إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

عبد الوهاب المسيري عقل فكر وقلم كتب لفلسطين والأمة// سري سمور

قبل نحو عامين كنت أتحدث مع صديق حول الصهيونية ومستقبلها ،ومن الطبيعي أن نأتي على ذكر «الأستاذ» في هذا المجال وهو البروفسور عبد الوهاب المسيري ،فتنهد صاحبي وقال:كلما شاهدت المسيري على شاشة أي فضائية فاعتبر أنك قد لا تراه ثانية ،فالرجل  مريض جدا ولنحاول الاستفادة من علمه قبل أن يغادر الدنيا!

استمعت لنصيحة صاحبي إلى أن تلقيت أنا وكثير ممن أحبوا المسيري ورغبوا في الاستفادة من علمه ومعرفته نبأ وفاة المفكر الأستاذ الدكتور عبد الوهاب المسيري فجر يوم الخميس 3/7/2008م عن سبعين عاما قضى معظمها في البحث والتأليف والتدريس.

ويشاء الله أن تفيض روح الأستاذ الكبير في مستشفى فلسطين في القاهرة؛ولكن فلسطين ليست فقط اسم مستشفى بالنسبة له ،بل هي قضية ووطن وشعب سخر له الراحل جهده وعقله وفكره فدافع عن فلسطين وقضيتها وشعبها ومقاومته دفاع المفكر الواثق الهادئ فكتب عنها الكتب القيمة والمقالات العميقة التي تجد نفسك أحيانا مضطرا لقراءتها كلمة كلمة بل حرفا حرفا مرات عديدة لما فيها من تعمق وأسلوب تحليلي ومنهجية علمية وبحثية غابت لفترة عن الساحة ،ولقد توّج المسيري عطاءه بنشر موسوعته الشهيرة «اليهود واليهودية والصهيونية» والتي قضى في تأليفها ربع قرن من عمره ،فأصبحت مرجعا هاما بل المرجع الأهم لكل باحث أو دارس  أو إنسان يهتم بالقضية.

كان المرض يظهر على محياه والتعب والإرهاق قد أخذا مكانا واسعا من جسده نتيجة إصابته بالسرطان،لكن المرض لم يفت في عضده وظل يكتب ويجري المقابلات التلفزيونية ويبشر بقرب زوال الكيان الغاصب ليس بأسلوب عاطفي بل بالمنطق والتحليل والتفسير وبالرجوع إلى مصادر الكيان الإعلامية والفكرية والسياسية للتدليل على ذلك،وقد رحل المسيري فيما الكيان يعربد على أرضنا ،ولكن فكر المسيري وعلمه ستسجل يوما كأحد أدوات هدم الكيان بنشره ثقافة علمية ومعرفية ساهمت وستساهم بإزالته؛ويقول المسيري في إحدى مقالاته:-

«موضوع نهاية إسرائيل متجذر في الوجدان الصهيوني، فحتى قبل إنشاء الدولة أدرك كثير من الصهاينة أن المشروع الصهيونى مشروع مستحيل وأن الحلم الصهيوني سيتحول إلى كابوس»

 

لقد سخر المسيري قلمه لخدمة الأمة وللدفاع عن فلسطين،واضعا نصب عينيه قول الشاعر:-

وما من كاتب إلا سيبلى ***ويبقي الدهر ما كتبت يداه

فلا تكتب بكفك غير شيء***يسرك في القيامة أن تراه

وأنا أميل للرأي القائل بأن المسيري صاحب مدرسة خاصة به في البحث والتحليل والتفسير يجوز أن تسمى بـ«المدرسة المسيرية» لا أستبعد حضورها في قادم السنين ،كيف لا وخلفها علم ومعرفة رجل فكر بعمق وكتب بعقل منفتح وبمنهج علمي قلما نجده في عصرنا.

ولم يبخل المسيري على وطنه مصر الكنانة ،فوقف مدافعا عن مصر وشعبها وسار في مسيرات الاحتجاج رغم المرض الشديد ،وتحمل من الأذى ما لا يطيقه من في سنه وحاله،ودعا إلى إصلاح أحوال بلده السياسية والاقتصادية والاجتماعية،بأسلوب حضاري مميز.

نسأل الله أن ينفعنا بما ترك المسيري خلفه من علم زاخر ،وان ينتفع هو «بانتفاعنا» من علمه مصداقا للحديث الشريف :إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ؛صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له.

رحم الله عبده عبد الوهاب المسيري وجعل قبره روضة من رياض الجنة وغفر له سيئاته وتقبل منه حسناته وضاعفها له أضعافا كثيرة.

 

 (2)

 

كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام،وسبيل الموت غاية كل حيّ ،ومن عاش ألفا وألفين بعدها فلا بد يوما أن يسير إلى القبر ،فهذه سنة الله في خلقه ولا راد لقضاء الله.

والموت أدرك وسيدرك كل إنسان عالم أو جهول ؛وموت العلماء والمبد
عين والمفكرين وآخرهم البروفسور عبد الوهاب المسيري يعيد للساحة العربية والإسلامية طرح نفس الأسئلة حول مستقبل الفكر والإبداع لدى أبناء الأمة ؛حيث أننا جميعا نلاحظ أن غياب علم من أعلام العلم أو الفكر أو الأدب أو غيره يتميز غالبا بعدم وجود «وارث» كفؤ،مثلما تورث أمور أخرى!

هذا أمر ينبئ بجفاف ونضوب ،فإن تفاخرنا اليوم بعلم من الأعلام العلمية أو الفكرية ،فإننا في الغالب سنكون عاجزين في يوم وفاته عن القول بأن فلانا ورث علمه أو سائر على نهجه!

الإمام الشافعي حين غادر بغداد قال:خرجت من بغداد وما تركت فيها أتقى ولا أفقه من ابن حنبل؛ذاك زمان نبكي عليه حين كانت الخصوبة في العقول والأقلام ،أما في العصر الحديث وخاصة في القرنين الأخيرين،فكل راحل عن دنيانا من الأعلام لا بديل له…

صاحبا «العروة الوثقى» وهما الشيخ محمد عبده والسيد جمال الدين الأفغاني رحلا وبقينا نجتر ونكرر ما جاءا به دون إضافات أو بناء فكري تراكمي ،ومثلهما صاحب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» السيد عبد الرحمن الكواكبي الذي أعلن أنه أمسك بأصل الداء والبلاء الذي أصاب الأمة،ظلت كلماته بعد رحيله مجرد تراث وخزانة فكر دون أن تجد من يزيد ويتعمق ويضيف ويعدل أو يوجد موسوعة ،نعم موسوعة،للاستبداد وأدواته وطرق الفكاك منه…واستمر نضوب الأعلام لدينا دون بديل يملأ الفراغ الذي يتركونه بموتهم؛فالشيخ عبد الحميد كشك كان «اسد المنبر» فغادر الدنيا دون ان نرى خطيبا على شاكلته وبقوة تأثيره ،والشيخ محمد متولى شعرواي الذي اتبع منهجا متميزا وأسلوبا خاصا في تفسير القرآن الكريم وشرح آي الذكر الحكيم،وغادر الدنيا دون أن توجد ظاهرة مشابهة وعلى صعيد الأدب والرواية والشعر فالحال لا يختلف فقامات الشعراء والأدباء تغادر بلا وريث مثل عبد الوهاب البياتي ومحمد مهدي الجواهري وعبد الرحمن منيف…وكأن كل الأعلام الذين أبدعوا وتميزوا مجرد ظواهر طارئة على الأمة،وحاشا أن تكون أمة «اقرأ» كذلك ،ولكن الخلل والتهديد الحقيقي بنضوب قافلة الأعلام والمبدعين يرتبط بعوامل سياسية واقتصادية وتربوية متداخلة،والأمم الحية والناجحة تسعى لتعزيز مبدعيها كما ونوعا وتسعى لتكريمهم والحفاظ عليهم ،والتاريخ يحدثنا عن حال العلماء المزري عند اجتياح التتار للبلاد ،وكأن هوان شأن العلماء مؤذن بعدوان من الخارج يهلك الحرث والنسل!

هذه مسالة تستوجب من الجميع التفكير والعمل للحفاظ على الأعلام المبدعين المتميزين ،وزيادة أعدادهم وتوسعة رقعة الإبداع في شتى العلوم والمعارف وذلك عبر طرق عدة منها:-

1) تكريمهم والحفاظ عليهم واحترامهم وضمان العيش الكريم لهم؛ولا ننسى هنا أن الراحل المسيري الذي نتحدث عنه تعرض قبل اشهر للخطف ولم ينجو من بطش «هروات» الأمن واختطف وترك مع زوجته في منطقة صحراوية،كما انه في العام الماضي ذهب للعلاج في أمريكا ولم تتكفل الدولة ولو بجزء من علاجه من سرطان الدم،رغم أنه تقدم بطلب خطي لأسامة الباز مستشار رئيس الجمهورية والذي تربطه بالراحل صداقة قديمة،هذا في الوقت الذي تفتح فيه المطارات وتحرر الشيكات لمن لا يقدمون فنا ولا أدبا ولا علما بل ابتذالا وسخفا وفحشا!

2)  إصلاح التعليم في بلادنا ،وهو أمر كثر الحديث عنه لتصدق مقولة «من يعلق الجرس» عنه،فالتعليم ومناهجه لدينا ثبت أنها لا تؤسس لوجود مبدعين ومتميزين عموما.

3) السعي للاسترشاد برأي أهل الاختصاص والعلم ،كي لا يشعروا بالاحباط أو تخور عزيمتهم لأن الأمور وسدت إلى غير أهلها في العقود الأخيرة!

الأمة بخير،وقد قال المسيري رحمه الله في إحدى اللقاءات أن موسوعته قد بيعت كل طبعاتها ونسخها ،هذا رغم عدم وجود دعم رسمي أو ترويج حقيقي لها…فتكريم العلماء والنهل من معين معرفتهم ما زال سمة للأمة ولكن أتربة النكبات وركام الفقر أخفى هذه السمة…ونتمنى أن تجود الأمة بمزيد من الأعلام والمخترعين والمفكرين في المرحلة القادمة.

هامش:موقع المرحوم الدكتور عبد الوهاب المسيري

http://www.elmessiri.com/index.php

،،،،،،،،،،

سري عبد الفتاح سمور

قرية أم الشوف المدمرة قضاء مدينة حيفا المحتلة

حاليا:جنين-فلسطين المحتلة

السبت 2 /رجب/1429هـ ،5/7/2008م

بريد إلكتروني:-

[email protected]

[email protected]

[email protected]

مدونة:-

http://sammour.maktoobblog.com

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد