جريمة متكاملة ودعوات مسمومة ومشؤومة تهدف إلى تخريب البلاد والقتل والتّدمير” بهذه العبارة وصفت وزارة الأوقاف الدعوة إلى التّظاهر ضدّ النّظام الحاليّ في الذكرى الخامسة لثورة يناير في بيان وزّعته في 4 يناير ليكون موضوع الخطبة الأولى لجمعة العام الجديد.

 

وبحسب موقع “المونيتور” الأمريكي طالبت الوزارة في بيانها الّذي وزّعته، بالنّظر إلى أحوال البلاد المجاورة الّتي سقطت في براثن الفوضى، وقالت: “حتّى لا ننسى النعم العظيمة الّتي يعيش فيها المصريّون الآن، ومنها نعمة الأمن والأمان والإستقرار”، ودعت إلى الاصطفاف لبناء الوطن والمحافظة عليه، لأنّ ذلك هو مطلب شرعيّ وواجب وطنيّ.

 

“هذه الفتوى تعدّ فتوى صحيحة بالقياس إلى من يرتكبون جرائم الحرابة وقطع الطرق وارهاب  الناس”، هذا ما قاله الأستاذ في جامعة الأزهر الدكتور أحمد كريمة، الّذي استشهد أيضاً بقول الله تعالى: “إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ” المائدة آية رقم 33.

 

وأشار إلى أنّ من يشارك في مظاهرات ضدّ الحكم يمارس جريمة البغي، وهي الخروج عن النّظام العام للدولة والإخلال بالأمن، لافتاً إلى أهميّة أن يتمّ الأخذ بمبدأ أنّ دفع المفاسد مقدّم على جلب المصالح، معتبراً  أنّ دعوات التّظاهر تعدّ من المفاسد.

 

وإنّ الفتوى السابقة الصادرة عن وزارة الأوقاف، الّتي يترأسها الوزير محمّد مختار جمعة، لا تتّفق مع ما سبق أن ذكره الوزير في أحد حواراته، عقب الإطاحة بحكم الإخوان بأنّ “المساجد للدعوة وليست للسياسة”.

 

كما سبق أن صرّح محمّد مختار  جمعة في سبتمبر من عام 2013 عقب الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق محمّد مرسي أنّ الوزارة غيّرت القيادات غير الأزهريّة لمنع خلط الدين بالسياسة.

 

وأشار تقرير الموقع إلى أنه منذ الإطاحة بنظام محمّد مرسي، ممثّل جماعة الإخوان المسلمين، تواجه البلاد أعمال عنف مسلّحة من أنصار الجماعة تستهدف عناصر الشرطة والجيش، أسفرت عن مقتل العديد منهم، في مقابل استهداف الدولة لعناصر الإخوان. كما حكمت إحدى المحاكم المصريّة باعتبار جماعة الإخوان جماعة إرهابيّة محظورة.

 

وإنّ الفتوى الّتي أصدرتها وزارة الأوقاف لم تكن الأولى الّتي تتحدّث عن شأن سياسيّ، فسبق أن أكّد شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في حديث إلى التلفزيون المصريّ أثناء ثورة يناير أنّها مظاهرات للفوضى، والمشاركة فيها “حرام” لأنّها خروج على الدولة والنّظام، موضحاً أنّه باستثناء المتواجدين في ميدان التّحرير، فإنّ الشعب من أسوان إلى الإسكندريّة غير راضٍ عنها.

 

واتّهم أحمد الطيّب حينها علماء الدين المؤيّدين للثورة بأنّهم سخّروا الدين لأغراضهم وخانوا العلم، وسيسألهم الله في يوم القيامة عمّا يحدث في بلادهم.

 

ومن جهته، أكّد أحمد كريمة أنّ دول العالم الثالث، الّتي تعدّ مصر إحداها، تفتقد إلى التّظاهر السلميّ، معتبراً أنّ هذا النّوع من التّظاهر غير موجود إلاّ في الدول المتقدّمة، حيث تحدّد الأخيرة المكان والزمان، للمظاهرات. كما يوضح المتظاهرون في هذه الدول اللاّفتات الّتي سيرفعونها، بينما في الدول النامية لا يوجد من يحترم الدستور أو القواعد المنظّمة للتّظاهر.

 

وأصدر الرئيس السّابق عدلي منصور في نوفمبر من عام 2013 القانون رقم 107 لسنة 2013، وهو قانون الحقّ في تنظيم المظاهرات السلميّة، الّذي يلزم منظّمي المظاهرات إبلاغ السلطات قبل ثلاثة أيّام عمل على الأقلّ من موعدها، ولوزير الداخليّة أن يقرّر منع المظاهرة إذا كانت تشكّل “تهديداً للأمن”. وينصّ القانون على استخدام تدريجيّ للقوّة يبدأ من التّحذيرات الشفهيّة إلى إطلاق الرصاص المطاطيّ، مروراً بخراطيم المياه والهراوات والغاز المسيّل للدموع.

 

واتّفق مع فتوى الأوقاف نائب رئيس الدعوة السلفيّة ياسر برهامي، الّذي دعا في تصريحات صحافيّة التيّار الإسلاميّ إلى عدم الإستجابة لدعوات التّظاهر ضدّ النّظام في ذكرى الثورة، محذّراً من دعوات “التّخريب المحتملة”، وقال: إنّ التّظاهر في هذا اليوم سيتسبّب في إراقة الدماء.

 

وأشار عميد كليّة الدعوة في جامعة الأزهر الدكتور جمال فاروق إلى أنّ الجهة المنوطة بإصدار الفتاوى في مصر هي دار الإفتاء، وليس وزارة الأوقاف. ورغم اعتراضه على صدور هذه الفتوى من الأوقاف، إلاّ أنّه أشار إلى أنّ أيّ فتوى من المؤكّد أنّها تخضع إلى توازنات هدفها الصالح العام، وقال: إلاّ أنّ المظاهرات الّتي تحدث في مصر، غالباً ما تنتج منها أعمال عنف. لذا، فإنّ فتوى وزارة الأوقاف رجّحت المصلحة ضدّ المفسدة.

 

ولفت إلى أنّ من منطلق التخوّف من انضمام عناصر مسلّحة (إرهابيّة) إلى المظاهرات، فإنّ الفتوى تكون صحيحة.

 

وشدّد جمال فاروق على أنّ مصر ما زالت تمرّ في مرحلة انتقاليّة، ولا تحتمل حدوث أيّ شيء ينتج منه الإخلال في النّظام العام. ولذا، فإنّ تحريم أيّ أمر يحتمل أن ينتج منه إضرار في المجتمع جائز شرعاً.