الرئيسيةأرشيف - غير مصنفأطفال العراق في إسرائيل عار على العرب// رشيد شاهين

أطفال العراق في إسرائيل عار على العرب// رشيد شاهين

أثيرت قبل فترة وجيزة قضية إرسال أطفال عراقيين من مرضى القلب من أجل علاجهم في إسرائيل، والقضية مثلها مثل كل القضايا التي تتم إثارتها بين الحين والآخر، فهي ما أن يمر عليها فترة بسيطة من الزمن حتى يتم نسيانها أو تناسيها، ذلك أن النسيان أو التناسي للقضايا المعيبة هو السمة العامة عند العربان، ويبدو أن ذلك هو أسهل الأمور، وقد يتعمدون أحيانا فعل ذلك في محاولة للتغطية على التقصير، وهم بذلك إنما يضعون رؤوسهم في الرمل معتقدين بان لا أحد يستطيع أن يرى مؤخراتهم المكشوفة بافتضاح مهين ومذل.
 
عندما نكتب في هذا الموضوع سوف يخرج علينا من يخرج محاولا كما جرت العادة منذ سقوط بغداد في قبضة الاحتلال الأميركي تحميل النظام العراقي السابق هذه المسألة، في محاولة للتغطية على كل الفشل الذي مرت به أميركا وأعوانها وحلفاؤها خلال سنوات الاحتلال الخمسة التي خضع فيها العراق لكل أنواع التدمير والخراب والفساد والإفساد، ونحن عندما نقول هذا فإننا نعلم بأن الذين يحاولون تحميل النظام السابق كل أخطاء الماضي والحاضر لن يعجبهم ما نقول، ويبدو بأنهم على أي حال استساغوا قصة تحميل النظام السابق كل مصائب العراق واعتقد أنهم سوف يستمروا في هذا إلى سنوات كثيرة قادمة من أجل التغطية على عجزهم.
 
لا أحد ينكر بأن النظام الصحي في العراق تراجع إلى حد كبير خلال سنوات الحصار التي فرضتها أميركا على العراق منذ عام 1990 وحتى سقوط بغداد وقد ازداد الأمر سوءا خلال الفترة الأخيرة التي سبقت الاحتلال، والجميع يعلم بأن العراق كان يعاني من شح كبير في كل ما يتعلق بهذا المجال، ونحن هنا لسنا بصدد نقاش أسباب ذلك وما هي الأهداف التي كانت وراء ذلك بقدر ما نريد أن نناقش موضوع الأطفال العراقيين الذين يتم إرسالهم إلى إسرائيل من اجل ما يقال بأنه العلاج.
 
القضية التي أرادت الحكومة العراقية التنصل منها أو إنكارها أصبحت قضية مفضوحة مثلها مثل كل القضايا الأخرى في العراق وفي العالم العربي والثالث، حيث يتم في البداية الإنكار وبشكل عال وبضجيج وصخب ما يلبث أن يهدأ بعد أن “يذوب الثلج ويبان المرج”، وهذا ما حصل في قضية الأطفال حيث أنكرت الحكومة العراقية الموضوع الذي ثبت فيما بعد بأنه حقيقي ومؤلم ويبعث على الغثيان والتقزز.
 
مجلس النواب العراقي أكد الخبر وقال بان جمعية أو منظمة ادعى بأنها أميركية تعمل في المنطقة الخضراء تقوم بإرسال الأطفال العراقيين إلى إسرائيل من اجل العلاج، وقد اعتبر البرلمان أن هذه القضية مسيئة للعراقيين كما ودان الخطوة وطالب الحكومة بان تحقق في الأمر واتخاذ الإجراءات المناسبة.
 
هذا الذي صدر عن مجلس النواب العراقي بيان هزيل مخجل أكثر من قضية إرسال الأطفال نفسها، لأنه كان يجري تحت سمع وبصر هذا المجلس، لا بل قيل بان بعض النواب أنفسهم متورط فيه، وهو – أي مجلس النواب – على أي حال لم يكن أكثر من بوق آخر من أبواق الحكومة وساترا في كثيرا من الأحيان لعورتها حتى لا نتمادى في التوصيف وبالتالي يعتبرنا البعض أننا نتجاوز حدود اللياقة، وهذا الموقف هو ذاته الذي اتخذه المجلس في العشرات والمئات إن لم يكن الآلاف من القضايا التي لم يتم التحقيق فيها، ونعرف كما يعرف العالم بان تلك القضايا لم تفتح ولم يقدم أحد من بعدها إلى المحاكمة، وهذا ما جعل البلد عرضة لكل أنواع السلب والنهب بحيث أصبحت من أكثر الدول فسادا في العالم.
 
الأطفال العراقيين الذين يتم جلبهم إلى إسرائيل من اجل العلاج يتم استقدامهم بعد أن يكونوا قد تم استحضارهم وفحصهم وترتيب كل ما يتعلق بهم في المنطقة الخضراء التي يوجد فيها مجلس النواب العراقي، أي أنهم لا يتم التعامل معهم في المريخ، والقضية ليست قضية مفاعل ديمونا النوويي بحيث تكون محاطة بكل هذه السرية بحيث لا احد من النواب يعلم بها، ومن المعيب أن يكون هنالك العشرات من النواب الذين استوطنوا المنطقة الخضراء لخوفهم من مغادرتها ولا يعلمون بان هنالك أطفال يتم “شحنهم” إلى إسرائيل من اجل العلاج، وهذا لا يمكن أن ينطلي على عقولنا ولا يجب أن يقال من الأساس لأن فيه إساءة للنواب انفسهم قبل ان يكون مسيئا لأي كان.
 
أن يذهب أطفال من العراق أو من غير العراق إلى خارج بلادهم للعلاج فهذا أمر طبيعي وهو يحدث في كل الدنيا، أما أن تضيق الدنيا على هؤلاء الأطفال فلا يجدون إلا إسرائيل للتوجه إليها، فهذا في الحقيقة أمر في غاية الابتذال والمهانة، وهذه المهانة “تلطخ” بداية القائمين على الشأن العراقي وعلى وزارة الصحة العراقية قبل أي طرف آخر ،عدا عن أن هذه المهانة تمتد لتصل كل طرف تورط في هذا الأمر بغض النظر عمن يكون.
 
إن توجيه الاتهام إلى منظمة أميركية بأنها وراء هذا العمل، وأنها أتت إلى العراق وأنها تقيم في المنطقة الخضراء إنما يدلل على أن الحكومة العراقية والبرلمان العراقي لا يعلم ما الذي يجري في العراق في أبسط المسائل وهذا ما يتنافى مع كل ما
يقال عن أن الحكومة العراقية هي صاحبة قرار مستقل وان البلد ذات سيادة وإرادة حرة ليس سوى جعجعة فارغة.
 
إن ما قيل عن دوافع إنسانية في الموضوع يمكن تفهمها ونحن هنا نحاول أن نجد الأعذار التي يمكن أن تدفع الأهل لفعل ذلك والموافقة على إرسال أطفالهم إلى إسرائيل من اجل العلاج، برغم عدم توفر القناعة الكاملة لدينا حول ذلك، ونحن لا نريد أن نخوض في مجال المشاعر الإنسانية هنا بقدر ما نحاول أن نتساءل عمن يقف وراء ما يحدث، وما هي الأبعاد الحقيقية لذلك، خاصة وأننا لا يمكن ولا بأي حال من الأحوال أن نجد أي بعد أنساني وراء الموضوع بالنسبة إلى إسرائيل التي لا تتردد في قتل وجرح وإعاقة وسجن عشرات الأطفال الفلسطينيين في كل شهر، وهي التي لم تتوان عن قتل عائلات بأكملها، وتنفيذ مجازر منظمة بحق أبناء الشعب الفلسطيني واللبناني، وهي التي ارتكبت المذابح بحق الأسرى المصريين ومدرسة بحر البقر وغيرها،  وهي التي تقف وراء عشرات حالات الإجهاض للنساء الفلسطينيات على الحواجز العسكرية الإسرائيلية من خلال منعهن من التوجه إلى المستشفيات، ولا يمكن أن يكون لذلك أي بعد إنساني بالنسبة لدولة الاحتلال التي تغلق المعابر حول القطاع وهذا ما تسبب بموت ما يزيد على 170 فلسطينيا بسبب هذا الإغلاق حتى كتابة هذا المقال.
 
الموضوع لا علاقة له بالإنسانية أو البعد الإنساني لا من الناحية الإسرائيلية أو الأميركية، فلا يمكن أن تكون أميركا التي تسببت بمقتل أكثر من مليون طفل عراقي خلال سنوات الحصار، وهل من الممكن أن تكون أميركا تبحث عن تخفيف آلام الأطفال العراقيين بعد ان ساهمت بتدمير كل المستشفيات العراقية وتسببت بهجرة الكفاءات العراقية في كل المجالات، وهي التي تسببت بكل الدمار للعراق.
 
أما عربيا وإسلاميا وهذا هو المهم، فان من العار أن يكون هنالك كل هذا العدد من الدول التي تقول بأنها عربية أو إسلامية ولا تتدخل في مثل هذه القضية ” ونسال هنا عن قصة المرأة التي صرخت وامعتصماه إذا ما كان العربان سمعوا بها أم لا، وأخشى أن نسال مستقبلا عما إذا كانت فعلا حصلت أم لا” ونتساءل هنا عن كل هذه المليارات التي تدخل ميزانيات الدول العربية المنتجة للنفط بشكل خاص، والتي تضاعف دخلها خلال أقل من خمسة سنوات إلى أربعة مرات بسبب ارتفاع أسعار النفط، هل هنالك مشكلة في تخصيص ولو 1% من الزيادة التي طرأت على أسعار النفط من اجل علاج ليس أطفال العراق فحسب بل وأطفال العالم، خاصة وان هذه النسبة لن تؤثر على مدخولاتهم، عدا عن أنها تشكل مليارات من الدولارات التي من الممكن أن تكون كافية لعدم تعرض هذا الطفل العراقي وأهله إلى هذه المهانة بالتوجه إلى حيث لم يكن ليعتقد ولو للحظة بأنه سيكون مضطرا لذلك في ظل هذا الواقع العربي “الرذيل”.
 
أما أن يتحول العراقي أو الرأي العام العراقي كما أشارت بعض التعليقات “ضد العرب” التي أثيرت حول الموضوع، فهذا متوقع في ظل التآمر الذي مارسه العربان على العراق، وفي ظل فرض الحصار عليه بأيد عربية، وفي ظل إدارة الظهر له بعد أن وقع فريسة للاحتلال الأميركي وفي ظل فتح الأجواء والمياه والأرض العربية من اجل ذبح العراق، ثم لماذا يجب أن نتوقع من الإنسان العراقي أن لا يدير الظهر للعربان وهو الذي وقف إلى جانبهم في كل ملماتهم ودافع عن بلادهم بينما قاموا هم بذبحه من الوريد إلى الوريد.
 
ذهاب الأطفال العراقيين للعلاج في دولة إسرائيل ليس سوى حلقة من حلقات الضعف العربي في هذا الزمن البائس، كما انه مهانة من المهانات الجديدة تلحق بأمة العرب قبل أي جهة أخرى، وهو عار كذلك في هذه الحالة يلحق ليس فقط بالمؤسسات الرسمية العربية متمثلة بالأنظمة والحكومات، لا بل هو يمتد ليصل إلى المنظمات العربية غير الرسمية والى المنظمات الإنسانية العربية والحقوقية ونقابات الأطباء وكل من له علاقة بهذا المجال، وبدلا من كل هذا الضجيج والصراخ، على هذه المنظمات أن تتعامل مع الموضوع بشكل جدي وان تبادر إلى الفعل والعمل بدلا من التباكي على استباحة أطفال العراق بهذا الشكل المهين.
 
بيت لحم
30-5-2008
اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات