إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

لبنان، يا زعيم العرب// د. فايز أبو شمالة

لبنان، يا طفلاً صغيراً يدرج بين المراعي، ويلهو بقميصه المزركش، يا بلداً يجلس على قارعة السياسة بين يدي القادة والزعماء العرب، خذ حليب الصباح من الطائفية، واشترى بعض حلوى النسيان، والإهمال، وتثاءب  في حضن الجبل، وأشعل التبغ في الجنوب، وامضغ  العلكة حتى الغسق،  فأنت أصغر دول الطوق العربي، وأنت أضعف حلقة في حلقات الصمود والتصدي يا لبنان، لا تفكر في مواجهة إسرائيل، فلا قبل بك للقتال، ولا طاقة لنا في النزال، فمن سيدافع عنك؟ ألست من قال فيك رئيس وزراء إسرائيل “ديفد بن جريون”: لا أعرف البلد العربي الأول الذي سيوقع صلحاً مع إسرائيل، ولكنني متأكد أن البلد التالي سيكون: لبنان؟ أنت أيها الصغير، الضعيف، الممزق، المنقسم على نفسه، يا فاقد التأثير في ميزان قوى القرار العربي، ويا عديم الجدوى في المقارنات المادية، والموارد الطبيعية، يا من لا وزن له في معارك العرب، أو في صلحهم مع إسرائيل، فأنت غائب عن التأثير في بحر السياسة العربي الهادر، وعن فهم مكنون فكر ساسة العرب الكبار، لقد اجتاحتك إسرائيل أكثر من مرة؟ وداست بالقدم الصهيونية على عنق عاصمتك بيروت، فأحرجتنا بهوانك يا لبنان، وأظهرت سوءتنا أمام العالم، وكشفت عجزنا عن نصرتك، وعن الوقوف معك، أنت يا لبنان، يا زهرة ديمقراطية يتجمل فيها زعماء العرب في الحفلات الرسمية، والمناسبات، ويا أبريق عطر يرش الدمع في الاجتماعات، ويا قطعة ثلج ترطب جوف ساسة العرب الملتهبة بالشعارات، وبعد انفضاض الموسم الخطابي يلقى بك على أول مفترق سياسي. فماذا فعلت بنفسك يا لبنان، وبالأمة العربية التي أنجبتك؟ كيف خرجت عن الإجماع العربي، وحررت الأسرى بالقوة، كيف تمكنت من إسرائيل لتعرض عليك إعادة مزارع “شبعا” التي طالما تغنت باستحالة التخلي عنها، وادعت أنها أرض غير لبنانية؟ كيف أجبرت إسرائيل على الشكوى منك لمجلس الأمن، والتباكي مثل زعماء العرب لتطبيق قراراته؟         لقد أحرجتنا يا لبنان، يا أيها الصغير، وأظهرت عجز قادتنا الكبار، وضعف قدرتنا، وتخلف جيوشنا عن النزال، سخرت بنا جميعاً، وخالفت كل القناعات الفكرية والسياسية التي باتت مسلمات، لقد دمرت فلسفة التفوق الإسرائيلي، ومزقت خيوط العنكبوت التي أوقعت بنا، ودست الوقائع بيننا، لتدوس بحذائك الصغير على نظرية الجيش الذي لا يقهر، أنت يا لبنان، يا طفلاً صغيراً مدللاً يتطاول على الساسة الكبار، ويسخر من الشعار الذي انضوينا تحت لوائه عشرات السنين من التفاوض والتوسل، فقلبت الموازين، وغيرت خارطة التفكير التي أعطت لأمريكا تسعة وتسعين في المائة من الحل السياسي، ولم تبق للعرب شيئاً!!ماذا فعلت بأمة العرب يا لبنان؟ وماذا يظن بك، وبنفسه المفكر العربي، والفيلسوف، والكاتب، والمنظر، والسياسي، والمحلل العربي، كيف يواجهون الحقائق التي فرضها رجالك على الأرض، وخالفت معها كل التفكير والتنظير؟ ماذا تقول المدارس السياسية العربية التي عجزت عن طرح فكرة مواجهة إسرائيل، وحسبت الضعف منهجاً، وشقت درب التنازل، والتسليم، وآمنت بالتفوق الإسرائيلي في كل المجالات؟  لبنان، يا طفلاً صغيراً، يدحرجنا مرغمين على سلم المجد، ويأخذ بيدنا إلى أريج الانتصار، لبنان يا نبع الأخوة والتواصل، ويا بيرق النخوة العربية المفقودة، لقد زرعت ياسمين الكبرياء في قلوبنا المنكسرة، ونحن ننظر إليك في عرسك، وأنت تدخل الفرح والأمل لكل بيت في بلاد العرب، وتدخل الحزن، واليأس إلى العقول التي آمنت بضعف العرب، وتفككهم، وبشرت بالهزائم قبل وقوع المعارك، وأهانت الإنسان العربي حتى أمسى خجلاً من انتسابه إلى بلاد العرب. لقد أفرحتنا، وأخجلتنا، وأحزنتنا، وأغضبتنا، وهززتنا، وحركتنا، وأوجعتنا بانتصاراتك يا لبنان، لأنك تفرض على الأمة كلها واجباً مقدساً للسير على خطاك، واجب طالما جهدنا للتهرب منه، وسعينا لدفن رؤوسنا في الرمال لئلا تتكشف أمامنا الحائق، بعد أن تكشف على يد رجالك مستور السياسة. لقد نقلت إلينا في فلسطين عدوى الثقة بالنفس، والشعور بالمقدرة، وأهمية تطوير القدرة، لقد فرض علينا انتصارك أن نجاريك، ونسابقك، وأن نقتدي بك، ونكون قدوتك، وأن نستمد القوة منك لنبسطها بين يديك، لنسترشد بتجربتك، ونرشدك، لنأخذ عنك، وننافسك، ونتنفس من هواء إرادتك، ونجللك بالفخار، نحن العرب فخورون بك يا لبنان، بلداً عربيا مثلنا تماماً، بل نحن فخورون بأنفسنا لأننا عرب، ولأن بعض دويلاتنا هم عرب لبنان. ها قد عرفناك يا لبنان، وأنت وحدك تهزم من أذل العرب، وتهزم في العرب خوفهم من أنفسهم، وتشككهم في قدراتهم، لقد نطقت فانساب في شقوق الصخر موالك، فعشقناك رائداً، وتوجناك زعيماً.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد