الرئيسيةأرشيف - غير مصنفمن زنزانة لأخرى اتفاقية العار الأمريكي-العراقي

من زنزانة لأخرى اتفاقية العار الأمريكي-العراقي

ضحى عبد الرحمن
لا أظن إن الاتفاقية طويلة الأمد المزمع توقيعها في نهاية شهر

ضحى عبد الرحمن
لا أظن إن الاتفاقية طويلة الأمد المزمع توقيعها في نهاية شهر   تموز المقبل بين قوات الاحتلال وعملائهم من الحكومة العراقية ليبدأ تنفيذها في مطلع السنة القادمة سوى نقل السجين العراقي من زنزانة إلى زنزانة أخرى, أي من الزنزانة الدولية المتمثلة بالأمم المتحدة إلى الزنزانة الأمريكية مع إن السجن هو نفسه والسجين نفسه والسجان نفسه بقناع آخر فقط الحكم هو الذي أختلف, فقد كانت العقوبة الأولى أرحم من الأولى وما يقارب(18) عاما أما العقوبة الثانية التي سيدشنها السجين في زنزانته الجديدة فهي المؤبد.

الاتفاقية كما يبدو هي فخ كبير يضم الكثير من المهالك لكن تم تغطية سطحه بأغطية اقتصادية وثقافية للتمويه عما في أعماقه, والدليل على ذلك انه منذ العام الماضي تجري مفاوضات بين الطرفين العراقي والأمريكي دون أن يفصح عن ماهيتها أو حتى تسمى الأشباح التي تتفاوض باسم العراق مع الشياطين الأمريكية, وهذا دليل كبير على مدى استهانة هذه الحكومة بمشاعر الشعب العراقي وتغييبه من رسم حاضره ومستقبله, ألا شلت الأصابع التي دنست بالقيء البنفسجي وهي تنتخب هذه الوحوش البشرية.
من يفاوض من؟وكيف؟ ولماذا؟
مازلنا نعاني من القرار الجائر الذي فرضته الأمم المتحدة برقم661 لعام 1991 الذي دفع الشعب العراقي ثمنا باهظا من حياة أبنائه, ما يقارب المليون شهيد معظمهم من الأطفال والشيوخ والنساء والمرضى, وفاقة وفقر مدقع جعل أغنى شعب في العالم يتحول بفضل الشرعية الدولية إلى أفقر شعب في العالم خدمة للسيد الأمريكي الذي أغتصب بكارة الأمم المتحدة أمام أعين دول العالم كافة, ولم يجرؤ أحد أن يدينه على فعلته المنكرة, وفي الوقت الذي قررت الأمم المتحدة رفع الحيف عن القرار الذي فرض بموجب الفصل السابع فأنه الأمر كان مبيت له لإدخالنا في شر جديد وهي اتفاقية بين الكاوبوي الأمريكي وعشيقته العاهرة حكومة الاحتلال, ولكن هذه المرة الزواج دائم وليس زواج متعة كما كان يجري سابقا.
كل شيء جرى في الظلام وبصمت رهيب يدل على ضعف الحكومة العراقية وهي تركع تحت أقدام سيدها الأمريكي محاولة التخفيف من بعض الشروط القاسية التي ستجعلها أضحوكة أمام شعبها والرأي العام العربي والدولي وهي تبيع الوطن بأرخص الأثمان لمن دمره وقتل أكثر من مليون من أبنائه, قد عرفنا إن جزاء الإحسان هو الإحسان, أما يكون الإحسان جزاء القتل والتخريب والنهب أيضا فهذه معادلة لا ترتضيها قوانين السماء والأرض, ولكن كما يقول المثل” اللي يدري يدري واللي ما يدري كضبة عدس” فقد خرجت الأصوات هذه المرة ليس من العراق البلد المعني بالاتفاقية كما يفترض وإنما من بيروت على لسان السيد حسن نصر الله وفي إيران على لسان رجال الدين والسياسة, وكان الشعب العراقي يغط في نوم عميق” نايم ورجله  بالشمس” فهو آخر من علم بما جرى في الدهاليز العفنة ولكن عرف بعد خراب البصرة كما يقال.
نكاد أن نقف مذهولين أمام الشعب العراقي ومواقفه خلال السنوات العجاف الأخيرة فهو ليس الشعب الذي يزهو بماضيه وتأريخه الباهر ومواقفه البطولية وإرادته الحديدية التي لا تلين مهما اشتدت النوائب وتعاظمت الأمور, فقد تحولت قلعة الأسود بعد الغزو إلى جحر تعبث به الفئران! ومواقف شعب الذرى أمست ضبابية ومشوشة تحير الألباب وتدعو إلى العجب العجاب, لكنها لا تفصح عن حقيقة الأسباب.
 ملايين القتلى من العراقيين وملايين المهجرين قسرا داخله وخارجه وملايين الأيتام والأرامل وهو صامت؟
 
لا أمن ولا أمان ولا ماء ولا كهرباء ولا غاز ولا خدمات صحية أوتعليمية أو بلدية وهو صامت؟
 
ثروته تنهب وتباع في سوق النخاسة الأمريكية الصهيونية الإيرانية الكويتية بأقل الأثمان وهو صامت؟
 تنهب عشرات المليارات من الدولارات من قبل قوات الاحتلال وإذنابهم ممن يدعي الجنسية العراقية وهو صامت؟
 تتدخل كل دول العالم في شأنه الداخلي ويصبح ميدانا خصبا لمخابرات كافة دول العالم حتى تلك التي تقطن في المجاهل الأفريقية ويدفع أبنائه ثمن فاتورة صراعهم من دمائه الزكية وهو صامت؟
محاولات مستميتة لاغتيال عروبته واستئصال دوره القومي وسلب هويته العربية وهو صامت؟
تدمر حضارته وتنهب آثاره وكنوزه من متاحفه وأرضه ويمحق تأريخه وهو صامت؟
بالأمس استهدفوا القرآن الكريم دون أن يرف له جفن! واليوم يبيعون مستقبله ومستقبل أجياله القادمة وهو صامت؟
والله ثم والله ثم والله.. لولا وجود المقاومة الوطنية الباسلة التي تفرض وجودها على أرض وسماء العراق لما كان هذا العراق نفسه ولما تشرفنا بالانتساب إليه؟ لم يبقى لنا أمل سوى في المقاومة فهي عنوان العراق الوحيد وبوابة الكبرياء المجيد وراية المجد التليد, إنها اختزال مركز لمجدنا وهويتنا وحضارتنا وبدونها لإنطبق علينا قول الشاعر(مع تحويرنا له):-
قوموا واستفيقوا أيها العراقيون        فقد طمى الخطب حتى أدمى العيــــــــون
الله واكبر ما هذا المنــــام فــقد        شكاكم المهد وساءت بكـــــم الظنـــــــــون
وفارقتكم لطول الذل نخوتكــم        فلا تدنيس قرآن يوقظكم ولا عهر و مجون
قد اشتاقت الترب لأجسادكـــم        ترف للفئران أجفان ولا ترف لكم جفــــون
بعد أن فاحت الرائحة الكريهة من بالوعة الاتفاقية خرجت بعض الأصوات الحكومية من هنا وهناك لتبرأ نفسها من دم يعقوب, بعد أن كانت تشارك وتراقب وتتفاوض باسم الشعب الذي يجهل كل شيء عن ما يجري في الكواليس منذ أشهر عديدة, وكان إعلانهم البراءة أسهل مما يتصوره البعض, إنها تذكرنا بقصة دليل سياحي أحمق رافق وفدا سياحيا في متحف وكان في المتحف ذئب محنط, فقال الدليل للوفد ” هذا هو الذئب الذي أكل النبي يعقوب” فرد احد السياح متعجبا” لكن يعقوب لم يأكله ذئب كما أعرف”؟ فرد الدليل” لا توجد مشكلة! هذا هو الذئب الذي لم يأكل النبي يعقوب”؟ بمثل هذه البساطة خرجت هذه الأصوات متلبسة لباس الوطنية لتعارض الاتفاقية المذلة بعد أن بلغ السيل الزبى. وتصارح الشعب بأن هناك اتفاقية مهينة مع إدارة الاحتلال وهي تمس سيادته ومستقبله؟ وكأن كل الممارسات السابقة واللاحقة لقوات الاحتلال لا تمس سيادة العراق ولا تمتهن كرامته وكرامة شعبه؟
الاتفاقيات كما هو معروف في كل دول العالم تجري بين دولتين ذات سيادة ومتكافئتين وليس بين إدارة احتلال وحكومة احتلال, إنها ستكون عندئذ أشبه باتفاق بين سيد وعبد, أو سجين وسجان أو بين دولة منتصرة وأخرى خاسرة للحرب تذعن لشروط الاستسلام. الم يقل شاعرنا المتنبي قبل قرون:-
وهبني قـلت هذا الصبح ليـل ***** أيعمى العامون عن الضياء؟
وكانت للقوى الوطنية المعروفة على المشهد السياسي العراقي دورا مهما في فضح سر المؤامرة الجديدة وخرجت التظاهرات في بغداد منددة بالاحتلال ورافضة لتقديم العراق على طبق من ذهب لقوات الاحتلال باتفاق تفوح منه رائحة الغدر والخيانة والذل والعار!
والحمد لله والشكر له.. إنها المرة الأولى التي تتوحد فيها إرادة العراقيين ويجتمعوا تحت ظل خيمة وطنية واحدة بغض النظر عن طوائفهم وقومياتهم وتوجهاتهم الفكرية ليقولوا بصوت واحد كلمة: لا بوجه الطغاة.. وهي البداية الصحيحة التي نأمل أن تنشر بذورها الحسنة في بقية المحافظات الصامتة, وتتناسل بمواقف أخرى في المستقبل القريب. مواقف موحدة تعيد للشعب العراقي مجده السليب وتأريخه النضالي المفقود, عسى أن يغفر لنا الله ضعفنا وتشتتنا وتراخينا, ونعيد لأجدادنا العظام بعض من كبريائهم التي هدرها أحفادهم وان يغفروا لنا خيانة وصاياهم.
 
ضحى عبد الرحمن
كاتبة عراقية
اقرأ أيضاً
- Advertisment -spot_img

أحدث الأخبار

منوعات