إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الحوار الفلسطيني بين المصالح الضيقة والمصلحة الوطنية// رشيد شاهين

يمكن القول أن الدعوة التي أطلقها الرئيس الفلسطيني محمود عباس قد فاجأت البعض أو الكثيرين في الساحة الفلسطينية من حيث التوقيت والتغير في اللهجة على الأقل، هذه الدعوة التي قيل أنها أقلقت الدوائر الإسرائيلية كما الأميركية بحيث تم تسريب أخبار مفادها أن رايس اتصلت بالسيد أبو مازن لتتحرى أبعاد دعوته للحوار وقيل بأنه رد عليها بأنه لم يغير من شروطه التي كان قد أعلن عنها في أكثر من مناسبة فيما يتعلق بالمصالحة والتي على رأسها تراجع حركة حماس عن “انقلابها العسكري” أو ”حسمها العسكري” كما يطلق البعض عليه. كما تردد بأن أحد أهم أهداف زيارة الوزيرة الأميركية لمنطقة كانت لوضع العصي في دواليب الحوار الفلسطيني والتلويح بجزرة المساعدات وعصا الحصار فيما لو ذهب أبو مازن بعيدا في حواره مع حركة حماس وبالتالي رأب الصدع الفلسطيني. طبعا عدا عن الأهداف الأخرى سواء المعلنة منها أو غير المعلنة.
 
بغض النظر عن دقة تلك الأخبار أو التقارير أو عدم دقتها إلا أن الحقيقة التي لا بد للسيد أبو مازن ومن خلفه حركة فتح إدراكها – ونحن نعتقد بأنهم مدركون لها- بأنه كان لتلك الدعوة تفاعلات في الشارع الفلسطيني اقلها أنها بعثت الأمل في نفوس الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني من أن ” الغمة” إذا جاز أن نسميها هكذا- برغم أننا نعتقد بأنها كانت كارثة أو إعصار ضرب القضية الفلسطينية في الصميم– سوف تنتهي أو على الأقل قربت نهايتها برغم أننا نعتقد بان وضع حد لنهايتها ليس بالأمر الهين – ولا نريد هنا أن نكرر الأسباب لذلك والتي كنا قد تحدثنا عنها في مقال سابق والتي على رأسها أن إسرائيل وأميركا وكل أعداء الشعب والقضية الفلسطينية بما في ذلك الأطراف الفلسطينية التي تورطت بالدم الفلسطيني لن يقفوا مكتوفي الأيدي أمام محاولة اعادة الوحدة-.
 
أن يعلن السيد أبو مازن عن رغبة في الحوار وأن تعلن حركة حماس عن رغبة أو قبول لتلك الدعوة ليس بالأمر الشاذ ولا المستهجن ولا غير الطبيعي، لكن على حركتي فتح وحماس الإجابة على الكثير من الأسئلة التي لا بد أنها تتلاطم أو تتزاحم في رؤوس العالم- وهنا نقصد الفلسطينيين- أسئلة لا بد من إجابات شافية وكافية ولا يكفي ولن يكفي الإجابات الدبلوماسية أو “الغمغمة والمغمغة” التي لا تقنع المستمع، إجابات تقنع السائلين بدون مواربة وبدون لف أو دوران، خاصة وان الذي حدث لم يؤثر فقط على حركتي فتح وحماس فقط، بل هو جر القضية الفلسطينية إلى مجاهل ومتاهات دفع ثمنها الكثير من أبناء الشعب الفلسطيني كما واثر على القضية الفلسطينية بشكل عام، ولا اعتقد بان أحدا كان سيتساءل في العمق لو أن الأمر اقتصر على الفصيلين فقط،- ليس لأن أمر الفصيلين لا يهمنا ولكن لأن ضرره سيكون محصورا بهما فقط، وبالتالي تكون الأمور أكثر أو أسهل وقابلة للعلاج والتعامل معها- ولم يؤثر على مجمل القضية بشكل عام، حيث أن هذا هو شانهم، أما أن يتم أخذ القضية رهينة خلافاتهما وتنافسهما فهذا غير مقبول ولا يمكن ولا يجب أن يمر هكذا مرور الكرام أو بتبويس اللحى.
 
ليس هذا فقط لا بل يجب أن يتم توضيح موضوع الدعوة في ظل بعض التصريحات التي صدرت عن بعض الشخصيات القريبة من أبو مازن والتي قالت بان شروط الحوار لم تتغير وأنها باقية كما هي، وهذا الأمر ينطبق على حركة حماس حيث أشارت بعض التقارير أن هنالك من لديهم تحفظات في الحركة على موضوع التهدئة، وفي هذا الإطار لا بد من موقف واحد وحيد موحد من قبل الطرفين، ولا نعتقد بأن هنالك مبررا لوجود أكثر من ناطق يتحدث عن الموضوع لان في ذلك إرباك للناس غير مبرر ولا مفهوم المقاصد.
 
كذلك فانه لا بد من أن تكون الفصائل الفلسطينية لاعبا أساسيا في قضية الحوار الذي يجب إن يكون شاملا وان لا تقبل أن تكون شاهد زور أو أن تبقى في الظل، خاصة – كما أشرنا أعلاه- ان الموضوع لا يعني الفصيلين المتنازعين بل هو يؤثر على مجمل القضية الفلسطينية لا بل واثر عليها وأساء إليها كما لم يسئ أي خلاف من قبل، ودفع الشعب الفلسطيني والقضية ثمنا باهظا له، وعلى هذا الأساس فانه لا بد من أن يكون الحوار شاملا يعالج المسائل كافة ويشترك الكل الفلسطيني- الفصائل المنضوية في أو خارج منظمة التحرير- في وضع التصورات والآليات لمنع تكراره والانطلاق بالقضية الفلسطينية كقضية عامة تخص الشعب الفلسطيني وليس قضية هذا الفصيل أو القائد.
 
الوضع الفلسطيني لا يمكن أن يسر الصديق – إن كان ثمة أصدقاء حقيقيين لا زالوا حريصين على الشعب الفلسطيني – فهو اقرب ما يكون إلى الهاوية خاصة في ظل حالة الانقسام التي يراهن البعض على استمرارها، وبالتالي ترسيخ هذا الانقسام ليتحول إلى واقع مرير يتشكل فيه ومن خلاله ما يشبه الكيان في قطاع غزة، ليتم بعد ذلك الانفراد بالضفة الغربية التي نجحت إسرائيل في تقطيعها كما خططت من خلال كل هذه الكتل الاستيطانية والجدار الذي يتلوى في أحشاء الضفة فيزيد من حالة السوء عدا عن عملية التهويد المستمرة لمدينة القدس التي من المفروض أن تكون مدينة عربية إسلامية تهم جميع المسلمين في العالم.
 
حيث أن الوضع الفلسطيني لا يمكن أن يكون بمعزل عن المنطقة أو الإقليم وحيث ان الجميع يرى ان الأخطار المحدقة بفلسطين هي أخطار جمة فإننا نعتقد أن على الجميع ان يحاول كل الجهد الممكن من اجل الوصول بالوضع الحالي الى الوضع الأفضل أو إلى وضع أفضل على الأقل، كما أن على القيادات الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس محمود عباس أن لا يغفل بعض الجهات أو الدول التي يعلم الجميع أن لها تأثيرها في الساحة الفلسطينية والتي على رأسها كل من سوريا بحكم وجود قيادات الفصائل الفلسطينية هناك وإيران التي تتمتع بعلاقات حميمة ومتينة يعلمها الجميع مع حركة حماس والجهاد الإسلامي بشكل خاص عدا عن علاقاتها بكل الفصائل الفلسطينية بشكل عام، وحيث لا يمكن أن يفهم أي محاولة لاستبعاد تلك الدول إلا من خلال عدم الجدية في الدعوة للحوار، كما أن القضية الفلسطينية هي قضية ذات أبعاد عربية وإسلامية وبالتالي فان من غير المعقول التعامل مع الوضع القائم بعيدا عن ذلك.
 
أخيرا لا بد من أن يبتعد الطرفان المتنازعان عن حسابات الربح والخسارة الضيقة للفصيل، خاصة وأننا ندرك أن لكل حساباته، فالسيد عباس وفتح يعلمان بأن الأوضاع في ظل الحصار المفروض على القطاع أصبحت كارثية وهذا ما يمكن أن يسبب إحراجا لحماس التي لم تستطع تحسين الأوضاع في قطاع غزة في ظل الحصار الظالم خلال عام من الانقسام، وهي قد تكون معنية بالوصول الى إعادة اللحمة “بدون أن تبدو وكأنها في حالة استعجال أو تهالك حتى لا يحسب هذا عليها” من اجل عدم مواجهة المزيد من الإحراج أمام الجماهير الفلسطينية في القطاع، والرئيس عباس كذلك يريد أن يقوي جبهة الداخل الفلسطيني من خلال الوصول الى المصالحة وبالتالي أن – يستقوي إذا جاز التغبير- وأن يقطع الطريق على من يتذرعون بهذا الواقع الانقسامي، وحماس تدرك ذلك بالتأكيد، كما أن حماس تريد مزيدا من الاعتراف بها على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وهي تعلم أن ما تقوم به مصر وغيرها خاصة في – موضوع التهدئة والمعابر وإنهاء الحصار- إنما يصب في هذا الاتجاه، وهذا ما قد يجعلها “غير مستعجلة أيضا من هذه الزاوية تحديدا” على إنهاء الوضع حتى تتحقق شروطها، هذه الحسابات التي نعتقد بأنها إذا ما ظلت قائمة فهي لن تقود إلا إلى مزيد من التشظي والانقسام. ومن هنا فان الجميع بما في ذلك لا بل وفي المقدمة فتح وحماس أن يتوقفوا عن حساباتهم الضيقة التي لن تتقدم أماما بالمسالة الفلسطينية بشكل عام.
 
بيت لحم
 
16-6-008
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد