بصحّة الرفيق ستالين// خيري حمدان

0

 حدثني نائب رئيس اتّحاد الكتّاب في بلغاريا عن رحلته الى إحدى الجمهوريّات السوفييتيّة للمشاركة في أعمال المؤتمر السنويّ للأداب. ونظّم المظيفون على هامش المؤتمر حفل عشاء ضمّ الكتّاب والشعراء الضيوف في ذلك المؤتمر.        كان الحفل مهيباً وكانت أصناف  الطعام لا تعدّ فوق الموائد الممدودة بكرمٍ شرقيّ شيوعيّ ذلك المساء. عزفت الجوقة الموسيقيّة إحدى المقطوعات الروسيّة الشهيرة، لم يخلُ العزف من بعض أعمال الموسيقيّ الشهير رحمانينوف. وامتدّ المساء وبدأت رحلة الأنخاب والكلمات الفخمة المدوّية. كانت إمكانيّات صاحبنا متواضعة للغاية، ولم يكن هناك بدّاً من مجاراة المضيفين وخاصّة السكرتير الحزبيّ الذي رفع كأسه الأول وصاح: بصحة الرفيق لينين. ثمّ دلق محتويات الكأس في جوفه. وبعد لحظات ملأ كأسه بالفودكا مجدّداً وصاح: بصحة الرفيق ستالين. ثمّ دلق الكأس في جوفه مجدّداً. وبالطبع كان جميع الحضور ومعظمهم من الجمهوريّات السوفياتيّة يجرعون الفودكا كأنّها الماء العليل. تفكّر صاحبنا قليلاً بعد أن بدأ يشعر ببعض الألم في معدته ورأسه. لم يبقَ سوى بريجينيف وتنتهي هذه الأنخاب.     بعد لحظات وقف السكرتير الثاني في الحزب الشيوعي وصاح والشرر يتطاير من عينيه: بصحة الرفيق بريجينيف وسرعان ما دلق كامل محتويات الكأس في جوفه. وضع صاحبنا يده على أنفه ودلق على مضض الكأس في جوفه. بدأ يشعر بالسكاكين تعمل تمزيقاً بأمعائه، لكنّه شعر ببعض الراحة بعد أن توصّلوا للرفيق الأخير. وبعد لحظات وقف أحد الكتّاب وصاح جذلاً: بصحة الحزب الشيوعي السوفييتي. ودلق محتويات الفودكا في جوفه وكأنّها مجرّد قطرات من البلسم. تردّد صاحبنا بعض الوقت لكنّ العيون جميعها كانت موجّهة نحوه، ارتسمت على وجهه ابتسامة الأموات ودلق النار المشتعلة في جوفه، سال بعض الدمع على وجهه. إنّها دموع الفرح لا محالة. لكنّ هذه الدموع انهمرت بغزارة حين شاهد أحد الموسيقيّين يصيح ثملاً: بصحّة رحمانينوف. تُرى، ما هو التركيب العضويّ لأنسجة هؤلاء البشر؟ كيف يمكنكهم تحمّل هذه الكميّات الكبيرة من الفودكا؟      جلس صاحبنا وبدأ يدعو الله (الذي لم يكن يؤمن به الكثير من الحضور) بالانتهاء العاجل من هذه المعاناة. بعد لحظات نظر إليه سكرتير الحزب مباشرة وهمس بودّ وعطف وحنان: بصحّة الرفيق الأعلى في بلغاريا تيودور جيفكوف، بصحّة رفاقنا الكتّاب في بلغاريا الشقيقة. كانت هذه الكلمات آخر ما سمعه صاحبنا، لأنّه فقد الوعي مباشرة بعد أن لامس الكأس شفتيه. نقل على الفور الى المستشفى ولم يصدّق أحد فرضيّة عدم مقدرته على شرب هذه الكميّة البسيطة من الفودكا. وأصرّوا على إجراء بعض الفحوصات الطبيّة للوقوف على السبب الحقيقي لمرضه وسقوطه المفاجئ. لكنّهم تركوه وشأنه بعد أن وعدهم باحتساء الفودكا عند المساء. شعر بالسرور يملأ أطراف روحه عندما علم بأنّ موعد إقلاع الطائرة العائدة الى صوفيا سيحلّ قبل المساء بساعات معدودة.             

 

قد يعجبك

قد يعجبك ايضا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.