الرئيسيةأرشيف - غير مصنفالطائفيّة تدمّر الأمة

الطائفيّة تدمّر الأمة

 د. عائض القرني
بين المسلمين تطاحن داخلي واقتتال طائفي شلَّ حركتهم ومزّق صفوفهم وشمت بهم أعداءهم 

 د. عائض القرني
بين المسلمين تطاحن داخلي واقتتال طائفي شلَّ حركتهم ومزّق صفوفهم وشمت بهم أعداءهم   إذ أن كل طائفة تدّعي أنها المحقة الوحيدة وما سواها باطل، وأنا أعلم علم اليقين أن ليس كل الطوائف على حق، وأن الله لا يترك عباده كلهم على ضلالة، بل الحق في اتباع الكتاب والسنّة وفهمهما على لغة العرب كما فهمها الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه، ولو قال قائل: كل طائفة تدّعي هذا فنقول: إن العلماء الراسخين يعلمون بصحة النقل المعتقد الصحيح الذي كان عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه وما سواه باطل، وهذا لا يحتاج إلى إعمال ذهن ولا الاستعانة بصديق، لكنني هنا لستُ بصدد ذكر المحق من المبطل، ولكنني في موقف المحذّر المنذر بالخطر الداهم والطوفان القادم الذي اجتاح الأمة وهو خطر الطائفية التي عصفت بأكثر من بلد مسلم، فأفغانستان بعدما دحر مجاهدوها الاتحاد السوفيتي قام قادتها السبعة بالاقتتال الداخلي وكل قائد منهم يرى هو وأتباعه أنه المحق المصيب المجاهد في سبيل الله وقتلاهم شهداء، وأن أخاه القائد الآخر ضال مضل معتدٍ باغٍ من حزب الشيطان، فأسقط بعضهم بعضاً وذبح المسلم أخاه بدم بارد وصاروا ضحكة للعالمين، وأتت طالبان فقاتلتهم واستولت على أفغانستان ثم قامت بتصرفات رعناء حمقاء بلهاء فسقطت ودُمّرت أفغانستان، وقام العراقيون بطوائفهم تحت مظلة قتال المحتل فقتل العراقي أخاه العراقي وصار قتلى العراقيين بيد العراقيين أكثر مما قتل الأمريكان، وكل طائفة ترى أنها الأحق بنصر الله وأنها الملهمة المسددة وكل طائفة سواها خارجة عن الإسلام تستحق المقاتلة والحرب، وفي لبنان تهيأت كل طائفة لقتال الأخرى لتعيد الحرب الأهلية المشؤومة التي مزّقت لبنان، وعاد حزب الله من جنوب لبنان بسلاحه فصوّبه في نحور اللبنانيين؛ ليلغي كل إنجاز حققه، وفي اليمن شبّ القتال الطائفي بين الحوثيين والحكومة لاختلاف في فهم النص وتأويل الشرع ولا تزال الحرب طاحنة، وهناك طوائف ساكتة كامنة كمون البارود في الجمر تنتظر أي حركة لتقاتل في سبيل الله على زعمها وتقتل كل مخالف لها من الطوائف الأخرى، ولقد تحقق قول الله ـ عز وجل ـ في الأمة لما ترك غالبها الاتباع الصحيح للكتاب والسنّة: (أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ) وكل طائفة يقوم أساطينها ورموزها بشحن أتباعه ضد الطائفة الأخرى فصارت بلاد الإسلام هي بلاد الاقتتال والنزاع والتفجير والتدمير وإذا تابعت الأخبار العالمية وجدت المنطقة الساخنة هي بلاد الإسلام حتى ان طائفة تدّعي الجهاد في سبيل الله اقتصرت عملياتها على المسلمين في الرياض والقاهرة ودمشق وبيروت والرباط والجزائر وموريتانيا ونجا الجيش الإسرائيلي المحتل المغتصب من أي عملية لهؤلاء الفاتحين. ومن لم يحمل السلاح على أخيه المسلم حمل عليه القلم واللسان سبّاً وشتماً وتجريحاً وتشويهاً وتشهيراً في الصحف والقنوات الفضائية والإنترنت فشُغِلنا بأنفسنا وتطاحنا فيما بيننا، وتعطّلت حياتنا من الإنتاج والاختراع والإبداع والتصنيع، وذهب غيرنا يسافر بعلمائه في فضاء الله الواسع وكونه العجيب يخترع ويكتشف ويحلل ويستنتج، ففريق منهم سافر إلى عطارد والمريخ وغيرهم سبر أعماق البحار، وآخرون إلى أعماق التربة، فهدرت مصانعهم وقامت معاملهم وصاروا في ورشة عمل، وبقي الكثير منّا يعد العدة إما بالنيّة أو بالعمل للوقيعة بأخيه المسلم في غيابٍ لأهل العلم الراسخ والرأي السديد؛ ليقود القافلة حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام الذين يصدر أحدهم فتوى في الدماء والقتل وكأنها فتوى في زكاة الفطر والمسح على الخفين والسواك، فهل آن للعقلاء من كل طائفة أن يتداركوا أمرهم ويهبوا هبّة رجلٍ واحد لتدارك أمر الأمة وأخذ زمام المبادرة وإنقاذ العباد والبلاد من الفتنة المشتعلة والطوفان الجارف.

اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات