إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

فى الكذب السياسى// دكتور ناجى صادق شراب

تحمل السياسة معان كثيره ، بالمعنى العلمى تعنىالتغيير المنظم الهادف نحو تحقيق أهداف سياسية محدده بما يتوافق والقدرات والإمكانات المتاحه ، أما فى المعنى الشعبى فالسياسة تقترن فى أذهان عامة الناس بعدم الصدق والخداع والكذب ، ولذا يقال عادة فى التعبيرات الشعبية : البعد عن السياسة راحه ، والساسة منافقون كذابون ، ومالى ومال السياسة ، والسياسى الكبير ليس إلا كذابا كبيرا ، هنا المعنى الشعبى يحمل السياسة مفاهيم ومعان بعيده عن الصدق والأخلاق والفضيلة ، ومن يتعامل مع السياسة يلجأ إلى كل أساليب التحايل والتزوير وخداع الناس ، وأساليب التبرير والتسويف والمماطله لتمرير هدف معين أو فكرة معينه أو حتى لتبرير قرار سياسى أو سياسة ما ، وغالبا ما تكون فاشله.

والكذب نقيض الصدق الذى يبحث عن الحقيقة والتى تقود إلى مخاطبة الذات ، ولذا الصدق يحمل معنى المسؤولية والمساءله ، وهذا ما يعبر عنه بالصدق الفنى أو الصدق فى التمثيل وفى المشاعر التى تصل إلى داخل النفس البشرية مما يحدث حاله إنفعاليه من الصدق مع الحدث ذاته . أما الكذب السياسى فعلى عكس ذلك تماما قد يكون مبررا أو غير مبرر ، وهنا تبرز كتابات فلاسفة المدرسة الواقعيه الذين يوظفون منطقهم ومقولاتهم حتى لو كانت غير حقيقيه لتحقيق مصالح خاصه .وما كتبه ميكيافيلى فى هذا الخصوص فى غاية ألأهمية عندما طلب من أميره فى كتابه ألأمير من أن يكون أسدا وثعلبا ، وان يكون مخادعا وأن لا يلتزم حتى بالمعايير ألأخلاقية ومن هنا عبارته المأثوره الغاية تبرر الوسيله، ومن هذه الفلسفة تستمد الواقعية السياسية وفكر المحافظين الجدد أصولهم الفلسفية والفكرية ، وهو ما يفسر لنا الكثير من القرارات السياسية والحروب والصراعات فى المنطقة ، تحت ذرائع وحجج بعيده تماما عن الصدق وألأخلاقية .وهذا يعنى من بين أمور ودلالات سياسية كثيره أن قرارا بالحرب أو بالعدوان والقتل للمدنيين قد يبرر بالكذب أو ألإدعاء باهداف نبيله ، أى يتم الربط بين الكذب وأهداف وغايات سياسية نبيله مثل محاربة ألإرهاب ، أو من أجل الإصلاح الديموقراطى أو بهدف إنقاذ شعب من المجاعة ، أو حماية لشعب من حاكم مستبد .والكذب السياسى له مستويان مستوى عام يربط بينه وبين تحقيق مصلحة عامه وهذا قد يكون أقل خطرا وأكثر قبولا ، وقد يكون لأسباب خاصه لدعم حكم أو سلطة أو إنقلاب أو لتبرير سياسات بالإعتقال وفرض حالة من ألأمر الواقع أو ملاحقة مناضلين والتهم والذرائع ليست صعبه على حكم يتحكم فى الآله الإعلامية الضخمه أو فى القدرة على حجب الحقيقية ، وخصوصا فى نظم سياسية تعدم فيها وسائل الشفافية والرقابة والمسؤلية والإعلام الحر والمواطن المتحرر من خوف وبطش السلطة وأدواتها القمعية والمعيشية. 

وألأمثلة كثيره قرار الولايات المتحده بالحرب على العراق تحت حجة إمتلاك العراق لأسلحة دمار شامل ، والصورة قد تتكرر فى إيران ، وعليه الكذب السياسى قد يكون وسيلة لإخفاء أهداف ونوايا حقيقيه غير معلنه مثل السيطرة على النفط أو أرض ما ، أو تجزئة لدولة وسلطة وحكم ، وقد يكون فى الرغبة بإقامة حكم مستقل ومنفصل . فهذ خائن ، وهذا عميل ، وهذا متورط فى فساد وآخر فى جريمة ، ورابع فى التآمر على السلطة ، سلسلة لا متناهيه من دعم الكذب السياسى الذى يقوم على المنطق السيكولوجى ، وليس بالإستناد على الأدلة والحجج المادية الصادقه . وهنا يأتى دور ألأعلام وقدرة السياسييين على الخطابة والإقناع واللعب بعواطف المواطن العادى الذى كل شئ مصدق لديه طالما ان مصدره الحكم الداخلى وحتى ولو جاء على حساب صدق ألآخرين .

والكذب السياسى له دلالات سياسية خطيره أولها وأخطرها تعميق الإستبداد السياسى ، والإستخفاف بعقول الأفراد فمن شأنه ان يلغى الشخصية الفردية الواعية والمسؤولية فيتحول الإنسان إلى ترس فى عجلة كبيره يردد ما يردده حكامه بوعى أو دون وعى . ولذلك تلجا مثل هذه نظم إلى تعطيل مؤسسات المسؤلية والمساءلة أو تحولها إلى أدوات فى يدها ، وتعطيل الحريات والحقوق المدنية ، ومن الدلالات الخطيره إنتشار ظاهرة الفساد وتحولها إلى مؤسسة ضخمه يصعب التغلب عليها ، ويأتى الكذب على حساب قيم الفضيلة والأخلاق وإحترام الشرعية السياسية ، ويضخم من الذات الفرديه التى تكتسب صفة القداسه التى لا يجوز المساس بها . والخطورة فى الكذب السياسى أنه يوظف فى سياق مسحات تبشيريه أخلاقيه وآمال متوقعه . وأخطر ما فى الكذب السياسى ان الواطن العادى هو الذى يدفع ثمن هذا الكذب الذى يقترفه الحاكم او السياسيين . والكذب السياسى يبرر الهزيمة بالنصر والفشل بالنجاح ، والديموقراطية بالإستبداد ، والظلم بالعدل ، والرذيلة بالفضيله . والقتل بالجريمة ، والفساد بالشفافية ، وأخيرا لا يمكن محاربة الكذب السياسى إلا بالعودة والتمسك بقيم الفضيلة والأخلاق والصدق والحوار الذى يبحث عن الحقيقة وبلحوار الذى يسعى لخلق المواطن والمواطنه والإنتماء والولاء لقيم الأمة وليس لأخلاقيات الحاكم الفرد.

دكتور ناجى صادق شراب /أستاذ العلوم السياسة

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد