إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

في حضرة الشيطان

Shaytaanخيري حمدان
      توأم من بويضة واحدة. يكاد المرء لا يفرّق بينهما، جسداهما وتقاطيع وجهيهما متطابقة، بل متكاملة. ولكن، إذا أمعنت النظر فيهما جيّداً، وجدت الأصغر ببضعة دقائق يُكْثِرُ من الابتسام، بينما يُظْهِرُ الآخر شراسة أكبر وحقد يصعُبُ تفسيره. كبِرَ الاثنان وأصبح الصغير أكثر وداعة، بينما اتّسمَ كريم بالقوّة والشراسة. بدا كريم يبحث عن سبل الشرّ والأذى، وغالباً ما كان يتمادى بضرب سليم. علاقة غريبة للغاية، ولا تعكس بأيّ حالٍ من الأحوال الارتباط العضويّ والنفسيّ بين التوأمين.
 
 
 
     تعرّف سليم على فنّانة تعزف على البيانو وتعمل في الفرقة الموسيقية الوطنية ((الأوركسترا)). كانت فتاة مميّزة وجميلة وحسّساسة، وأدركت على الفور الفرق الواضح في شخصية التوأمين. وقد أصيبت بالذهول للاختلاف الشديد الذي يبقي كلّ منهما على القطب الآخر دائماً. وغالباً ما كانت رانيا تتجنّب كريم وفي معظم المناسبات، ممّا كان يغيضه للغاية. ولم يمضِ وقتٌ طويل حتى طلب سليم يد رانيا الجميلة. وافقت على الفور، كيف لا وهي اللحظة التي انتظرتها بفارغ الصبر. انتقل الزوجان الى بيتٍ جديد وأوصدا الأبواب خلفهما أياماً طويلة. كانا في حاجة ماسّة لينطويا كرغيف الخبز بكلّ ما يحوي من خمائر. كانا في أشدّ الحاجة الى ممارسة لعبة الحياة دون رقيب. وحملت رانيا على عجل لتلد سلمى الصغيرة المدلّلة. أخذ الأهل يعودون العائلة الشابة بما في ذلك كريم وزوجته فاطمة، والتي كانت امرأة مكتنزة بيضاء عابثة وضاحكة خلال معظم الوقت. لم ترق كثيراً لرانيا ولكنّها تبقى زوجة عمّ سلمى.
 
 
 
  أخذ سليم يكثر من السفر الى الخارج لإنجاز مهام مسؤولة لحساب المدير العام. والواقع أنّ مديره كان يكافئه بسخاء نتيجة للمشقّة التي يتكبّدها. أدرك كريم واقع عائلة أخيه وأخذ يدرس تصرّفات وحركات أخيه الأصغر ولم يكن هذا بالأمر الصعب على التوأم الشقيّ. وذات ليلة عقد العزم وانطلق الى مخدع رانيا، كان قد تسلّح بمفتاحٍ ودخل البيت كسيّده المطلق.
 
   – لقد عدت مبكّراً يا حبيبي؟
 
   – أشعر بإرهاقٍ شديد يا رانيا، كيف الصغيرة؟
 
   – سلمى في شوقٍ دائمٍ إليك، هل أنجزت المهمة …
 
   – نعم ولهذا قررت العودة قبل الموعد بيوم.
 
كانت هذه ربّما المرّة الأولى التي يقاطع كلامها، قد يكون متعباً وهذا أمرٌ طبيعيّ. وكانت رانيا تحدّث نفسها حين أطفأ زوجها النور واندسّت يده لتتحسّس تضاريس جسدها. سرعان ما ولجها وأنهى جولته الحيوانيّة دون مقدّمات أو قافلة. ذهب بعد ذلك على عجل الى الحمّام وسمعت رانيا المياه تندلق فوق جسده ثمّ سرقها النوم وفي جوفها غصّة.
 
 
 
     لم يكن زوجها في مكانه المعهود الى جانبها صباح اليوم التالي، لعلّه ذهب ليشتري بعض الأغراض للبيت ولسلمى، غريب ..أين هديتها وهدية الصغيرة؟ هل بدأ سليم ينقلب ويتغيّر؟ عالم الرجال غريب للغاية. وبعد ظهر ذلك اليوم عاد الزوج الى المنزل، كان دافئاً ومحبّاً والشوق يأكل فؤاده. سألته رانيا عن ليلته الأخيرة فأجاب:
 
   – لقد كانت من أسوأ الليالي على الإطلاق، كنت أشعر بالاختناق في غرفة الفندق وحيداً.
 
عندها ذهبت رانيا الى الحمّام وأخذت تتقيّأ، غسلت فرجها مطوّلاً، دعكت كامل أعضاء جسدها بالصابون وكانت تبكي. خلال الأيام التالية كانت منطوية على نفسها وفي حالة نفسية صعبة ومعقّدة حتى أنّ سليم عرض عليها مراجعة الطبيب لتقديم ما يلزم من العلاج.
 
 
 
     صُعِقَتْ حين أدركت بأنّها حامل، لم يكن بإمكان الطبّ تحديد أيّ من التوأمين هو الأب البيولوجي للطفل المنتظر. جنّ جنونها وكانت على استعداد كامل لقتل اللعين كريم الذي لم تطأ قدمه المنزل منذ ذلك الحين. مرّة واحدة ويتيمة التقت أعينهما في حفل عرس لأحد أبناء العمومة. عندها قرأت في عينيه ما يشبه السخرية والنشوة والنصر. قذفته بملايين السهام القاتلة ولكن كريم كان أقوى من سلاح الأعين. قالت له حين أوشك الجميع على المغادرة:
 
   – ابنك في كنف عمّه ويناديه “بابا”. ثمّ أطلقت رانيا ضحكة عالية شقّت قلب كريم والذي كان محروماً من الأبناء. كانت فاطمة تعاني بعض الاضطرابات العضوية وكانت تخضع في تلك الفترة للعلاج حتّى تتمكّن من ولادة ولي العهد لزوجها كريم.
 
 
 
     شعرت رانيا بالخوف والراحة حين أيقظت في قلب كريم الحسد والغيظ. كانت وضعية غريبة للغاية وبعيدة عن العادات الشرقيّة وأحلاقيّاته. ولكن وقع المحظور ولا يمكن إعادة الأمور الى سابق عهدها. اتّصل كريم ذات يوم برانيا وطلب زيارتها لرؤية الصغير علي. هدّدته بالشرطة ولكن كريم لم يعدل عن طلبه وقال بأنّه وفي أسوأ الأحوال عمّ الولد. لم تستطع ثنيه عن عزمه وكان شرطها تواجد سليم دائماً حين حضوره للزيارة. أخذ كريم يدلّل علي ويشتري له الهدايا والحلويات، كان شديد التعلّق بهذا الولد، حتى أنّ سليم نفسه أصيب بالدهشة من هذا التحوّل الذي طرأ على حياة الأخ التوأم. وحان الوقت لسفر سليم ثانية خارج البلاد. قالت رانيا لزوجها بقلق واضح:
 
   – هل سيطول سفرك يا أبا علي؟
 
   – أسبوع يا رانيا .. أسبوع، أتعرفين بأنّ كريم قرّر مرافقتي هذه المرّة الى اليونان من أجل إنجاز إحدى الصفقات.
 
   – هل سيبقى طِوال الفترة برفقتك؟
 
   – سيمضي ما يزيد عن الشهر في اليونان وأعتقد بأن فاطمة ستوافيه هناك. هل ترغبين بزيارة الجزر اليونانيّة، قد تكون هذه فرصة للترويح عن نفسك. ما رأيك يا رانيا؟
 
   – لا يا سليم، ما يزال علي صغيراً وغير قادر على السفر.
 
انطلق التوأمان في رحلة الى اليونان، شعرت رانيا بالارتياح، لقد كان كريم حقيقة في اليونان ولن يجرؤ على زيارتها مستغلاً غياب سليم. وبعد بضعة أيام وصلت أخبار مفجعة من الجزر اليونانيّة، لقد تعرّض القارب الذي كان يقلّ سليم وكريم لحادث اصطدام سقط على إثره كريم في البحر. كانت الصدمة شديدة للغاية ولم يتمكّن كريم من النجاة ذلك اليوم.
 
 
 
    كان على الأرملة فاطمة المتّشحة بالسواد استقبال جثمان زوجها كريم. وكان على رانيا استقبال الزوج المنتظر. الأخبار الرسمية أذاعت مقتل كريم؟
 
   
 
بعد الانتهاء من مراسيم الدفن عاد سليم الى البيت، دخل الى الحمّام ليغتسل ثمّ اندسّ الى جانب رانيا، كان الحزن يملأ تقاطيع وجهه.
 
          لقد مات كريم يا رانيا، مات عمّ الولد. لم تمضِ لحظات حتّى امتدّت يده لتتحسّس تضاريس جسدها.  
 
 
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد