إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الدراما السورية بين الواقع والرسالة // حسام مطلق

لم يكن من قبيل الصدفة أن يتخير العرب القدماء شخصية الأعرابي للتعبير عن حكمتهم, بل كان الأمر على الأغلب ممارسة للواقع. لقد كان العربي يمتطي صهوة الجواد, يجوب الصحارى من اليمن إلى الشام, يواجه المصاعب والأخطار, يعيش المغامرة, قد يَقتل وقد يُقتل,  يواجه الموت, وكل تجربة تصوغ فيه جرأة جديدة, تدفع به إلى سوية نفسية جديدة, جيلا بعد جيل, حتى حان قطاف الثمر.
لم يكن كل العرب أسرى العشائرية وتراتبيتها, بعضهم كان, جلهم على الأدق, ولكن الأمم لا تحتاج إلى جموع لا منتهية من المتمردين, عديد قد يكفي, الأهم أن يقدس الباقون نزعة الحرية, ويكفيها ألا تموت تلك النزعة في قلائل حتى لا تموت هي.
الأميركيون الأوائل لم يكونوا جميعهم مغامرين, كثر وطئوا أرضها وعملوا في الميناء الذي حطت فيه أقدامهم, في العتالة, في باقي أشكال الخدمات, آخرون وصلوا إلى أقرب مدينة باعوا حريتهم هناك من جديد, قلائل منهم جعلوا أرواحهم على أكفهم وخاضوا في الغابات والصحارى, فتحوا لكل من تلاهم تلك الأرض, بل أسسوا لقيام هذه الأمة العظيمة التي تملك الأرض اليوم.
حين نشاهد الأفلام الأميركية التي تتطرق إلى حياة هؤلاء المغامرين الأوائل نرى صورا للإنسان, سكناته, انفعالاته, كل تلك الدقائق من الأمور التي صاغت ذاك المتوحد المستوحش بحكمة. صاغت عالمَ الرجال القادرين على تحدي الجبال والأنهار, القاهرين للصحارى, غير المتخوفين من ظلام الغابات و مجهول حفيفها.
نشاهد قصصا تروي لنا أحاسيسه, كي يتغير بعد كل خطر, كيف يستمر صامتا وفي جوفه ألف حكمة, تترك لنا المشاهد أن نعقد مقارنة في أعماقنا بين صمته وثرثرة الأوربيين من معاصريهم, المخنثون من فرنسا وبريطانيا, نترقب كيف تغير الأحداث خنثهم تمردا مستفيضا, دون أن ننسى أن بعضهم تمرد هناك وانتقل إلى الأرض الجديدة يبحث عن مساحة تستوعب تمرده فزادته الامتدادات عمقا وقوة.
الإنسان هو ما تحاكيه الصور في الأفلام الأميركية, فمن ألف فلم ناقش الإنسان نجد القليل منها تحدث عن إبراهيم لينكون. مخطئون من ظنوا أن الأميركي أقل ولاء لتاريخه منا, ولكن الأميركي تخلص من عقدة المقدسات وفهم من السياق التاريخي أن المعول عليه للبناء هو قدرة المجتمع على تفهم أهمية التمرد, أهمية المبادرة, أهمية الفردية, لأن الناس, وإن كانوا سواسية في الحقوق والواجبات, إلا أنهم ليسوا سواسية في القدرات, والنجاح نتيجة للتراكمات لا نتيجة للمعجزات. حين راكم الأميركيون تلك القدرات المتفوقة الطامحة بالحرية دفعوا بمجتمعهم إلى الأمام وأدركوا أهمية أن يسقطوا من وعي أجيالهم دور المخلص وينتقلوا بها وعي بتاريخهم الإنسان, الكل, الوعي العام. خبثا, وانطلاقا من هذا الوعي, يصر المحافظون الجدد على أن يقدموا أعدائهم كأشخاص لا كحالة جمعية, فيختصرون العرب بصدام حسين وأسامة بن لادن, ولكن ليس لأحد أبدا أن يختصر أميركا بدونالد رامسفيلد, طوبى لهم إن لعبوها بإتقان والحمق ألا نفهمها.
عَجِبَ الكثيرون من نجاح جورج بوش الابن رغم أن حملته الانتخابية قامت على تصويره كرجل كاو بوي, في أوربا وجدوا فيها صورة للتخلف, صورة للملتحي القذر الذي يطلق النار عشوائيا ويسطوا على البنوك. الأميركيون لهم رأي آخر, لقد تربوا على أن من صنع مجدهم هو ذاك المتمرد, تمرده المستمر هو ما دفع في آخر الأمر إلى الحرية, الحرية التي أنتجت في النهاية كل تلك القوة الهائلة التي تحكم العالم دون حياء أو رادع, والحملة الانتخابية تخاطب الداخل ولا تخاطب أوربا كي يعتد برأي الأوربي فيها.
إبراهام لينكون, والآباء المؤسسون, لم يكونوا أكثر من مثقفين فهموا تلك الإشارات, فصاغوا دستور الحرية وقادوا حركة التحرر من البريطاني موظفين نزعة التمرد لغرض أعلى من الفرد ولكن بالاستناد إلى الفرد, انه دور النخبة أن تتلمس المستقبل وتسهم في صياغته. يوم عقدوا ميثاقهم لم يكن الكاو بوي قد صار كاو بوي بعد, ولكنهم أدركوا أنه العنصر الحسم في مستقبل بلادهم. ضبطوه بالقانون والدستور ولم يقيدوه بهما, جعلوا الدستور مطواعا لرغبته الجامحة في الحرية ولم يجعلوا من ذاك المغامر مسترقا أمام الدولة والمجتمع والدين والعادات والتقاليد وباقي مكبلات الحرية.
الكاو بوي هو من صنع أميركا, هو من يحكم العالم اليوم, حتى الشركات الكبرى اليوم في العالم تدار بطريقة الكاو بوي , المتمرد الذي لا تخيفه المسافات, يفكر كيف يتجاوز الأزمة ولا ينهار عند حدود ملامستها له. حين يدق ناقوس الواجب لا يتراجع, يندفع للحفاظ على مكتسباته لا حقوقه فقط, بالأنانية, بالقتل, هو لا يخجل, هكذا هي الحياة عنده, هذا هو عرفه, هو يرفض شيئا واحدا, يرفض أن يخدع, هو بدقة أكبر يتمثل مقولة ” إذا القوم قالوا من فتى “, بها ذهب ليحارب في الحربين العالميتين رغم أن النيران لم تكن لتصل بيته.
الأعرابي, بدوره, كانت له منظومة من القيم, قيم التمرد, قدسها, تغنى بها في شعره, كبتها على جدران البيت الذي جعله معتقده. كما احتاج تمرد الأميركي إلى فلاسفة ينظمون الاستفادة من تلك الحالة كان هناك محاولات بين العرب, أقواها جاءت على يد محمد, صاغ لمجتمعه هدفا,  سار بهم إلى مستقبل, ولكنه على عكس لينكون ورفاقه, قيد مواطنه بدستوره, صاغه طمسا
لتمرده. في زمن محمد كان هناك عمر بن الخطاب وأبو بكر ومعاوية وعمر بن العاص وعلي بن أبي طالب وأبو طالب وأمية بن خلف وأبو سفيان وأبو الحكم وأمية بن السلط وأسماء كثيرة تحتاج إلى كتب لتعدادها, بعضها سبقه وبعضها عايشه وبعضها رافقه, في كل الأحوال كان هناك رجال وحكمة ونزعة للحرية لم تنجح لا روما ولا المدائن في تطويعها. استخفافٌ بالعقول هو القول أن الصحارى لا تَدُرُ مالا فتركت لأهلها, ولِمَ أخضعَ الرومُ الحبشة إذن؟. وهل ليبيا ومصر أكثر من صحارى؟. وماذا عن تجارة مكة وخطها الممتد إلى اليمن والمتقاطع مع آخر قادم من إفريقيا؟. أنسيتم تجارة الملح والعبيد؟. تلك التجارة التي زاوجت شعوبا بقوتها وعوائدها, ألم يكن أهل قريش من أغنى العرب؟. أغنى شوامِهم ويمنيوهم. لِم لم يطمع في ثرائهم كسرى وقيصر؟. إنه التمرد الذي إن تمكن من روح مجتمع صار تطويعه مكلفا, مكلفا جدا, تكاليفه تجعل تجار السياسة يفكرون قبل أن يغامروا بتجارتهم.
الإنسان المتمرد, هناك في أميركا, كان من صنع إمبراطورية اليوم العظمى, والتمرد ذاته في إنسان آخر وزمن آخر هو ما صنع الإمبراطورية التي سميت “بالإمبراطورية الإسلامية”. الوعي النخبوي الذي قدس التمرد في الفرد دفع المنتج والمخرج الأميركي كي يعرض تاريخه سينمائيا عبر الإنسان العادي وقصته مع الحرية. هو ينظر إلى لينكون كبطل مقدس, ولكنه يدرك أن لينكون لم يكن سوبر مان, بل مجرد مان, طال كالجبال أو وسع كالبحر, هو في آخر الأمر مان. والتاريخ قد يُحرِكُ أوراقَهُ فردٌ ولكن لا يحدث فيه الفرق العظيم إلا أن يكون هناك مجتمع مستعد للتمرد. الفرد الأسطورة, محمد أو لينكون, يعيد توظيف الإمكانات المتاحة ولا يصنعها, القيم الاجتماعية نتاج قرون من سيرة الشعوب, قد ينجح أحدهم بدفعها باتجاه دون آخر, ولكنه أبدا لا يملك أن يُوجِدَ ما لا يوجد ولو بلغ الجبال طولا. “حنظلة بن صفوان”، و “خالد بن سنان العبسى”، و “رئاب الشنى”، و “أسعد ابو كرب الحميري”، و “قس بن ساعدة الإيادي”، و “أمية بن أبي السلط الثققي”، و “ورقة بن نوفل”، و “عداس مولى عتيبة بن ربيعة الثففي”، و “ابو قيس صرمة بن أبي انس الانصاري”، و “أبو عامر الاوسي”، و “عبد الله بن جحش الأسدي”، و “الراهب بحيرة”, و”عبيد الله بن جحش”، و”عثمان بن الحويرث”, وأسماء كثيرة أخرى أقدم زمنا مما عرضت, كتبت مثل ما قال محمد ودعت إلى ما دعا إليه. في مرات جاءت الكلمات بينهم متطابقة حتى غلب الظن بالنقل بينهم, وفي مرات كانت مختلفة, ولكنها في مجمل مقصدها كانت تحاكي تنويرا اجتماعيا على حساب ما هو سائد مما ظنته تلك الرجال تهلكة وظلما لأبناء جلدتها. أي أن محمد غَلَّبَ بعضا على بعضٍ ولم يخرق قانون التاريخ بأن أوجد مالا يوجد, غير انه, وعلى خلاف ما حدث في الولايات المتحدة الأميركية, وحين قيد التمرد, لم تعد هذه الأمة قادرة على إنجاب جيل من الأحرار, بل فلتات بين جيل وآخر, فكان المتنبي, كمثال, خارج زمانه, ولم يجتمع في تاريخ العرب من بعد عهد محمد عديد من المتمردين كالذي اجتمع قبله وفي عصره, لقد طمسهم جمعيا حين طمس التمرد الذي هو جوهر الحرية. القانون حين يصبح قيدا في عنق الفرد لا يغدو ناظما للحياة بل مسترقا للأجيال, ولذا صرنا أمة السلطان, نساق كالعبيد في أقبية القصور, تتغن الأمم بما لديها ولا نتغنى سوى بمن قيدنا وباعنا في سوف النخاسة كما يباع المخصيون ليؤتمنوا على عهر مخادع الحريم. سَيرُ حديثنا اليومي هو ما قالت “نور” وقبلا شُغِلنا بطلاق أم عصام وخطبة فلانة من فلان. المسلسلات المكسيكية, لما فيها من تفه, تجد في مرابعنا ملايين المتابعين, وبولد أند بيوتفل الذي عاصرته بيننا أجال, كان فاشلا في الولايات المتحدة وصارت متابعة الرجل له دلالة خنوثة كامنة بين الجوارح يتراهن الأصدقاء على أمد تحررها.
لقد قدمت الدراما السورية أعمالا ذات بعد إنساني, كان موضعها الإنسان لا أشخاص, نقلت تفاصيله, أحاسيسه, انفعالاته, هدوئه وغضبه, تطور العقيدة لديه, فصرنا نفهم واقعنا أكثر وأكثر ونحن نراه من عدستها, وهذا دور النخبة ودور الفن.
لقد أعتقتنا الدراما السورية من العمدة وشيخ الغفر, من مهزلة كوميديا الحركة التي كان دريد لحام أسيرها في كل مرة ابتعد فيها عن الماغوط, فسقط كما يسقط كل كائن حين يفقد دماغه. قدمت لنا الدراما السورية أشواك ناعمة, غزلان في غابة الذئاب, والانتظار, كثلاث شواهد لا تقل إبداعا عن أعظم ما قدمت الدراما العالمية, وكلها كان موضوعها الإنسان, ولكنني لا افهم لما تسقط الدراما السورية حين تحاكي التاريخ فتشارك في الأعراف المصرية التي تذبح الفرد قربانا للأسطورة والشخوص المقدسة؟. أين تاه فيها ذاك الإعرابي المتمرد؟, ولم الهروب من عرض التاريخي انطلاقا من كينونته هو؟. إلى متى يمجد الانتصار العسكري ونتجاهل جميعا من صنع النصر ومن أين استلهم؟. الخنوثة صفة لما هو شائع في مجتمعاتنا, مهما كانت الكلمة ثقيلة, وشواهد ذلك أنماط الاهتمام التي تأتلف الجموع عليها. هذه حقائق علمية يمكنني أن أقيم عليها البراهين من الدراسات التي أنجزتها أمم أخرى ولا فضل لنا فيها ولا منة, فلا تتسمر المجاميع أمام الشاشات لساعات وهي تترقب أن تعرف أين ينتهي زواج فلان من فلانة ولا حكاية ومتاعب الغرام لعلانة ومغامراتها دون أن يكون في أخر المطاف ما يبنى علي إلا أن تغلب عليهم طبائع النساء. لست استهين بالمرأة ولكنها حقيقة البيولوجيا وتكوين الدماغ, الأمور هكذا في واقع الحياة ولست أنا من صاغها
.
التاريخ جزء من وجود كل أمة, منه تنطلق وبغير مدده لها لا تستمر, ونحن ككل الأمم, لنا تاريخ كبير, فيه ما هو ناصع وفيه ما يندني له الجبين, لا أدعوا إلى تخير جزء دون آخر, بل إن جل ما أدعو إليه هو أن ينقل لنا كاملا غير مقنن. ألا يحشر في رؤوس العامة أشخاصا وزمنا, ألا يقال لهم إنه صلاح الدين وعنترة, ألا يقال لهم إنه العسكر دون الفكر أنه الطاعة دون التمرد.
التاريخ هو ذاك الإنسان الذي عاش فيه ومضى دون أن يدري به أحد, علينا أن نبحث في تاريخنا عن تلك القصص التي شكلت الوجدان الجمعي أو عبرت عنه, عن الإعرابي الذي نقل العرب حكمتهم على لسانه دون أن يسموه باسم, وسواء أكان هو قائلها أم هو من وقعت عليه القسمة كي ينطلق لهم بها فقد كان رمز تاريخهم ورمز حكمتهم وهو ضالتنا في تاريخنا.
لقد مللت من خالد بن الوليد ومن صلاح الدين, من كل تلك الأساطير والأسماء الكبيرة التي جعلتنا جيلا بعد جيل نظن ألا منقذ لنا سوى بعودة أحدها حيا أو أن يبعث فينا مثيلا لها. يوم ظهر عروة بن الورد لم تمطر به السماء من حيث لا يحتسبون, بل كان واحد من جميع, تقدم عليهم لنسب أو بلاغة شعر, أو لكليهما, ولم يتقدم عليهم لجرأة لا يمتلكون وهجها, ولا لعنفوان انتقص في أخوانه.
كما خلصتنا الدراما السورية من تفاهات حبة المخدر في كباية العصير التي تمحورت حولها الدراما المصرية عقود من زمن الضياع العربي فظلت وأظلت, كما كشفت لنا خابيا الإنسان البسيط الذي أنتج عصرنا, خبايا الخفاش الأسود في أشواك ناعمة وأزمات الأجيال التي تورث لأجيال تحت بند الطهر والأخلاق والحرص المريض مرة والمكذوب مرات ومرات, كما كشفت لنا عن النذالة الكامنة في أعماق شخوص وشخوص لينتج سامر في غزلان في غابة الذئاب, كما فعلت الدراما السورية هذا في واقعنا هي مدعوة كي تبحث لنا عمن فجر عنفوان خالد وعناد صلاح الدين.
في أمة لا تقرأ, وفقدنا الأمل في أن تفعل عن قريب, تبقى الصورة هي محور الخطاب الوحيد الفاعل لإنتاج واقع مغاير, تحرير الإنسان من الأسطورة ومن سطوتها عليه وعلى مقدرات وعيه بإعادة الاعتبار للفرد وللحرية , لروح التمرد, ولقدرة الخلق في وعي مجتمع التاريخ هو ما يجب أن يكون رسالة الدراما السورية.
ما لم تلتقط الإشارة فهي لن تبتعد عن مصير سبقته إليها الدراما المصرية التي وجدت نفسها تقدس الحاضر, على علاته, وتعجز عن تجاوزه , وهي التي انطلقت رغبة في التغير والانفتاح, وحاضر في الذهن قول المخرجة إيناس الديغيدي : صار الرجال من الممثلين يتحرجون من لقطات تظهر فيها صدورهم عارية فيصرون على ارتداء الفانيلا, لقد سيطر المجتمع على الدراما في مصر فأسقطها, فلا تتسيد الرعاع مجتمعا وينتصر أبدا, ومن ذاك السقوط تلمست الدراما السورية لنفسها مكانا لتظهر, موطئ القدم مكان للانطلاق لا يسكنه سوى العجزة, لكي يحقق الإبداع غايته فلا بد وأن يعين الإنسان العادي على اكتشاف طاقاته الكامنة, طاقاته المكبوتة, لا أن يستلم للفكرة السائدة.
الأميركيون لم يسقطوا في أسطورة لينكون, ولا هم تحرجوا من صدور النساء العارية, تاريخنا أكثر من مجرد ثرثرة تدور بين رجال في غرف تتدلى منها الستائر كما في بيت رجل حديث النعمة, تاريخنا أكثر منهم يضعون عمائم تستر شعورا أطول من شعور نسائهم, مرتدين عباءات لم ينزل لله بألوانها سلطانا ولا كتابا مبينا, تاريخنا هو الإنسان الذي مثله عروة بن الورد ولم يطمسه, فابحثوا عن ذاك الإنسان ولا تهلكوا إنساننا بحثا عن مخلص.
تاريخنا قبل كل شيء لغة أجمل ما فيها مخارج حروفها, وجزالة كلماتها, فلا تعرضوه علينا بخنوثة أهل زماننا, وليتكبد ممثليكم بعض المشقة وهم يتعلمون مخارج الحروف, وليتذكر الجميع أن اللغة العربية سماعية, سماعية كانت وسماعية يجب أن تعود, هي لا تُعَلم انطلاقا من قواعد الإعراب إلا أن يتوارث وزارة التربية في بلادنا وأوطاننا أسرى النمطية ممن يديرون ظهورهم لكل الاكتشافات العلمية عن آلية عمل الدماغ ودور الوعي الباطن في إنضاج تمكن المتلقي من اللغة وموقع تخزينها وطرق استحضارها. القواعد والنحو للمختصين, والسليقة للعامة, ويومنا بلا هؤلاء ولا هؤلاء. وليكن لنا في عارضات الأزياء الغربيات مثلا وبصيرة, وقد صرن يتقن مخارج حروف لغات غريبة على نشأتهن, سواء أكانت فرنسية أو ايطالية أو إنكليزية, كي يسهل عليهن سعيهن لأرزاقهن أينما حطت بهن الرحال, إن لم يفعل الممثلون في الدراما السورية ذلك إكراما للغتنا فليفعلوا إكراما لجيوبهم.
بين الفصحى والشامية فارق, ولكل منهما حلاوة, ولكن الفصحى ما لم تكن فصحية الخروج علينا تصبح مقززة, فلا تثيروا اشمئزازنا بثائكم المتسيسنة, ولا ظائكم المتطهرة عن بعض لعاب يقومها قبل أن تصل أسماعنا, ولا ذالكم المتزيزنة بميوعة حسناء تتغنج في شارع الشعلان ليس لها في واقعها ما تعول عليه غير أنوثتها, وأقول هذا لممثليكم من الجنسين.
عودوا إلى السينما الأميركية راقبوا جيدا كيف لم يستحي الأميركي من قذارة رجل الكاوبوي, فلا جمله بـ “اشاربات ” خضراء وحمراء, ولا حصر حياته بمنطقة دون أخرى ولا بزمن دون آخر, بل انصرف همه إلى جوهره, إلى تمرده. ومنه, من ذاك التمرد, استلهِموا أن تمزقوا النمطية المصرية, وحياءً مفتعلا لا يعكس سوى ازدواجية معاير في
صاحبها, فلا خَجَلَ من وَعْثاءِ منتصر حر آبي, ولا خجل من جسد امرأة جميلة, ومن كان شديد الحساسية فليُعرِض بوجهه. علموا هذا المُعرض أن يفخر أن الفرنسي مارا بأرض العرب استوقفه جمال العربيات فرسمهن عاريات لا أن ينكر نفسه والتاريخ والحقائق ويحشر شرفه في أن العربية لا تتعرى ولا يقع حملها إلا وهي تهز بجذع النخلة إليها. قولوا له أن الفرنسيين, وهم اليوم من سادة الأرض, جعلوا جمال نسائهم رمزا لجمهوريتهم, فكانت بيرجيت باردوا في عشر سنين ثم كاتين دونوف لمثلهن واليوم هي لاتسيا كاستا, أجساد تلك النسوة كانت وما تزال شعارا كما العُقاب في جمهوريتنا. قولوا له إنهن نسوة تعرين دون أن يكون عريهن مساس بشرف أمتهن, وأنهن تعرين يوما بلا ضرورات فنية وتعلمن الدرس وصار عريهن فنا و إبداعا بتراكم التجربة والوعي, علموه أن يلوم العقول السطحية التي تتلاعب بها هيفاء وهبي بعريها لا أن يصب جامَ غضبه على عُريها, فلولا كل تلك العقد لما نظر احد إلى هيفاء وهبي ولمرَ عُريها ساكنا كما مرت هي بلا فلاشات حين عبرت على السجاد الأحمر أمام عدسات المصورين في مهرجان كان مرافقة عمر الشريف عله يستوقف لها مخرجا أو منتجا, فلا جمالها ولا عريها استوقف أحدا منهم, فهم هناك صاروا يبحثون عن معنى لا عن مجرد جسد, عن قدرة وليس فقد عن تعري.
 عري الأفلام الأميركية الذي اعتاد عليه المشاهد العربي مقننا على قنواته الفضائية, ومنها الـ (mbc) الرابعة والثانية وكلتاهما من أتباع الوهابية, مالا وهدفا, لن يطول به الأمد حتى يُعتادَ عليه عربيا, فالأهم أن يعود لإنساننا تمرده بكل أشكاله, أن يستعيد حياته كما كانت قبل أن تطبق عليه زنزانة الأساطير والمقدسات بابها, قولوا له أنت فاجر ماجن سكير عربيد جدك هو امرىء القيس, شعاره كان اليوم خمر وغدا أمر, الحشمة والعفة ورؤوس الغربان المطبقة على العقول غرباء عن تاريخك, أريد لها أن تدفع بك للأمام, فعلت زمنا ثم شتتك أمان وأزمان, آن لك أن تستعيد منها حياتك, أن تعود إلى شخصيتك إلى طبعك, باب الحارة ليس تاريخك, هو تاريخ عبوديتك, متى فخرت الأحرار بالقيود, أن تتوقف عنده يوما تلك حسنة, أما أن تعيش في قيدك فتلك هي الطامة الكبرى, أنت ابن ذاك المتمرد فلا تقف خجولا مرتبكا ما انتصرت أمة يوما بعذاراها.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد