الرئيسيةأرشيف - غير مصنففي ذكرى الموت.. نذكر الولادة أيضًا (مقاطع إلى غسّان كنفاني)

في ذكرى الموت.. نذكر الولادة أيضًا (مقاطع إلى غسّان كنفاني)

محمّد حلمي الرّيشة
في ذكرى تشظّي الجسد، وتحليق الرّوح فوق بقاياه كظلّ نورس متأصل؛ ينشر جناحيه الحالمين في حركة متجدّدة على الشاطئ الشرقيّ للبحر الأبيض المتوسط، أجدني أحمل صوتي إلى الرّمل والموج، لأصرخ في وجه الغبار والماء: هنا صورة المأوى، وخلفي جبال بعيدة كالغيوم رغم أنّها في مرمي اليد، فمتى تكتب النّار سيرتها لأنتصر، ولو مرّة واحدة، على جدل عقيم بين صوتي الطّيّب وأُذنيِّ الغريب اللّتين تنتصبان لسماع أصواتها الدّاخلية فقط؛ أصواتها المرعبة أفقيًّا وعموديًّا إلى مزيد من الإرهاب والانتقام لجرحها المفتعل من شخصيّة الضّحيّة؛ الضّحيّة نحن.
*
 
ما تبقّى لنا من الجسد والرّوح هو امتداد نصّك يا غسّان كنفاني الكائن فيك إلينا، فإلى أين نعود؟ إلى هنا؟ ولكن.. نحن هنا والجدران المصبوغة بالطّحالب والمياه التي تغلي فينا منّا! إذًا.. لنقرأ جدول الماء اسطوانيّ لنعرفكَ عن بُعد، ونعرّفكَ عن قرب، فلم تكمل الأقلام النحيلة مسيرة الألف ميل لتصل إلى (أمّ سعد) الجميلة، رغم خطوط الطّول وخطوط العرض التي أعادت غزْل وجهها من جديد.
*
 
أتذكّر أنّي عرَفتك أوّل مرّة في مكتبة البيت. وأتذكّر، أيضًا، أنّ دمك الأخضر وصل إلينا ساخنًا، وأنا أحاول البحث عن مجرى للكتابة. لقد كنّا نقاوم الحياة الغريبة لنحيا الحياة المألوفة، لكنّهم وصلوا إليك وللطّفولة قبل أن تصل إلينا.. ألهذا الحدّ كنت مزعجًا لهم وفي صدرك قلبُ مرهفٍ إلى درجة العشق؟! لا يا غريب الشّواطئ، فأنا أعرف أنّ شهوة الانتقام لمجرّدها، هي المركبة الحادّة التي أقلّتهم إليك لينتصروا على كرامتنا أكثر، وفي عقر دارنا.
*
 
لا فائدة للمراثي في هذا الزّمان، ولا فائدة للخطب والوقوف على أطلال المنصّات كالتّوابيت، ولا فائدة من حَملنا مباضع الطّبّ إن كنّا جميعًا لا نتقن سوى “فنّ” التّشريح النّظري.. لهذا أجدني أحاول أن أمسك يد ريشتي لتأخذني حيث شاءت في هذه “المناسبة- الصّورة”؛ ذكرى البرابرة الذين همّوا بك فعلاً وعلى طفولة كانت معك، وقد عادوا إلى “وطنهم” الأسطوريّ وهم يرفعون دمكما على أسنّة رماحهم، في حركة مسرحيّة لم يصفّق لها الجميع أمامنا، ولكن.. كانت الغبطة تنتشي في سرائرهم إلى حدّ رفع الكؤوس.
*
 
حين خرجت إلينا “العاشقة في محبرة” برسائلك ذُهل الكثيرون! لم أكترث، بل صرت أتأمّل كلامك في شهوة غريبة، وأتابع حركة الخطّ وتشكيلاته التي رسمها العصفور الكبير داخل صدرك. ولكن.. لي سؤال الفضول: كيف قرأ قاتلوك الرّسائل دون أن يشعروا بالخزي؟! أعرف أنّه سؤال ساذج، لأنّني أعرف أنّ “شعورهم” ينقصه الشّعور قبل أيّ شيء.
*
 
في ذكرى الموت، يذكُر الفلسطينيّ الولادةَ، لهذا لا أخشى الموت حتّى وإن لوّح لي بعذاباته مرارًا، خلال وقوفه أمامي بكامل هيئته وصورها المتعدّدة. لا أخفي أنني لست شجاعًا إلى درجة الانتحار، لكنّي أحاول البطولةَ بتفاؤل لأنتصر في يوم ما، فهم لا يستطيعون أن يقتلوا النّصّ الفلسطينيّ، و.. أليس صحيحًا ما يقوله صوتي على الشواطئ البعيدة، وعلى الجبال العالية، أيّها العالم الأحول؟!
اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات