حتى لا ننسى

حاورته: رشا عبداللّه سلامة
“الطير بحزن إذا انهدم عشّه.. كيف اللي بعقله صواب؟”.. موال فلسطيني اختصر معاناة الحاج توفيق حمد لحظة تلقيه نبأ سقوط قريته “قنير”، بينما هو في ديار الغربة يدرس العلوم الشرعية في جامعة الأزهر عام 1948.
 
“همت على وجهي في شوارع القاهرة، كانت دموعي تنساب من غير وعي مني.. كنت أرى طلابا فلسطينيين يمشون في الشوارع كالمجانين من هول الصدمة.. كنا كمن يرى كابوساً مرعباً.. سمعت النبأ من الإذاعة ولم أكن أعلم بعدما حلّ بأهلي وجيراني ومعارفي هناك”، بهذه الذكريات يعود الحاج توفيق (88 عاماً) إلى ذكريات سقوط قريته الحيفاوية إثر العدوان اليهودي عليها عام 1948.
 
تزوغ عيناه، تملؤها الدموع بينما يردف بصوت مثقل بأسى الذكريات، “كنا أكثر من 1000 طالب فلسطيني مبتعثين إلى جامعات مصر ومدارسها الثانوية لما صارت النكبة، الله لا يخلي حدا يشوف اللي شفناه لحظة ما سقطت بلادنا وإحنا بالغربة.. شعور لا يوصف”.
 
يتوقف عن الحديث للحظات. يعود ليقول “تقطعت بعدها السبل بالطلاب الفلسطينيين. ما بتتخيلي مشاعري لما شفت أثاث طلاب فلسطينيين مرمي في الشارع وهم جنبه لأنه ما عادوا يقدروا يدفعوا أقساط السكن. وياما كانت تمضي علينا أيام جوع، بس كان في ألم أقوى طاغي علينا”.
 
تترقرق الدموع في عيني الحاج توفيق.. يصمت للحظات، يعاود الحديث بصوت تخنقه الأحزان قائلا “وقت ما صارت النكبة وإحنا بالقاهرة صرنا كطلاب فلسطينيين نجتمع في جامعة القاهرة. وشكلنا لجنة مهمتها الاتصال بالجامعة العربية وبالصحافة العربية والعالمية عشان نحكي عن الظلم اللي وقع علينا وكيف انقطع عنا الدعم وبلادنا راحت”.
 
يتنهد بحسرة بينما يحدق في الأرض، “بتذكر الصحافة الفلسطينية شو كانت تكتب، كنا نقرأها في القاهرة، كانت تحكي إنه الفلسطينيين في طريقهم للجوء كانوا يجوعوا وما يلاقوا أكل فكانوا يوكلوا خضار وفواكه فاسدة، وكثير منهم مات بالتسمم”.
 
يلتقط الحاج توفيق أنفاسه بينما يسترجع الذكريات الأليمة، قائلا “لم يكن لدينا كشعب فلسطيني منذ ثورة الـ1936 سلاح، رأس مالنا كان الإيمان الصادق بضرورة دحر المستعمر الإنجليزي. كان الفلاح منا يتبرع بقوت يومه للثوار، وكذلك النسوة اللواتي باع كثير منهن الذهب لوهب ثمنه للثورة”.
 
تعلو نبرة الأسى في صوته، مردفا “بس ما كان سلاحنا البسيط ممكن يصمد على طول بوجه أسلحة الإنجليز واليهود. وحتى أسلحة الجيوش العربية ثبت إنها كانت فاسدة”.
 
يعود الحاج توفيق لاستذكار مناقب الثورة، التي يصفها بـ”الأنظف والأصدق لربما على مستوى العالم”، مردفا “كانت الفطرة والغزيرة تحرك الفلسطينيين عشان يدافعوا عن أرضهم. كان قلبهم حاس إنه في وضع غير طبيعي، كانوا الثوار يعملوا كمائن في الطرقات للجيش البريطاني وكثير من هذيك الصولات والجولات كانت توقع خسائر للإنجليز، وكان شهداءنا يسقطوا واحد ورا الثاني”.
 
يكمل “وكمان المظاهرات والاضطرابات الفلسطينية المتتالية اللي سبقت الثورة ورافقتها، واللي بتأكد إنه الشعب الفلسطيني ما فرّط بأرضه”.
 
بنبرة تضج بالعزيمة، يقول “لقد أرغم الثوار بقوة ثورتهم الإنجليز على مفاوضاتهم في الجبال كي يتوقفوا عن كمائنهم وشدة تصديهم لهم. وحتى تشرشل كان في ذلك الحين يفاخر بجيشه البريطاني الذي استطاع المحاربة في جبال فلسطين من شدة الثورة في ذلك الوقت”.
 
نبرة حسرة لم تلبث أن طرأت على صوته حين قال “لكن شو بدنا نعمل؟ المؤامرة كانت أكبر منا. الحرب العالمية الثانية إجت وقوّت شوكة اليهود لدرجة إنه ما عاد للثورة قوة تصمد بوجوه المحتلين”، معقبا “صاروا يهاجموا قرانا ومدننا. كنا نتصدى على قد ما نقدر بس ميزان القوة رجح لصالحهم وصار اللي صار”.
 
 
 
ويزيد الحاج توفيق “بريطانيا واليهود والعالم بأسره تآمر علينا، فبعد الاحتلال البريطاني صودرت أراضي فلسطينية باسم المندوب السامي، لتؤول بعدها لليهود، كما كانت بريطانيا تفرض ضرائب باهظة على الأراضي المهمة في فلسطين حتى تتراكم المبالغ على الشعب البسيط ومن ثم تصادرها، وحتى اليهود الذين كانوا يعيشون في أمان بيننا باتوا يستقبلون اليهود القادمين من العالم إلى فلسطين وبالتالي باتوا يتوسعون في مستعمراتهم”.
 
لم تمضِ أشهر حتى تمكن الحاج توفيق من العودة إلى فلسطين التي باتت تنفرط لآلئ عقدها الواحدة تلو الأخرى، حينها وجد المقام قد استقر بأهله في أريحا. هناك سمع منهم ما وقع على قريته الحيفاوية الهادئة. يقول “صمد أهالي قريتي كما باقي قرى فلسطين في وجه المحتل الإنجليزي واليهودي حتى نفدت الذخيرة، وحتى عندما هرع أهالي قريتنا رعباً من العدوان اليهودي لم يكونوا يتخيلون أن آخر عهدهم بقنير سيكون يومها”.
 
وبعد أن استقر المقام بأهل الحاج توفيق في أريحا، عمل هناك مدرساً في وكالة الغوث حتى عام 1962 ليولّي وجهه نحو الرياض ومن ثم المدينة المنورة.
 
وكأن قدر الحاج توفيق أن تسقط بلاده في المرتين بينما هو يقبع في ديار الغربة، إذ يقول عن هزيمة 1967 “كنت في منزلي في الرياض، وهناك سمعت نبأ الهزيمة على الإذاعة.. ذات الوجوم الذي صعقني في القاهرة عام 48 تكرر في الرياض.. شريط ذكريات مرير تراءى أمام عينيّ…”.
 
يجهش الحاج توفيق في بكاء مرير توقف معه الحوار لدقائق طوال. عاد للحديث متوسلاً بأن نرحمه من عذاب الذكريات، قائلاً “ما بتحمل ذكراها. تصوري كيف لما عشتها أنا والشعب الفلسطيني؟”.
 
يستجدي دموعه للسكون للحظات، مردفاً “فجأة وأنا بقمة الذهول بعدما سمعت الخبر في شقتي بالرياض، وإلا حدا بدق عالباب. لما فتحت كان مديري السعودي. بتذكر إني من الصدمة كنت بصرخ فيه بصوت عالي: فلسطين راحت. فلسطين راحت. وحاولت أسكر الباب بوجهه”.
 
يجهش من جديد في بكائه المدوي كما هزيمة ذلك العام، يستجمع قواه للحظات، قائلاً “احتوى مديري السعودي صدمتي، ودفع الباب رغماً عني ودخل الشقة، ثم جلس إلى جانبي وبكينا سوياً بمرارة ثكلاء تنوح على فقيدها. بعدها لم يتركني وحدي وأخذني عند عائلته كي أمضي ليلتي العصيبة هناك. وبمجرد أن دخلت عليهم غرقنا جميعاً بنوبة بكاء ونواح حتى انفلق الفجر”.
 
يلتقط الحاج توفيق أنفاسه، ويعاود القول “صدمة لا تحتملها الجبال وخصوصاً مع الأحلام الكبيرة التي كنا نرسمها.. كان يلمؤنا أمل وإيمان أن حرب 67 ستكون حرب التحرير لا حرب الهزيمة القاضية”.
 
لا تلبث نبرة الأسى والانكسار تهيمن على صوت الحاج توفيق من جديد، بينما يستذكر زيارته فيما بعد لقريته التي غدت أطلالاً، وعن تلك اللحظات يقول “سكين جديدة غرست في قلبي بعد سكاكين الصدمات السابقة. كان ذلك عندما لم أعثر في قريتي على أي معلم تحفظه ذاكرتي. لم أر في مساحة قريتي إلا شوكاً وخراباً.. تاهت وانطمست معالمها.. لم أستطع أن أوغل فيها أكثر.. تجمد الدم في عروقي عندما عثرت على دوالي عنب والدي وقد استولى عليها يهودي مغربي.. لم أستطع الاحتمال”.
 
يُطبق الصمت على الحاج توفيق.. يستحث قواه بعد دقائق، قائلاً “من كل القرية ببيوتها وسناسلها وحواكيرها ما لقيت إلا ثلث بيوت مهجورة.. وباقي القرية مسوّية بالأرض”.
 
وبرغم كل هذه الذكريات الحزينة التي باح الحاج توفيق ببعض منها، وبرغم النكبة التي شردت أهل قريته في بلدان عدة منها الأردن وسورية وغيرهما من دول المنفى.. برغم كل ذلك ما يزال يحذوه الأمل، قائلاً “كلّي أمل أرجع يوم لقريتي حتى لو كانت بالحالة اللي لقيتها عليها لمّا زرتها بعد النكبة”.
 
ويردف الحاج توفيق، الذي له ولدان و3 بنات و18 حفيداً، “الأمل بالجيل الجديد لأنه ظروفه أحسن منا، العالم سمع بنكبتنا. وبقدر ما إلنا أعداء إلنا متعاطفين.. والجيل الجديد تعلم ووعي عالحقائق كلها”.
 
بذات العينين اللتين تملؤهما الدموع، أطلت نظرات الإصرار والتحدي في عيني الحاج توفيق قائلاً “لدينا يقين أنه لا بد يوما ما من العودة.. المعركة النهائية م
ا انتهت ولو تأجلت مئات السنين
اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات