إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

جورجيا.. وفخ الأجندات الإسرائيلية// رشيد قويدر*

ثمة مساحة ظل كبيرة في جورجيا الرسمية بقيادة ساكاشفيلي، أخذت تنجلي مؤخراً. وتتعلق بالدور السري الإسرائيلي عبرها في منطقة جنوب القفقاس، بدءاً من السيطرة «السحرية» على مقاليد الأمور للحكومة الراهنة لرهط ساكاشفيلي وقراراته. وتشير الوقائع المتوافرة؛  والتي تمر لماماً مرور الكرام في وسائل الإعلام، وتراكمها يشير إلى ذلك.  فرهط ساكاشفيلي غارق في الغرام الصهيوني حتى استخف به الطرب، ويسجل روايته الخاصة على جورجيا ولكن كعاشق، وعلى وقع إيديولوجيا «البقشيش» الشايلوكي، وتعميم اقتصاد “البقشيش” المدفوع الفاتورة من الخارج نحو القفقاس الجنوبي، وكجزء من اقتصاد الخدمات السياسي.
دخل ثابت في انفصام تام عن ماهية تاريخ جورجيا وهويتها وأخلاق العمل، ومزايا الإنتاج، والمنافسة والتجديد. كأي عمل يخلو من الشرف. وفي غرام «إسرائيل» تبعية عمياء، والهشاشة هي السلعة الوحيدة، غير بيع الخدمات السياسية في دولة ضعيفة تفتقد للموارد الهامة، وبحسابات «جليدية من المعونات النزيهة»، نحو أجندات سياسية باتت واضحة، طالما أن المال السياسي هو تحت غطاء الفرو المتعالي على الرأس، كما يشاهد هنا أو هناك تحت الجُبّة أو المعطف الأسود أو العمامة أو الكوفية.
منذ سقوط بغداد في نيسان (إبريل) 2003، قدمت جورجيا للعرب، نموذجاً لـ «الدعم الأميركي للديمقراطية وتصديرها»، فهي القوة الثالثة من حيث العديد العسكري في العراق (2000 جندي)، بعد القوات الأميركية والبريطانية، كما أنها اللاهثة لعضوية حلف (الناتو) باعتباره الدرب نحو الحرية، وهي محور الاهتمام في أجندة بوش، فالرئيس في جورجيا فتى واشنطن المدلل، أما الأجندة فتفوح منها رائحة النفط الزكية، وادوار ومشاريع في المنطقة، وكي لا  تتحول إلى حطام هامد يحيط بالإدارة الأميركية ذاتها.
تدفقت الأموال الأميركية السّخية، على المنظمات غير الحكومية في جورجيا، الناشطة للتأثير على الحركة الشعبية، وتسريع ارتباطها بأجندة واشنطن، ربط حبل السرة بالدماغ للبقاء في المدار المغلق، وهنا ابحث عن «إسرائيل» لفهم المعادلة، وكأن الشعوب مجرد قطعان تعيش فقط من وجبة إلى وجبة، لا أنها تكابد لشق طريقها نحو حياة ومستقبل أفضل.
في نموذج جورجيا ساكاشفيلي عينات عديدة تصلح للتحليل لإدراك ما يجري هناك، وفي تحول الحكومة الراهنة طرفاً ضد المصالح العربية، مدى التوغل الصهيوني عبر شرايين القرارات المتخذة، بدءاً بالطلب الروسي من «إسرائيل» بتقديم الإيضاحات، حول قيامها بتزويد جورجيا بطائرات بدون طيار، وبعد تكرار إسقاطها فوق إقليم أبخازيا.
لا يتعلق الأمر بصفقات الأسلحة، بل بسياسات وأجندات وشعوب، يجري العمل على تهميشها وإقصائها، وإفراغها من أي محتوى إنساني وتاريخي، ومعاقبة أوطانها. لأنها تتفرج على مصيرها على يد «تاجر البندقية»، في حساب المذلة والامتثال والاستغراق في البطالة، ككسور عُشرية في حاسوبه، وحين  ساعة تسديد الديون، فإن المستقبل أكثر جشعاً وهوان. وعلى سبيل المثال أسبوع الحفلات الكبرى في العاصمة تبليسي بمناسبة ستين عاماً على «استقلال وتأسيس إسرائيل» أي ذكرى النكبة الفلسطينية، والتي حضرها شخصيات إسرائيلية، وتسخّر لها نجوم الفن الجورجي.
لا غرابة طالما أن الشخصيات الكبرى في رهط حكومة جورجيا الراهنة؛ يتكلمون فيما بينهم اللغة العبرية بطلاقة، من موقع الإفراز البنيوي، ومن موقع الوحي لما يطلق عليه أميركياً بـ «الثقافة الإستراتيجية» بمعنى الإحساس المسبق بمخاطر التهديد، وطريقة مواجهته، التي أنتجت نظرية «الإجهاض الإستباقي» البوشية. وتدخل هنا تهديدات الوزير الإسرائيلي شاؤول موفاز ضد إيران، وتبليسي جاهزة لتأكيد أو دعم المخططات الإسرائيلية ـ الأميركية ضدها.. استخلاصاً لما ترمي له الأجندات التي باتت واضحة.
الشخص الثاني في حكومة تبليسي هو وزير الدفاع دافيد كزراشفيلي، ذاته في عام 1993 التحق بجدته في «إسرائيل»، وأقام معها وعاد إلى جورجيا بعد التخرج من الجامعة، وهو مقرب جداً من الرئيس ساكاشفيلي، وصعد على سلمه في الدوائر الرسمية، إلى أن عُين في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) 2006 وزيراً للدفاع. وبحسب «يديعوت احرونوت»، الصحيفة الإسرائيلية فإن اسم والده شابطاي، وهو يتكلم العبرية منذ أن كان عمره ست سنوات. وتضيف؛ تربطه صداقات متينة بـ «إسرائيل». وزير آخر اسمه تيمور يعقوبو شيفيلي: (تيمور ابن يعقوب)، كان يعيش في «إسرائيل» قبل أن يستوزر في جورجيا، وتربطه بها علاقات وطيدة، ويتكلم العبرية بطلاقة، ومثلهما العديد من مستشاري ساكاشفيلي.
في المصالح الأميركية لإدامة وإدارة الأزمات، تدخل جورجيا غرفة العناية الفائقة الإسرائيلية لمدها بالجلوكوز، ومعادلات الضرب والطرح والقسمة على الطريقة الصهيونية، في ثنائية «الاستعداء والاسترضاء»؛ أرقام حملتها الصحافة الإسرائيلية نتفاً مما يدور في فلك المشاريع الإسرائيلية، وكفائض للعطن والتعفن تصلح للتحليل. فشركة «لابيدوف» النفطية الإسرائيلية قدمت 30 مليون دولار لتطوير مناطق النفط في جورجيا. وذات الشركة استثمرت مشروع بناء 800 فيلا في العاصمة تبليسي. أما الملياردير الإسرائيلي ايال عوفر والمقيم في لندن، فق
د قدم 78 مليون دولار لتطوير تبليسي. ورجل الأعمال الإسرائيلي افرايم عوز، عضو الكنيست السابق والمولود في جورجيا، هو الآن رئيس مجموعة رجال الأعمال للاستثمار في هذا البلد، وبناء ألف وحدة سكنية في العاصمة. فضلاً عن مشروع من شركة «شلفار» الإسرائيلية للاستثمارات، التي تبنت استثماراً بحجم 50 مليون دولار.
كما ويلحظ المراقبون أن الأفضلية لدى الحكومة الجورجية هي للاحتكارات الإسرائيلية، الدولة المدللة  و«المعصومة» لدى واشنطن، والارتهان حتى النخاع للصهيونية.أما الأسباب فتتعدى جغرافيا جورجيا، نحو القفقاس الجنوبي، ولبناء تحالف استثماري على دماء الشعوب، وتحويله إلى تجارة وسوق سوداء.
إن هذا ما يفسر غِشية السكرة الجورجية الرسمية في غرام «إسرائيل»، ومن ثم ابتكار الخصوم والأعداء في اتجاهات مستقبلية، ولا علاقة لها بقراءة الطالع والحظوظ أو إثارة الدهشة، بما يملي على العرب أولاً الوقوف مع قضاياهم وذاتهم، أمام مشاريع وشيجة الصلة بهم، تضاريس جديدة في خطوط العرض والطول التي تمر بهم، وتطالهم وتحيط بهم، وتستهدفهم في القلب منها.
                   * كاتب فلسطيني
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد