إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

زيمبابوي : حان أوان التدخل العسكري// عبد العزيز حسين الصاوي

أهم مبررات اتخاذ اجراء حاسم وعاجل ضد سلطة روبرت موقابي انه كان اهم قياديي حركة تحرير زيمبابوي من نظام الفصل العنصري والاستعمار البريطاني في روديسيا،  سجن لعشر سنوات وقاد حرب العصابات من موزامبيق المجاوره.  بسبب وزنه الكبير هذا تحول الرجل منذ مده الي اكثر القيادات إساءة لمعني التحرير والاستقلال ولكننا بقينا نتردد في إشهار سيف التدخل الخارجي كتهديد جدي رادع، خوفا من الاتهام بممالأة الموقف الغربي ومستهولين فكرة التدخل الخارجي في الشئون الداخليه لبلد مستقل حتي في مثل هذه الحالات لاستثنائيه، تاركين إياه يمرغ كرامة اهله التي هي جوهر كرامة الوطن في الوحل حتي هاجروا بمئات الالاف الي جنوب افريقيا. هذا الرجل بدأ حياته العامه بأنتزاع حرية شعبه من المستعمر ولكنه احتكرها لنفسه لمدة 28 عاما هي كل عمر الاستقلال ولازال يطلب المزيد، ثم اكمل عملية تفريغ الاستقلال من اي معني بتحويل بلاده الي مستوردة للحبوب يعيش شعبها علي الاعانات الدوليه ( 30 % وفق برنامج الغذاء العالمي ) بعد ان كانت صومعة غلال افريقيا، ومسحوقة بنسبة تضخم وصلت الي 100000% في العام وعطاله 80% وبأسوأ سجل صحي في العالم بأنحدار لمتوسط الاعمار بنسبة النصف، من 64 الي 35 عاما، وفقا لهيئة الصحة العالميه.  
الاشهر من بين السياسات التي انتهت الي هذه النتيجة المروعه كانت قضية تحويل 50 % من اخصب اراضي زيمبابوي المملوكة ل 70000 من المستوطنين البريطانيين الي اهل البلاد. وفقا لدستور اتفاقية الاستقلال عام79 كانت بريطانيا قد التزمت بتعويض المستوطنين بعد فترة سماح لمدة عشر سنوات منصوص عليها في الدستور ولكن حكومة حزب العمال التي خلفت حكومة المحافظين عام 97 توقفت عن الوفاء بهذا الالتزام بحجة ان حكومة زيمبابوي لاتخصص الاراضي المسترجعه للمواطنين وانما لاعضاء حزبها ولشراء ولاء اجهزة الامن والجيش. وتولي روبرت موقابي، بعد ان استحكم في عقله وتصرفاته مزيج سعارالسلطه والشعور بالعظمه، تأكيد هذه الحجه التي تشكك الكثيرون في صحتها بطريقتين : الاولي هي اطلاق العنان لمجموعات من مقاتلي حرب العصابات الذين مُسخوا ميليشيا حزبيه للاستيلاء علي المزارع بعنف بالغ ضد الاشخاص والممتلكات والثانيه اصدار قرار من البرلمان يسمح بمصادرة الاراضي دون تعويض مستخدما اغلبيته الميكانيكية فيه بعد ان فشل في شرعنة هذا الاجراء عبر استفتاء لتعديل الدستور كان قد نظمه حول هذا الموضوع قبل ذلك بأقل من شهرين. بمصاحبة هذه  الاجراءات وقبلها الغي موقابي نظام تعدد الاحزاب بشن حملة ( حوادث قتل غامضه ) ضد عدد من قيادات الجناح المنافس في حركة الاستقلال الوطني ثم حرب مفتوحة شملت مناطق نفوذ هذا الجناح بقوات مدربة من كوريا الشماليه قتل فيها الالاف من الاهالي مرغما بقية قيادات الجناح للقبول بالعمل معه ثم تخلص منهم واعلن دولة الحزب الواحد. 
كان طبيعيا ان تستولد هذه التطورات معارضة داخليه تبلورت في” الحركة من اجل التغيير الديموقراطي ” التي يقودها الزعيم العمالي مورقان سفانقراي، يشتد ساعدها كلما تأزمت الاوضاع الداخليه ومعها تتصاعد جهود قيادة موقابي لتسويق نفسه كعدو للغرب للنيل من صدقية المعارضه وتوطيد قبضته الخانقه. وهي لعبة الاستبداديين التي نعرفها جيدا سودانيا وعربيا وتقوم علي تخدير حس الانتباه الشعبي وارهاب المعارضة النخبوية بتهم الخيانة والارتزاق استثمارا لصورة الغرب في الذاكرة الجماعيه منذ العهود الاستعماريه.  عبر الميكروفونات والمهرجانات يمارس هذا النوع من زعماء الوطنية الفالصو العداء للغرب بينما السياسات العمليه تتحدث لغة مناقضة كلية مؤداها قتل عصب البلاد الحي بمصادرة الحريات مما يفتح شهية مراكز الفساد والطمع الداخلية والخارجيه معا.
 وفي بلدين جارين لزيمبابوي هما موزامبيق وجنوب افريقيا نجد النموذج المعاكس : هنا تُرسي مداميك التحرر الاقتصادي والسياسي والثقافي الفعلي حيث يتم التعامل مع السياسات الغربية رفضا وقبولا بمقاييس المصلحة الوطنيه دون استعراضات ثورية عالية الرنين بنغمات  دينيه وقومية ويسارية وعديمة الفعاليه في كل الحالات، والاهم من كل شئ بالاستفادة من سر نهضة الغرب وهو النظام السياسي المفتوح الذي يجعل اضواء النقد لسياسات حكوماته الداخلية والخارجيه مسلطة عليها بقوه يوميا عبر صحافته واحزابه ومجتمعه الحي افرادا وجماعات مما يعري سلبيات هذه السياسات حتي قبل ان تنتبه لها الشعوب المتضررة منها. جنوب افريقيا التي انجبت مانديلا رمز الوطنيه والعقلانيه معا، هي من هي في قيادة افريقيا حاضرا ومستقبلا، رغم مواقف رئيسها الحالي المتذبذبه تجاه موقابي، بفضل تبنيها لمثل هذا النظام بينما يواكيم شيزانو رئيس جمهورية موزامبيق السابق واحد قادة حرب استقلالها عن البرتغال مُنح  جائزة  ” مو ابراهيم”  ، رجل الاعمال السوداني محمد فتحي ابراهيم،  المخصصة لافضل الرؤساء الافارقه لدوره في انهاء الحرب الاهليه التي اندلعت في البلاد بعد الاستقلال ووضْعها علي طريق التطور الاقتصادي وبعد كل ذلك وقبله لدوره في تأسيس النظام الديموقراطي بما في ذلك رف
ضه تمديد فترة ولايته الرئاسيه المسموح بها دستوريا.
في زيمبابوي اثبتت تصرفات “ حركة التغيير من اجل الديموقراطيه” وزعيمها حتي الان توفر هذه القابلية الديموقراطية لديها فهي قبلت خوض اكثر من انتخابات برلمانيه ورئاسيه رغم التدخلات الفظة من قبل سلطة موقابي بما في ذلك محاكمة مورقان سفانقراي بتهم عقوبتها الاعدام واعتقالاته المتكرره المصحوبة بالضرب والاهانه، ولم تنسحب من الانتخابات الرئاسية الاخيره الا بعد ان أُغلق الباب في وجهها تماما بالقمع المنهجي العنيف لمؤيديها وبصراحة موقابي الذي قال علي روؤس الاشهاد بأن ” الله وحده يمكن ان يزحزحه من الرئاسه، مدفوعا بأنفعالات فجه بعد ان خسر اغلبيته البرلمانيه لاول مره وأوشك ان يفقد الرئاسه لولا التدخل التزويري. ورغم ضغوط بعض قيادات الحركة بضرورة مقابلة العنف بالعنف نتيجة شعورهم باليأس من نجاعة الاسلوب الديموقراطي السلمي المتفاقم بشعورالخذلان نتيجة السكوت الافريقي علي محنتهم من قبل الحكومات وبعض اقسام الرأي العام، فأن زعيم الحركه أبدي استعداده للتفاوض مع موقابي والمشاركة في جولة انتخابات رئاسية جديده طالبا التدخل الخارجي في حدود ضيقه تأمينا لنزاهتها. علي ان استفراد  قيادة موقابي وحزبه الاوحد بالامور لفترة اطول من اللازم بفضل الجبن المعنوي للقيادات الافريقية، بما فيها قسم كبير من غير الرسميين، خوفا من اتهامات العماله لبريطانيا والغرب ( وان كان اقل كثيرا من جبن القيادات العربية- الاسلاميه فيما يتصل بالاوضاع الملتهبه في بعض اقطار المنطقه) جعل الامر يتجاوز هذه الحدود ولم يبق مفر من تدخل عسكري بصلاحيات واستعدادات اكبر لان المؤسسة الحاكمه، الرئاسه وقيادات الامن والجيش التي تورطت معها، لن تتورع عن التدخل لتخريب عملية تأسيس زيمبابوي جديده بعد الانتخابات. ويبدو ان الامور تسير في هذا الاتجاه اذ ارتفعت اخيرا وبعد انتظار طويل للغايه بالنسبة لاهل زيمبابوي، اصوات افريقية بهذا المطلب اهمها صوت ضمير افريقيا ولسانها الطليق القس ديزموند توتو وبرلمان غانا. واهمية الصوت الاخير تعود الي ان موقابي قضي شطرا من حياته في غانا علي ايام قيادة نكروما طارحا نفسه كأحد تلاميذه في مجري حركة التحرر والاشتراكيه. وفيها ايضا اقترن برفيقة كفاحه الغانيه. اما بعد ان تحول مكافحا من اجل سلطة احتكاريه فقد ملأ المكان الذي شغر بوفاة زوجته الاولي بسكرتيرته التي تصغره بأربعين عاما  فتزوجها بعد ان أنجب منها طفلين وهو يطرح نفسه كاثوليكيا ورعا تقيا. حقا ان السلطة المطلقه مفسدة مطلقه في السلوك الشخصي والعام معا.   
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد