إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

سباق مع الزمن في العراق

Zaman

بقلم نقولا ناصر*
فيما يشبه سباقا مع الزمن تخوضه الادارة الاميركية في واشنطن والادارة المحلية التي انشاتها وكيلة لها في بغداد شهد العراق مؤخرا ثلاث تطورات كشفت نفاد صبر كلتيهما للخروج ب”انجازات ملموسة”

قبل ان يسقط عنهما قناع شرعية الامم المتحدة الذي يتستران به عندما ينتهي تفويض مجلس الامن الدولي لهما في نهاية العام الحالي من اجل ترتيب اوضاع الاحتلال بطريقة تؤمن اسر العراق كدولة تدور في فلك الولايات المتحدة الى امد عير منظور ، نفطيا وعسكريا وسياسيا  ، بفرض حقائق على الارض لا تترك امام أي ادارة اميركية جديدة اوائل العام المقبل سوى مواصلة مشروع الاحتلال وفي الوقت نفسه تمنح بوش بعض “الجوائز” التي تمكنه من انهاء ثماني سنوات عجاف من عهده بادعاء تحقيق نصر حرمته من اعلانه حتى الان المقاومة الوطنية العراقية وصراع القوى المحلية والاقليمية المؤتلفة تحت مظلة الاحتلال المتكالبة على النفوذ والمصالح والمغانم والمناصب والثروة العراقية المستباحة .

 

وفي حمى السباق مع الزمن لم تعد حكومتا البيت الابيض والمنطقة الخضراء تابهان ب”ستر” تحديهما لمعارضة الشعبين الواسعة للحرب العدوانية غير العادلة على العراق ولا باظهار الحد الادنى من الاحترام لاي غطاء كانتا تحرصان حتى الان على تامينه من الشرعية الدولية او من القوانين الوطنية حتى تلك التي سنوها هم انفسهم بقوة السلاح وحكم الامر الواقع . 

 

وينبغي لمن ما زال من العراقيين والعرب والايرانيين في قلبه وعقله بعض شك في ان واشنطن بجمهورييها وديموقراطييها تسعى الى وضع العراق في فلك الولايات المتحدة الى امد غير منظور طمعا في نفطه وفي تحويله الى قاعدة انطلاق عسكرية لفرض شروط شركات النفط العملاقة الاميركية والاوروبية على صناعة انتاج النفط في الجوار العربي والايراني على حد سواء وللانطلاق من العراق كجسر عسكري نحو افغانستان لتعزيز قاعدة مماثلة لها هناك تنطلق منها لفرض شروطها النفطية نفسها في اسيا الوسطى على ثاني اكبر مستودع لاحتياطيات النفط في العالم بعد الشرق الاوسط .. ينبغي لمن ما زالت تراوده شكوك في ذلك ان يتوقف عند ثلاثة اخبار في الاسبوع الماضي .

 

فطبقا للنيويورك تايمز يوم الخميس الماضي قامت حكومة المنطقة الخضراء ببغداد بمنح اربع شركات نفطية كبرى اميركية وبريطانية وفرنسية ، هي اكسون – موبيل وشل وبريتش بتروليوم وتوتال ، عقودا “غير عادية .. من المتوقع اعلانها في 30 حزيران / يونيو” الجاري تمت صياغتها  ، على ذمة تايمز ، باعتبارها “اتفاقيات خدمات” للالتفاف على مسودة قانون النفط التي اقرته هذه الحكومة ،عملا بنصائح المستشارين الاميركيين الذين ما زالوا قابعين في وزارة النفط ، لكنها ما زالت عاجزة عن الوفاء يوعودها لراعيها الاميركي بتمريره عبر البرلمان . وقد ابرمت هذه الصفقات “دون مناقصات” مما حرم  من المنافسة (46) شركية نفطية عالمية منها روسية وصينية وهندية موقعة على مذكرات تفاهم مع هذه الحكومة التي وافقت في العقود الجديدة على ان تدفع للشركات الاربع نفطا لا نقدا مقابل “خدماتها” مما يحول هذه الشركات الى منافس غير عضو في منظمة “اوبيك” للدول الاعضاء المنتجة للنفط ، ومما دفع وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس الى القول ل”فوكس نيوز”: “لقد بدا الامر يصبح مثيرا للاهتمام في العراق” . لكن الامر كما يبدو ما زال غير “مثير للاهتمام” للمحيط العربي والايراني لكي تستنفر هذه الانعطافة النفطية الاستراتيجية في العراق جهدا موحدا يتصدى لمبادرة عودة الشركات الغربية الى السيطرة مجددا على الثروة النفطية في المنطقة ، ولاول مرة في العراق منذ طردت منه اوائل سبعينيات القرن العشرين الماضي ، بعد التضحيات الجسيمة التي قدمتها شعوبها للتحرر من سيطرتها بوضع هذه الثروة تحت سيطرة الدولة الوطنية بالتاميم او بوسائل اخرى .

 

اما الخبر الثاني فكان اقدام القيادة “الديموقراطية” لمجلس النواب في الكونغرس الاميركي في اليوم نفسه الذي نشرت التايمز خبرها ، الخميس الماضي ، على تمرير قانون جديد لتمويل الحرب العدوانية التي يقودها منافسوهم “الجمهوريون” في العراق وافغانستان بمبلغ (165) مليار دولار يغطي تكاليفها للعام المقبل ليزيد اجمالي ما اقره الكونغرس على (600) مليار دولار لتمويل هذه الحرب التي تعارضها الاغلبية الساحقة من الشعب الاميركي . ومثلما لم تنتظر لا حكومة المنطقة الخضراء ولا الشركات النفطية التي تعاقدت معها اقرار أي قانون للنفط العراقي لم ينتظر الكونغرس الاميركي ولا الحكومة الاميركية التي اقترحت مسودة مشروع القانون الجديد أي غطاء قانوني عراقي او من الامم المتحدة لوجود قواتهم في العراق خلال العام المقبل معتبرين الموافقة المضمونة للحكومة التي انبثقت عن احتلالهم وغزوهم في المنطقة الخضراء امرا مفروغا منه وغطاء شرعيا كافيا سواء ابرمت او لم تبرم “الاتفاقية الامنية” الاميركية العراقية المامولة في الموعد المحدد لها قبل نهاية الشهر المقبل لتوفير الغطاء المطلوب وسواء مدد او لم يمدد مجلس الامن الدولي تفويضه للقوات الغازية المحتلة بموجب الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة عندما ينتهي هذا التفويض في (31) كانون الاول / ديسمبر المقبل .

 

وكان الخبر الثالث هو لحاق الشريك البريطاني الصغير في غزو العراق واحتلاله بالقيادة الاميركية للاحتلال للمطالبة  بابرام اتفاق امني يشرعن لوجود عسكري بريطاني “طويل الامد” في العراق وتوقع وصول وفد بريطاني الى بغداد لهذا الغرض في تموز / يوليو المقبل ، كما قال الناطق ياسم الحكومة البريطانية جون ويلكس لصحيفة الصباح في السابع عشر من الشهر الجاري ، ويبدو ان لندن قد تشجعت بتهاون حكومة المنطقة الخضراء امام المطلب الاميركي المماثل وتاكدت من اصرار واشنطن على هذا المطلب لكي تحذو حذوها .

 

وتكشف التطورات الثلاث المدى الذي وصل اليه هوان السيادة العراقية والاهانة الوطنية التي الحقها بها اولئك الذين يحاصرهم شعبهم في المنطقة الخضراء ممن يسعون الى منح “شرعية عراقية” لا يملكونها لاستبدال الاحتلال الاميركي المباشر تحت الوصاية محدودة الاجل للامم المتحدة باحتلال اميركي مباشر لا نهاية لاجله ودون وصايتها ، وهم انفسهم الذين نصبهم الاحتلال الاميركي حكاما للعراق بعد ان بحت اصواتهم لسنوات قبل ذلك وهم يتهمون حكم البعث الوطني والقومي السابق ب”العمالة” لاميركا لسببين اولهما انحيازهم لدولة معادية في حالة حرب مع وطنهم خلال الحرب العراقية الايرانية وثانيهما الاتفاقية الامنية العراقية السعودية لينكشف الان حقيقة ملموسة على الارض صحة ما كان يتهمهم به ذاك الحكم من “عمالة” لاميركا وايران معا .

 

غير ان هناك تطورا رابعا لا يقل اهمية يتمثل في انتهاء شهر العسل الاميركي الايراني في العراق ويؤشر الى ذلك تاجيل الجولة الرابعة للحوار الى اجل غير مسمى كما ان المعارك الاخيرة في البصرة والكوت والعمارة ومدينة الثورة في بغداد وقبلها معارك النجف الاشرف وكربلاء بقدر ما تعكس الصراع بين الطرفين فانها بالقدر نفسه تؤكد ان اللعب على الحبلين الايراني والاميركي في ان معا لم يعد ممكنا بعد الان بعد ان اتقنه المتكالبون على خدمة مشروع الاحتلال وتوفير غطاء “عراقي” له طوال خمس سنوات لان واشنطن لم تعد تقبل شركاء بل تابعين لها في العراق وان وصفت تبعيتهم لها بالشراكة لاسباب لا تخفى على احد .

 

وهكذا فان الاوضاع في العراق تتجه نحو خلق ارضية مشتركة لجهد عربي ايراني مشترك من ناحية ولوحدة وطنية عراقية من ناحية ثانية للحيلولة دون الاحتلال واسر العراق كدولة تدور في الفلك الاميركي الى امد غير منظور . غير ان الدلائل والقرائن تشير الى اتجاه معاكس ، حيث ينحني العرب امام ضغوط العاصفة الاميركية التي تجتاح المنطقة ، بينما ما زال الايرانيون اسرى الوهم بانه ما زال في وسعهم التسلل تحت عباءة الاحتلال لتحقيق مصالح اقليمية ما كانت لتتوفر لهم لولاه ليغيب عنهم وعن جوارهم العربي معا ان عواصمهم جميعا ستكون المحطة التالية للاجتياح الاميركي ان مكنوه من تامين محطته العراقية . ومما لا شك فيه ان انعدام التنسيق العربي الايراني على قاعدة مقاومة مشروع الاحتلال ما زال ينعكس سلبا على الوحدة الوطنية العراقية وعلى نجاعة المقاومة العراقية للاحتلال واذا ما استمر انعدام التنسيق هذا فانه لن يدخل التاريخ الا باعتباره كان تسهيلا حاسما لنجاح الاحتلال .

 

وعلى سبيل المثال تضغط الحكومة الاميركية على العرب بمطلبين تلح عليهما بشان العراق اولهما ارسال سفرائهم الى بغداد وثانيهما اعفاء العراق مما لا يقل عن (67) مليار دولار يدين بها للسعودية والكويت والامارات وقطر اضافة الى (28) مليار دولار تعويضات حرب للكويت تقوم لجنة تعويضات تابعة للامم المتحدة من مقرها في جنيف بحسم خمسة بالمائة من عائدات العراق النفطية لصرفها .

 

وفيما يتعلق بالمطلب الاول يلاحظ انه بينما ما زالت دولة حليفة لواشنطن مثل كندا تدير مصالحها في العراق عبر سفارتها في الاردن ابلغ وزير الخارجية الشيخ عبد الله بن زايد ال نهيان نظيره هوشيار زيباري في بغداد قبل اسبوعين تسمية سفير للامارات العربية المتحدة في العاصمة العراقية ، كما قال زيباري مضيفا للشرق الاوسط اللندنية في الحادي عشر من الشهر الجاري ان الكويت والبحرين والاردن قررت تسمية سفرائها ايضا لكن القاهرة ابلغته بعزمها ارسال وفد للكشف على السفارة المصرية تمهيدا لاعادة فتحها بينما كانت الرياض قد ارسلت وفدا الى بغداد لفحص امكانية فتح السفارة السعودية فيها التي لم تفتح منذ الغزو الاميركي عام 2003 . وقال زيباري ان منظمة المؤتمر الاسلامي وافقت على فتح “مكتب تنسيق” لها في بغداد . ولا يوجد حتى الان سفير عربي واحد في بغداد لكن توجد خمس سفارات لسوريا ولبنان وفلسطين واليمن وتونس يديرها قائمون بالاعمال . وكانت الامارات قد علقت اعمال سفارتها في العاصمة العراقية في الشهر السادس من عام 2006 بعد اختطاف قنصل لها لكنها لم تغلقها بينما اغلقت مصر سفارتها بعد مقتل القائم باعمالها عام 2005 ومثلها فعلت الجزائر اثر اغتيال اثنين من دبلوماسييها في العام نفسه ومثلهما فعل الاردن بعد تفجير سفارته في سنة 2003 .

 

وكان انعدام الامن وليس الاحتجاج على الاحتلال الاميركي هو الدافع الرئيسي لعدم فتح السفارات العربية او لاغلاقها ، باستثناء العربية السعودية التي قدمت لاستنكافها عن التبادل الدبلوماسي مع عراق ما بعد الاحتلال سببين سياسيين اضافة الى العامل الامني اولهما استفحال النفوذ الايراني كما كرر القول وزير الخارجية الامير سعود الفيصل وثانيهما ما وصفه ملك العربية السعودية وخادم الحرمين الشريفين عبد الله في 29 اذار / مارس 2007 بانه “احتلال اجنبي غير شرعي” . والملاحظ ان هذا “الانفراج الدبلوماسي” بين الدول العربية وبين عراق ما بعد الاحتلال لم يات لان “الوضع الامني” قد شهد انفراجا نوعيا في العاصمة العراقية ولا لان العراق قد استرد سيادته وتحرر من الاحتلال ، بل هو انفراج ينسجم اكثر مع الضغوط الاميركية على الدول العربية الحليفة او الصديقة قبل غيرها من اجل اضفاء شرعية عربية على الوضع العراقي المنبثق عن الاحتلال والمستمر فقط بفضل استمرار الاحتلال . وفي هذا السياق يمكن رصد بداية الانفراج الدبلوماسي العربي تجاه العراق بدعوة حكومة المنطقة الخضراء لاول مرة لحضور اجتماع وزراء خارجية الدول العربية ال (6 + 2) مع وزيرة الخارجية الاميركية رايس الذي انضم فيه زيباري الى نظرائه من دول مجلس التعاون الخليجي الست والاردن ومصر في البحرين نهاية شهر نيسان / ابريل الماضي .

 

ويتضح من ذلك ان قوة الاحتلال الاميركية تدرك جيدا ان شرعية أي نظام تقيمه في العراق سوف تظل شرعية مطعونا فيها ولا مصداقية لها طالما ظل الاعتراف العربي بها غائبا من جهة وطالما المقاومة الوطنية العراقية لها مستمرة من جهة اخرى وان امن هذه الشرعية المفقودة سوف يظل رهنا بهذين العاملين ، وهي تدرك ايضا ان افضل طريقة لحصار المقاومة هي حرمانها من عمقها الجيوبوليتيكي العربي ، فهذا هو الدرس الاهم للاحتلال الاميركي بعد اكثر من خمس سنوات على الغزو ، اذ بالرغم من شرعية الامم المتحدة والشرعية الغربية والشرعية الايرانية التي اغدقت عليه ما زال النظام المنبثق عن الاحتلال والمستمر بحمايته محاصرا في المنطقة الخضراء ببغداد .

 

وفيما يتعلق بالمطلب الثاني بادر رئيس الوزراء نوري المالكي في مؤتمر الامم المتحدة الذي افتتحه الامين العام بان كي – مون في السويد اواخر ايار / مايو الماضي لبحث الديون العراقية الى مناشدة: “اخواننا واصدقاؤنا وشركاؤنا .. الالتزام بدعم سيادة العراق .. واعفائه من ديونه” . لكن الدول العربية المعنية التي حضرت المؤتمر بمستوى منخفض من التمثيل لم تستجب بالرغم من الضغوط الاميركية ، وكيف لها ان تستجيب وهي ترى بان السد العراقي الذي دفعت كل تلك الاموال الطائلة ليبقى صامدا حتى يقيها مد “تصدير” الثورة الاسلامية في ايران قد انهار فجاة وحل محله ما دفعت ملياراتها كي لا يحدث ! ومما يلفت النظر في هذا السياق ان القانون الذي اقره مجلس النواب الاميركي لتمويل الحرب على العراق الخميس الماضي ينص ايضا على تقاسم تكاليف اعادة اعمار العراق بين البلد المحتل وقوة الاحتلال مما قد يفسر الضغط الاميركي على الدول العربية الدائنة للعراق لاعفائه من ديونه .

 

ان السباق الذي يخوضه بوش مع الزمن لانقاذ مشروعه لاحتلال العراق يخوضه المالكي ليساهم في انجاحه في محاولة يائسة لانقاذ النظام الذي حاول الاحتلال اقامته في بغداد دون ان ينجح حتى الان ، ولا ينبغي ان تكون للعرب أي مساهمة في ذلك حتى لو كان “النفوذ الايراني” هو المسوغ الذي يساق لتبرير ذلك كون هذا النفوذ زائل لا محالة حالما يزول الاحتلال ، طالما ان رمزا عربيا للاعتدال والوسطية وقائدا لبلد هو الاعرق في الصداقة والتحالف مع الولايات المتحدة مثل خادم الحرمين الملك عبد الله يعتبر الوجود الاميركي في العراق “احتلالا اجنبيا غير شرعي” ، دون ان يصدر عنه حتى الان ما يشير الى انه قد غير موقفه .

 

* كاتب عربي من فلسطين

  [email protected]*

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد