الرئيسيةأرشيف - غير مصنفعقم اللجان الحكومية في العراق الجديد

عقم اللجان الحكومية في العراق الجديد

ضحى عبد الرحمن
هناك مثل معروف يقول انك إذا أردت أن تطمس حقائق مصيبة ما أو جريمة بادر

ضحى عبد الرحمن
هناك مثل معروف يقول انك إذا أردت أن تطمس حقائق مصيبة ما أو جريمة بادر  إلى تشكيل لجنة, فاللجنة تحتاج إلى أمر وزاري أو مؤسساتي لتشكيلها, وتحتاج إلى تسمية رئيسها وأعضائها وتبليغهم من ثم تحديد فترة عملها وتزويدها بالمعلومات التي تجهلها عن الجريمة من ثم تبدأ الاجتماعات بين الأعضاء لتحديد طرق التحقيق وتسمية المتهمين واستجوابهم ومن بعدها تعطى الفرصة للمشتبهين للتوسط لدى السادة المسئولين أو تغيير أقوالهم أو نكرانها وطمس معالم الجريمة, وبعد إكمال التحقيقات ترفع اللجنة توصية قد يؤخذ بها أو ترصف مع أضابير قديمة  ليتراكم الغبار فوقها.

وفي عراقنا الديمقراطي شكلت لجان متعددة منذ تشكيل مجلس الحكم سيء الصيت ولغاية حكومة الاحتلال الرابعة بشأن العديد من الجرائم التي يندي لها الجبين, ولم تظهر نتائج التحقيق رغم توالي الحكومات, واندرست الجرائم ونسيت من قبل الرأي العام العراقي المنشغل في معاناته اليومية غير ملتفتا إلى هذه الجرائم ومرددا مع نفسه بأيمان عميق كلمته المأثورة ” حسبي الله ونعم الوكيل” , ويبدو أن هذه الحكومات متفقة على صيغة( شيلني وأشيلك) كل منهما يسكت عن جرائم من قبله طالما أن رائحة العفونة تنبعث من الجميع وبلا استثناء.
سمعنا عن تورط احد الوزراء في زمن رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي بنقل الملايين من الدنانير في طائرة وتمت العثور عليها في مطار بيروت وشكلت لجنة لمعرفة عائديه الأموال والغرض من تهريبها ولم تظهر نتائجها لحد اللحظة, رغم انه أعلن في وقتها بأن الأموال كانت لتغطية نفقات صفقة حكومية لم يسفر عنها!
اغتيل محمد باقر الحكيم واثنان من أعضاء مجلس الحكم هما عقيلة الهاشمي وعز الدين سليم وعدد من رؤساء العشائر وكبار الشخصيات ولم نبصر نتائج التحقيق!
وقتل أكثر من ألف عراقي في موقعة جسر الأئمة والآلاف في أحزمة ناسفة وسيارات مفخخة وعمليات اغتيال طالت عشرات الألوف من العراقيين وخطف الآلاف وقتلوا أو أطلق سراحهم بعد دفع الفدية, واغتصبت المئات من العراقيات على أيدي رجال الشرطة أو الميليشيات وشكلت اللجان التحقيقية ولم تسفر عن نتائجها لحد الآن!
أزكمت فضائح سجن أبو غريب الشرفاء في العالم عندما عرضت أفلاما تصور الرجال والنساء يتعرضون لإعمال العنف والاغتصاب والترويع بالكلاب وشكلت لجان تحقيقيه لم تسفر عن شيء وتبعتها الفضائح التي كشفت في أقبية وزارة الداخلية في الجادرية وديالى وشكلت لجان تحقيقيه ولم تظهر نتائجها بعد.
 وحدثت الفتنة الكبرى في عهد الجفري بتدمير العتبات المقدسة في سامراء وشكلت لجنة تحقيقيه بالحادث الذي أسفر عن بذر نواة الحرب الطائفية وقتل الآلاف ودمر أكثر من مائة مسجد, وكان العراق على شفا حفرة من النار لو لا تدخل العناية السماوية وليس الأرضية ولم تظهر نتائج التحقيق لحد الآن.
 وقتل حوالي مليون عراقي وجرح وعوق مئات الألوف وتمت تصفية المئات من العلماء والصحفيين والطيارين وأساتذة الجامعات ومازالت الجرائم مستمرة دون معرفة الجاني فهي تسجل دائما ضد المجهول( المعلوم) ألا لعنة الله على هذا المجهول كأنه عفريت يخرج من باطن الأرض ليرتكب الجرائم من ثم يختفي ثانية دون أن تظفر به أعين الساهرين على أمن الشعب الذين زاد عددهم عن (350) ألف منتسب.
تم اختطاف أكثر من مائة موظف من وزارة التعليم العالي في عقر مبنى الوزارة في وضوح النهار وعثر على بعض جثثهم وما يزال مصير الآخرين مجهول وشكلت لجنة بالجريمة ولم تظهر نتائج التحقيق بعد.
هجوم نهاري غريب على اللجنة الاولمبية في عز الظهر وخطف رئيس اللجنة وحوالي الخمسين من أعضائها وشكلت لجنة تحقيقيه ومازال المختطفون مجهولين المصير والأوراق التحقيقية أيضا مجهولة المصير, رغم أن الجاني معروف من قبل الجميع, ولكن من يجرؤ على الكلام؟
تفخيخ مطعم مجلس النواب وتدميره وقتل وجرح عدد من النواب وشكلت لجنة تحقيقيه بالحادث ولم تظهر النتائج بعد!
حريق هائل في وزارة النفط يليه حريق آخر في البنك المركزي وتلف الآلاف من الوثائق المهمة وبالرغم من تشكيل لجان تحقيقيه بالحادثين ولكننا لم نبصر بعد النتائج ولن نبصرها على الأقل في هذا العقد!
اعتراف المفتش الأمريكي العام بسرقة حوالي(18) مليار دولار من قبل قوات الاحتلال وحكومة الاحتلال وشكلت لجان تحقيقيه ولم نعرف بعد مصير الأموال أو التحقيق!
هروب وزراء وكبار المسئولين إلى دول أخرى بعد اتهامهم بسرقة المال العام ودعم الميليشيات وفرق الموت ومنهم أيهم السامرائي وع
لي الشمري وشكلت لجان تحقيقيه بالحوادث دون أن نقطف ثمارها بعد!
أنفقت عشرات المليارات لتصليح المنظومات الكهربائية ورغم مرور خمس سنوات فان الوضع يسير من سيء إلى الاسوء حيث تبين أن الكهرباء الوطنية عميلة وفي قمة العمالة وليست وطنية بالمرة, وشكلت لجان تحقيقيه لم نلمس نتائجها بعد!
اتهم رئيس هيئة النزاهة القاضي راضي الراضي الرئيس السابق للهيئة الشيخ صباح الساعدي من حزب الفضيلة بأنه أمير تهريب نفط البصرة, وقبل أن تظهر نتائج التحقيقات هرب الراضي إلى بلاد العام السام مستصحبا الوثائق التي تدين المسئولين العراقيين بالفساد المالي والإداري.
طالعتنا الإنباء بأن هيئة النزاهة تحقق مع(700) موظف متهمين بتهريب النفط العراقي, وأكدت وجود(3000) قضية فساد لدي المحققين بقيمة(18) مليار دولار.. وما يزال التحقيق جاري إلى ابد الآبدين.
فقدان مليار دولار من ميزانية الدفاع العراقية كانت مخصصة لتدريب وتسليح الجيش العراقي, وذاب المبلغ كالملح قبل أن نعرف نتائج التحقيق وهي مستمرة إلى يوم الدين.
تشير الدلائل بأن العراق الديمقراطي أكثر فسادا من العهد السابق, وهو الثالث بهمة بوش وحكومات الاحتلال من بين(60) دولة فاشلة, ووصل الفساد الإداري والمالي إلى أكثر من نسبة 70% في مؤسسات الدولة حسب تقدير هيئة النزاهة وما تزال التحقيقات جارية والسرقات جارية بنفس الوقت.
أحيلت أوراق(8) وزراء إلى القضاء مع (72) مسئول حكومي آخر, ويجري التحقيق في (410) قضية فساد, أبطال (24) قضية منها وزراء ووكلاء وزارات ومدراء عامين في العراق الجديد, ولكن التحقيقات لم تظهر بعد بسبب استمرار العمل بالمادة(136) الملغاة حيث أوقفت التعقيبات القضائية بحق المتهمين بالفساد وأدى ذلك إلى ضياع(70) مليار دينار عراقي.
الجرائم تتوارث والاتهامات متبادلة منذ الغزو لحد الآن بين اللصوص الرسميين وغير الرسميين, اللصوص هم من قادة الاحتلال وأذنابه وزعماء أحزاب سياسية ووزراء وأعضاء في مجلس النواب ووكلاء وزارات ومدراء عاميين وموظفين بمختلف الدرجات ورؤساء ميليشيات وفرق موت وزعماء عصابات ولصوص عاديين.
 فمن يحاسب من في خضم هذه الفوضى؟ وكيف تتم المحاسبة؟ إذا كان رئيس النزاهة يتهم الحكومة والحكومة تتهم رئيس النزاهة بالفساد المالي والإداري ورئيس الوزراء متهم بأنه حمى عدد من أفراد عائلته وحزبه من الملاحقات القانونية, ورئيس الدولة متهم بنفقات وهبات خارج صلاحيته ومجلس النواب متهم بقضايا فساد والسلطة القضائية نفسها متهمة بالفساد.
 إذا “كان حاميها حراميها” فننصح الجميع بعدم انتظار النتائج التحقيقية لكل ما اشرنا أو لم نشر إليها فالجرائم أكثر من أن تعد وتحصى وهي في تراكم مستمر.
مع كل هذا المصائب تخرج هناك بعض الأبواق الرسمية لتذكرك بأن القضاء في العراق مستقل وان السلطة القضائية لا تخضع إلى السلطتين التشريعية والتنفيذية وان التحقيقات ما تزال مستمرة.
فتبتسم مع نفسك وتقول المثل العراقي” علينا مو ملينه حتى ثلج كلينه وقناني هواء عبينه”.
المسألة كما يبدو تحتاج إلى بديهية معروفة وهي وجود حكومة تحترم شعبها وتحمى مصالحه وتدافع عن حقوقه.
حكومة مسئولة تعي واجباتها وتنور شعبها  بالحقائق التي تخص ثروة البلاد باعتبارها ثروته ولا تطمسها من أجل فلان وعلان.
حكومة تحترم السماء وتعاليمها وتحترم الوطن الذي تعيش فوق ترابه وتنهل من ثرواته وتحترم الشعب الذي اختارها بغض النظر عن طريقة وكيفية الاختيار.
حكومة راشدة لا قاصر تعيش في نزق وترف وطيش متجاهلة حقائق الحاضر وتداعيات المستقبل.
ربما نحتاج إلى عقود من الزمن لنفهم حقيقة ما يجري في عراقنا الجديد في كل زاوية من زواياه شيء فالظلام لا يمكن أن يستمر ولابد من فجر قادم يبدده وتنجلي الحقائق ويعرف الشعب حقيقة حكامه.
أما نتائج التحقيق في الجرائم المذكورة فنأمل أن تظهر في نهاية القرن الحالي, ويكون المتهمون في رحلة العذاب الأبدي يستدفئون في نار جهنم مع لعنات العراقيين على أرواحهم الضالة.
 
   ضحى عبد الرحمن
   كاتبة عراقية
 
 
اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات