ألقاب ولكن ..!

0
الشاعر السوداني/ حسن إبراهيم حسن الأفندي
إهداء إلى الدكتور / يحيى الشيخ مع التحية
وُلدتُ وتوأمة لى فى ليلة ما من ليالى الشتاء القارصة البرودة بشمال السودان , كانت ولادتى مع أذان العشاء بينما جاءت إلى الدنيا توأمتى قبيل الفجر بقليل , ومن عجب أنى سمعت أن الذى يرى الدنيا قبل الآخر من التوأم هو الأصغر , تماما عكس ما نعتقد , ولا أدرى أهي حقيقة علمية مؤكدة أم رأى لا أساس له من الصحة لمن حدثنى بذلك , المهم أنى كنت أُنادى من قبل الكثيرين من الأهل والمعارف بالتوم , يعنى مفرد توأم , أو بحسن التوم , بينما أسمانى أبى خلفا لاسم أبيه , تلك الشخصية ذات الصيت والنفوذ والسمعة التى تغطى شمال السودان , علما بأنى لم أره فقد مات قبيل ولادتى , والتوأم لغويا تعنى الزوج من المواليد والزوج مفرد بالمناسبة وليست مثنى , شريطة أن يكون للزوج مثيل من نفس النوع , والحقيقة أن لغتنا العربية ثرة فضفاضة غنية , ولفهم معانيها وكوامنها وبواطن الأمور , لابد من حس أدبى عال أو ذوق فنى متقدم يخدم الباحث أو القارئ لفهم نص أو جملة أو مثل أو حتى لفظ مفرد , فإذا قلت ( لماذا نكتب ؟ ) كان ذلك سؤالا عاديا وربما يتوقع من يسمعه إجابة عليه , ولكن إن قلت ( ولماذا نكتب ؟ ) فقط بإضافة واو , أصبح السؤال استنكاريا أو استهجانا لما يجرى من كتابة ! تصور إضافة حرف واحد يغير من معنى ومفهوم وتركيبة الألفاظ ومعطياتها .
   جئت أكتب عن ذكرياتى فى مجال ما نادانى به الناس من ألقاب فإذا باللغة العربية التى أحبها كثيرا وأتبحر فيها فما تركت من حيزبون ولا دردبيس ولا طخا ولا نقاخ ولا علطبيس ولا عـقنقل قدموس , أو احجنشش الكرش واجرنثم القوم واخرّوط الطريق , أو الجفنة المثعنجرة والطعنة المسحنفرة والتى بقيت بأنقرة , أو اليوم قحاف وغداً نقاف قبل أن تدخل عليها المدنية لتجعلها اليوم خمر وغداً أمر , وحتى الخنفشار :
                لقد عقدت محبتكم بقلبى = كما عقد الحليبَ الخنفشارُ
وقيل إن لفظ الخنفشار دخل إلى العربية بطريقة طريفة إلى حدما , فقد كان أحدهم يزعم أنه يعرف كل لفظ فى العربية , فاجتمع بعض من غاظهم ذلك واتفقوا على تأليف لفظ من حروف يأتون بها من بنات أفكارهم مركبين للفظ , وكانت النتيجة الخنفشار , لاقوا صاحبنا وأرادوا تعجيزه , سألوه عن معنى اللفظ الذى استحدثوه , وكان جوابه عجبا , زعم أن الخنفشار زهر أصفر لنبات صحراوى , يجفف ذلك الزهر ويضاف إلى الحليب فيعقده ـ أى يصبح الحليب جامدا مثل الزبادى أو الجبن ـ واستشهد الرجل بأن شاعرا قال البيت أعلاه مستخدما لفظ الخنفشار , كادوا له فكاد لهم وافحمهم , وعلى كل حال دخل اللفظ معجم اللغة العربية !
 والحديث عن اللغة العربية يطول , لن أقول إنها لغة استوعبت وعبرت فى إعجاز بليغ عن القرآن الكريم فحسب , ولكنى أذكر القارئ أنها اللغة الوحيدة التى بها علم عروض وعلم صرف , ومن عجب أن إدخال حرف على فعل مثلا يمكن أن يؤدى إلى إحداث معنى مختلف فـى دلالته من حيث القوة والضعف ( أستطيع وأسطيع مثلا ) , وللألفاظ ترقيق وتضخيم أو تفخيم , وبمـا يتلاءم والموقـف الموصوف أو المُتحـدث عنه , ولعـل فى سورة النمل ( ليحْطِمنكم ) مرققة بما يتوافق وحجم النملة خير مثال على قدرة اللغة العربية لنقل أدق الصور والتفاصيل , وخذ من بلاغتها فى التعبير من سورة يوسف ( خلصوا نجيا ) وتأمل فى المعنى الكبير لهذين اللفظين اللذين حملا مضمونا ضخما من الفعاليات والإجراءات والنتائج , ومن هنا كنت ولا أزال مؤمنا بأن ترجمة القرآن الكريم إلى أية لغة غير العربية أمر مستحيل معجز وغير ممكن , وأن الترجمة فى حد ذاتها للنصوص الأدبية عامة بالذات تفقد النص جماليته ورونقه وتفسد حلاوته , وربما تعطى المعنى العام أو شيئا من أفكار ومعلومات النص المترجم . وعليه كان لابد من ترجمة تفاسير القرآن الكريم لا نصوصه وآياته , فما من لغة تستطيع أن تستوعبه كما العربية .
   والتوأم دائما ما يكون ضيق الصدر , فما بالك بتوأم شاعر يؤمن بأنه من سلالة عمرو بن كلثوم :
طغــــاة ظالمـــــين وما ظلمنا = ولكــــنا ســـنـبدأ ظالمـينا
إذا بلــــــغ الفـطام لنـــا صبي = تخــر لـه الجبابر ساجـدينا
ونشرب إن وردنا الماء صفوا =ويشرب غيرنا كدرا وطينا
عصبي متقلب المزاج سريع الاستثارة , يزيد الفولت داخله عن المائتى وعشرين أو الأربعين كثيرا , ولهذا فقد أطلق علي صديقى وقريبى اللواء شرطة (م) زميل طفولتى وصباي ودراستى وشبابى محيى الدين محمد محمد على لقبا ً أحتفظ به لنفسى فى الوقت الحالى , فعسى أن يمكننى من نشر بعض الآراء أو القصائد تحمل ذلك اللقب اسما مستعارا حركيا ودون أن تحمل منشوراتى اسمى الحقيقى , فمن يدرى لعل أن يكون فى ذلك حماية لى فى عالم يُفرض فيه الإرهاب الفكرى والحجر الفكرى على الأقلام , ومن يدرى فلعلى أن أخرج يوما ما عن وقارى واتزانى وتطغى علي روح جدى عمرو بن كلثوم فأتحدى القطب الأعظم الأوح
د , مجرد خــــيال وتحوط , فما تفعل نملة بجبال الهملايا أو التبت ؟
   وكنت طفلا رمد العينين , حار فى علاجى والدي , فعلا كل شيء لشفاء العينين دون جدوى , وكانت إحدى قريباتى يرحمها الله عاقرا , وكانت تحبنى جدا طفلا , تحملنى وتغنى لى من تأليفها ما يلقبنى بالأعمش :
حسن أب صوفه      =    أب عين منتوفه
قطع الحسنة من الشلوفة !
إشارة إلى مرض عيني وسقوط شعر رموشى , كما كانت لى بقعة بارزة سوداء على شفتى العليا يسمونها فى السودان بالحسنة كما يسمون الشفة بالشلوفة , لهجة محلية , وبالمناسبة تلك الحسنة جرحت بموسى الحلاقة وأنا أحلق شعر الشارب فذهبت إلى غير رجعة , كما أن ظهور مرهم الترامايسين فجأة وتصنيعه فى عبوته الحالية الصالحة لاستخدامه للعيون أعاد لعيني صحتهما , وللعلم فقد كنت على ما أعتقد قبيح الشكل فى صغرى , ولعلى كلما أعمّر كلما ازددت وجاهة وقبولا والحمد لله , فقد أصبح منظرى الآن محتملا للناظرين .
   وظهرت منذ بدايات مبكرة عندى موهبة الشعر , فكتبت أول قصيدة باللهجة السودانية العامة قصيدة تدين الاعتداء الثلاثى على مصر الشقيقة ولاقت استحسانا مثلما نالت قصيدة أخرى بمناسبة نيل السودان استقلاله نفس الاستحسان , فأصبح لقبى يتنامى رويدا رويدا إلى حسن الشاعر , وما عدت أعرف بالنسبة لزملائى ومعارفى عامة بغير هذا الاسم , حتى أن شقيقى الأصغر يرحمه الله , كان يعمل بومدنى , عاصمة الجزيرة الخضراء حيث زراعة القطن بالذات بمشروع الجزيرة المعروف عالميا , وحدث أن استشهد أحد المواطنين إبان اشتعال ثورة الحادى والعشرين من أكتوبر 1964 ضد وضع الرئيس المرحوم إبراهيم عــبود وانتهت بإزاحة الوضع وعــودة الديمـقـراطية الثانيـــة كـــما يقــولـون , وكان اسـم الشـهـيـد ( حسن ) , وخرج شعبنا بالمدينة يحملون جثمان الشهيد إلى مثواه الأخير , بكى أحد أقربائه أو أصدقائه صائحا متألما متأوها لفراق أخيه حسن الشهيد . خُيل لشقيقى أن الشهيد هو أنا ( حسن أخوه ) , انزعج ولعب الشيطان بعقله وقرر السفر فورا للخرطوم للوصول إلي والاطمئنان على أنى ما أزال حيا . جرت محاولات لإقناعه بأن الأمر مجرد وهم لا واقع لـه فلم يقتنع . وصل أم درمان واتجه فورا إلى معهد المعلمين العالى ـ كلية تربية جامعة الخرطوم حيث كنت طالبا وقتها ـ ودخل يسأل من يلاقى من زملائى : هل يمكن أن أقابل حسن إبراهيم ؟ فيجاب بأنهم لا يعرفون هذا الاسم بالمعهد . أحدهم لاحظ أن هناك بعض الشبه بين السائل المستفسر عنى وبينى , فقال له : لعلك تقصد حسن الشاعر ؟ أجابه : نعم , دلنى عليه , وأُحضر إلي , وأخذ يسألنى ويعاتبنى كيف أغيّر اسمى وأتنكر لاسم أبى وجدى , فأقنعته بأن ذلك اللقب طغى على اسمى دون رغبة ولا سعي منى .
   ظل لقب الشاعر يعرّفنى للناس ويعرفنى به الناس حتى تم تعيينى معلما للرياضيات البحتة بكافة فروعها والتطبيقية بالإستاتيكا والديناميكا , فحرصت ألا يعرف طلابى عنى أنى شاعر أو على الأقل لا أعطيهم فرصة لفتح موضوع الشعر داخل الفصل , كنت مقررا أن لابد من أن أجد نفسى فى هذا التخصص الأثير بصدرى والذى عُرف نبوغى فيه منذ نعومة أظافرى , وظللت أحقق نجاحا إثر نجاح فى هذا الحقل فما كانت توقفنى مسألة رياضية ولا متطابقة ولا انحراف معيارى أو تشتت بمقاييسه أو معامل ارتباط أو احتمالات أو برمجة خطية أو تطبيقات تفاضل أو تكامل أو نظرية هندسية مستوية أو فراغية مع إجادة لهندسة المحاور أو ما تعرف بالهندسة التحليلية , ودرست قوانين نيوتن وتجاذب القوى , إلى أن أحرز أحد طلابى نسبة 100% فى الرياضيات فى الشهادة السودانية العامة وأذيع اسمه ضمن قائمة الشرف من مدرسة كانت تعرف بالمعانة (Aided School  ( وهي تعنى أنها بنيت شعبيا وتقوم وزارة التربية بإعانتها بالمعلمين والكتب وبعض المصروفات مقابل كل طالب بجانب ما يدفعه الطلاب أنفسهم من مصروفات مدرسية وذلك لأنهم التحقوا أصلا فى هذه المدرسة وأمثالها لأنهم أحرزوا مجاميع لا تمكنهم من التسجيل والقبول بالمدارس الحكومية , كان ذلك سمعة طيبة لى , ولعل مدير المدرسة الفاضل المرحوم / شيخ الدين جبريل الذى نعيته قبل حوالي الشهرين على صفحات بعض المجلات والصحف والمواقع  , قد ساهم إلى حد كبير فى ترقياتى المتلاحقة ربما فى بداية العام وآخره , وذلك بفضل ما كتب عنى من تقارير استثنائية تفيد عن حرصى ونجاحى المهنى . وكان شاربى كثاً ولونى لا أستطيع أن أقول أبيض ولكنه كان حنطيا ربما , فظن بعض طلابى أننى مصري الجنسية ونعتونى بأبى شارب كبير , ومن المؤكد أن شاربى لم يكن يتناسب مع جسدى النحيل الهزيل , ووجدتهم مرة يحذرون بعضهم بعضا من هذا المعلم المصرى ذى الشارب الكث , فهو جاد فى حصته ولا يعرف أو يسمح بانفلات الحصة , وقد أجبتهم من النافذة بأنى سودانى ببرود شديد فأحرجوا , ومرجع تحذيرهم الذى نشأ بينهم , أنى كنت أدرس فى فصل به طلاب مشاكسون يعرفون بالطلاب المشكلة , وكنت فى بداية مشوارى المهنى , وحقيقة أنا لا أقبل أن يتحدث طالب و ينصرف عنى خلال الحصة , ولسوء حظ اثنين متجاورين أنهما أخذا يتحدثان فى أول حصة لى بصوت خافت بينهما , توقفت عن التدريس وأشرت بإصبعى لأحدهم للحضور , أرسلته فى طلب ( الصول ) المعين خصيصا للجلد وأخذ الغياب ويشارك مع آخر فى تنفيذ الانضباط وبرن
امج التدريب العسكرى , جاء الرجل ووقع بأمر منى عقوبة الجلد ست جلدات على كل منهما , ومنذ ذلك اليوم لم احتج إلى توقيع عقوبة الجلد على طالب إلا ما ندر عندما أصبحت مديرا للمدرسة وتصادفنى مشكلة وقع فيها طالب مع أحد المعلمين , وأقول ما ندر لأن معظم أمور المدرسة يسيرها مرشدو الصفوف ورؤساء الشعب ومساعد المدير , أما المدير فقد كانت تصل إليه المشكلات المستعصية . 
   ولعل لونى يذكرنى بموقفين , أولهما أنى كنت ألقى قصيدة فى حفل كبير يضم الآلاف من الشعب السـودانى بمعهد المعلمـين العالى بأم درمان بمناسـبة عيد الاستقلال , ولاقت القصيدة قبولا منقطع النظير لحماستها وانفعالى فى إلقائها , وكان يحضر بعض أقارب زملائى الطلاب الحفل , ومن بينهم كان أحد أقارب زميل لى يعمل معلما للغة الإنجليزية هو الأستاذ الضو بشير, راجيا أن يكون بخير , فقد التقيته آخر مرة قبل سنوات عديدة بسوق خضار رأس الخيمة قبل أن يستقيل ويرجع إلى السودان بعد عمله معلما للإنجليزى بمدارس رأس الخيمة , يوم وقفة عرفة وأنا أصحب زوجتى وأبنائى لشراء بعض الحاجيات لزوم الكبش الذى سيذبح غدا ولزوم قدوم العيد الكبير أيضا , وقد نادانــى : اللحمر (الأحمر ) , فقد كان قريبه ومن فرط إعجابه بقصيدتى حلف أن لو رزق بابن ذكـر أن يطلق عليـه اسم هذا الشاعـر الأحمر ( اللحمر) , ومنذ ذلك الحين وكلما التقيت زميلى الضو بشير يضحك ويتذكر ذلك اليوم وفعالياته , ومن عجب أنى عندما وصلت البيت الأخير من القصيدة وما زلت أذكره تماما :
مجّد فتاك اللوذعي وقل له =وطنى سماء الخالدين سمائى
حتى علا التصفيق وحضر بعض زملائى لحملى من المنصة على الأكتاف إلى حيث أجلس , وكلما علا التصفيق كنت أمزق الأوراق التى طبعت عليها القصيدة وذررت بها فى سماء الساحة ! كنت أشارك بفاعلية كبيرة فى الميدان الشعرى , وقد شاركت مرة فى مظاهرة بأم درمان وتوقف المتظاهرون لأُحمل على الأكتاف وألقى قصيدة , وكانت المظاهرة ضد حكومة المحجوب بسبب ما يجرى فى جنوب السودان إذ كنا نعتقد أن الحقائق كانت مغيبة عنا تماما كشعب سودانى , وهتفنا يومها : مصير محجوب مصير عبود . ومحمد أحمد محجوب كان رئيسا للحكومة وهو محامى كبير وشاعر جهبيذ وناقد مرهوب , صاحب قامة فارعة , أما عبود فقد ظل رئيسا لنا بانقلاب عسكري فى الفترة من 17/11/1958 وحتى قيام ثورة أكتوبر 21 سنة 1964بسبب مباشر هو الجنوب أيضا . وبينما كنت ألقى قصيدتى فى المظاهرة كان الأمن والشرطة يراقبانى وفى انتظار وصول القاضى حتى يأمر بتفريق المظاهرة إما تحذيرا أو باستخدام القوة , المهم أنهيت إلقاء القصيدة وبعد قليل وصل القاضى ورمينا بالقنابل المسيلة للدموع وأخذت الشرطة ورجال الأمن فى ملاحقتنا , وكنت من أهدافهم للقـبض علي , ركضت حتى كـــدت أخرج من ســوق أمدرمان من الناحـيـة الشمالـيـة ( للسودانيين وصلت العدنى ) وكان بقربى زميلى معلم الرياضيات الأستاذ أحمد حمد الطالب آنذاك بمعهد المعلمين العالى , كان قبلى بدفعة , أضطرت الشرطة محاولة القبـض علي أن ترمى تحت قدمي بقنبلة مسيلة للدموع , انحنيت وكـدت أطيح أرضا لـولا تـدخل زميـلى الذى ســنـدنى لأتابـع مســـيـرتى ونـدخـل شارعـا جانـبيا ضـيـقـا ( زقاقا) , تمكـنا من الهرب والوصول إلى نادى الطلاب بالمعهد , وما أن جلست حتى وصلت سيارة شرطة وبها ضابط , تأكد لى أنى غير ناج لا محالة وأن جنابه جاء للقبض علي , تقدمت نحوه فى شجاعة ولسان حالى يقول :
إذا لم يكن من الموت بد = فمن العار أن تموت جبانا
وذهلت فقد سلم علي الرجل فى هدوء وسألنى عن أحد أقاربه من الطلاب كان قد جاء لزيارته !
   أما الموقف الثانى الذى يتصل بلونى , فقد صادف أنى كنت فى أحد الأقطار العربية وكانت الأراضى توزع من الحكومة لمن تقدموا بطلباتهم وكنت أحدهم , فاضطررت وأنا خارج السودان أن أستخرج توكيلا شرعيا لابن خال لى وهو فى نفس الوقت متزوج من خالة أبنائى الكبيرة , وذهبت إلى القاضى الشرعى حينها وبدأ فى الإجراءات , وسألنى عن المعلومات الضرورية لعمل التوكيل , وعندما علم بأنى سودانى كتب : وقف أمامى السودانى أبيض اللون الرشيد ……….!
 ونعاود ما كنا بدأناه عن الألقاب .
 شاء الله أن تكون لى ثقافة لا بأس بها فى مجال التفسير وأسباب النزول للآيات وعالم الروح والبرزخ والبعث وعذاب القبر ….. وقرأت كتبا كثيرة منها نشأة الكون والسموات السبع ومع الله فى السماء وقصة الإيمان وهلــم جرجرة من أمثالها , الأمر الذى مكننى من مداخلات بعض العلماء فى الفضائيات ومناقشتهم وإبداء الرأي وربما المشاركة والإضافة فى التفكير , وذلك دفع البعض للاعتقاد بأن القبة تحتها شيخ كما نقول فى السودان , فأُطلق علي لقب الشيخ ……
   وبعـــد …. ما ترانى اســتفدت من كل هذا وذاك ؟ أللشعر أم للعلم قيمة فى هذا الزمان , بل وأين مكانى بعد موت آخر كبار الشعـراء وآخر عمالقة الشعراء وآخر أهرام الشعـراء وآخر قامات الشعـر المعاصر أو أعذب شعراء العرب  كما نقرأ على الصفحات الثقافية كلما مات أحدهم وكان معروفا لمحرر من محرري الملف أو الصفحة الثقافية , ولعلنى ولعل الكثيرين من أمة الضاد لم يسمعوا بهذه القامة ولا تلك ؟ أترانى أجد فرصة أُنعى فيها من مجلة
أو صحيفة أو فضائية أو حتى إذاعة مسموعة بعد أن اضمحل دورها تقول : مات شاعر سوداني نكـرة , كان غـير معروف , يسمى فلان الفلانى ؟ أترى أم هل ترى …؟
 وددت أن لو كنت عالما فى دنيا الطبخ والأطعمة ونلت لقب الشيف فهو أجدى وأنفع وأكثر التصاقا بالبطون والأمعاء واللذائذ واللطائف والمال والشهرة .
 بقي أن تعرف أنى جلست لأكتب عن أحد موضوعين : (أحلام وأحداس تتحقق فى دنيا الواقع ) أو عن ( تخ …. طيط ) , فقد كان فقيدنا وأستاذنا شيخ الدين جبريل يسمى وزارة التخطيط القومى والاقتصاد إبان حكم النميري بوزارة تخ …. طيط ولمصلحة القارئ فلفظ تخ عندنا فى السودان يشير إلى وقوع شيء وتحطمه إلى قطع متناثرة,مثلا تقول وقعت منى البطيخة تخ على الأرض وهذا يعنى أنها وقعت وتفتت إلى أجزاء صغيرة هنا وهناك غطت مساحة من الأرض , أما طيط فعادة غير اجتماعية يفعلها الكثيرون داخل الحمام صباحا ـ لا مؤاخذة ـ وأترك الباقى لفطنة القارئ . ولكن انشغلت بتفكير وأنا أشاهد الشيفات يملئون الفضائيات ويجدون تجاوبا كبيرا من الجمهور . وعجبى !
   أما أنا فسبع صنائع والبخت ( الحظ ) ضائع ! من يعلم بأنى أشطر وأفلح ميكانيكى سيارات صغيرة , بل هي هوايتى الأولى ……..
   نرحل فهل تبقى لأمثالى من ذكرى أو أثر ؟
  
 
 
 
 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.