القمع ضد الإسلاميين العراقيين.

 

كما لاحق صدام الشيوعيين في العراق وتحالف مع الأحزاب الشيوعية في الخارج. وحتى لو دعم صدام الأحزاب الإسلامية في السودان ومصر فلم يتخل عن رؤيته البعثية التي أكد أنها لا تتوافق مع الأيديولوجية الإسلامية.

 

فهو يدعم دولة قوية اشتراكية فيما يعمل الإسلاميون من أجل دولة إسلامية. ويقول الكاتبان إن دعم صدام للجماعات الإسلامية الخارجية مثل حماس والجهاد الإسلامي المصرية معروف وموثق إلا أن تحالفه مع جماعات الإسلام كانت في بعض الأحيان لخدمة أهداف إستراتيجية. فقد دعا صدام عددا من المقاتلين الإسلاميين الأجانب لمواجهة التحالف الدولي ضده في عام 2003.

 

ورغم دعم جماعات إسلامية مثل السودانية لصدام حسين إلا أنها لم تخف غضبها من استمرار دعمه الجماعات القومية العلمانية خاصة حزب البعث العربي السوداني.

 

وعلى الصعيد المحلي، لم يغير النظام من موقفه تجاه الإسلاميين العراقيين وواصل ملاحقتهم. وتظهر آلاف الصفحات التي تغطي العقد الأخير من القرن العشرين وحتى بداية القرن الحادي والعشرين السياسة التي انتهجها النظام لمواجهة القادة الدينيين في العراق. فقد ظل نظام صدام يلاحق و”يجمد” كل من ثبتت علاقته بالسلفية أو الإسلامية.

 

واحتفظ نظامه طوال التسعينيات من القرن الماضي بقائمة تحتوي على أسماء أئمة المساجد. وطلبت سكرتارية البعث من الفروع مراقبة أتباع “الوهابية والسلفية والإخوان المسلمين”، وشكل النظام أقساماً خاصة في الأجهزة الأمنية من أجل التعامل مع الإخوان والوهابيين والإسلاميين الشيعة.

 

وفي سياق آخر، يقدم دعاة تحولات صدام الإسلامية تطبيق الشريعة كدليل على هذا، ويقولون إنه قطع أيدي اللصوص وأعدم العاهرات ورمى المثليين من سقوف البنايات، لكن الباحثين لم يعثرا على دليل يؤكد تطبيق الشريعة في عراق صدام.

 

ويقولان إن هذه الأفعال ارتكبتها ميليشيات “فدائيو صدام”، والتي كان معظم أفرادها من الفقراء الشيعة. ورغم التشابه بين عنف البعث وتنظيم “الدولة”، إلا أنه يجب تفسيره كتطور مهم لوحشية البعث ولا تقف وراءه دوافع إسلامية.

 

أما بالنسبة لـ”الحملة الإيمانية”، فوفقا للباحثين لم تقدم بعدا جديدا في فكر البعث غير تلك النسخة الموجودة أصلا والمتوافقة مع القومية العربية.

 

ويشيران هنا إلى ورقة أعدها البعث عام 1997 على شكل “خطة ثقافية للتثقيف حول الممارسات الدينية”. وأفادا أن الكتب التي قررت ومعظمها من تأليف منظر البعث ميشيل عفلق والبقية من تأليف صدام حسين نفسه، والتي نشرت عام 1977 قبل تحوله المفترض نحو الإسلامية عام 1986.

 

ولم يقدم برنامج “الحملة الإيمانية” الجديد بقدر ما رسَخ السياسات البعثية السابقة المتعلقة بالدين. كما إن جذور تدريس الإسلام من وجهة نظر بعثية تعود إلى السبعينيات من القرن الماضي، ولم يكن نظام صدام ليضعها موضع التطبيق إلا في العقد الأخير من حكمه ومن دون أن تؤدي الحملة إلى تشجيع الحركات الدينية المعادية له.

 

ويرى الباحثان أن تصوير تنظيم “الدولة” باعتباره نتاجاً لسياسات صدام غير صحيح ويقلل وبطريقة خطيرة من دور غزو العراق عام 2003، والذي لعبه في تطور الجماعات المتشددة في البلاد.

 

ويعلق الكاتبان هنا على أن الغزو أدى إلى تدمير الدولة العراقية والنظام السياسي وأنتج حكما طائفيا استقطابيا وأبرز الطموحات السلطوية لنوري المالكي.

 

فهذا الأخير، استخدم كما يقول الباحث توبي دودج، رسالة طائفية مشفرة وحاول توسيع خطايا الممارسات البعثية لتشمل كل السنة وحملهم مسؤولية الأمراض والانتهاكات التي حدثت في ماضي العراق وحاضره.

 

وعلى هذا، فتنظيم “الدولة” هو نتاج للدولة المحطمة والنظام الذي نشأ بعد عام 2003. وهو امتداد لنشاطات تبدأ من “أنصار الإسلام” إلى “جماعة التوحيد” التي كانت تعمل في العراق قبل الغزو عام 2003، وتحولت إلى “القاعدة” وأعادت تسمية نفسها باسم “الدولة الإسلامية في العراق”.

 

وتحولت هذه المجموعات إلى “تنظيم الدولة في العراق وسوريا” بعد الانسحاب الأمريكي عام 2011 واندلاع الحرب الأهلية السورية. ويرى الكاتبان في النهاية أن ربط داعش بالبعث ما هو إلا محاولة لحرف النظر عن الدروس التي تعلمتها أمريكا في القتال ضد القاعدة بالعراق وتطبيقها على الظرف الحالي. كما إن استمرار هذا الفهم يعوق عملية بناء نظام سياسي للدولة العراقية في مرحلة ما بعد “الدولة الإسلامية”.