إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

صاعدا نحو التئام الحلم

tn(2)فوزي باكير
لم نُصدِّق أنه رحل…للوهلة الأولى اعتقدنا أنها إشاعة..ثم قالوا حقا إنها إشاعة..لكنها لم تَدُم طويلا..كانت إشاعةً لدقائق فقط…حتى تأكد لنا خبر الرحيل…
 
ثمانيةٌ وأربعون عاما من العطاء..عطاؤه الذي لا يبتعد سوى اثني عشر عاما عن نكبة الشعب الفلسطيني..إذن هو فصلٌ طويلٌ في تاريخنا وحياتنا,حمل القضية على أكتافه وسار بها..حملٌ ثقيلٌ كان على ظهره..لكنه استطاع أن ينثر هذا الحمل الثقيل زهورا في مُختَلَف بقاع الأرض..
ليوقد شمعةً أخرى في تاريخ الإنسانية…
 
والان يتركنا…ويصعد بعيدا عن هذه الأرض التي لم يرَ فيها سوى تتابع نكباتٍ..واحدةً تلو الأخرى…يصعد بعيدا نحو حُلمٍ قد يتحقق في سمائه وبياضه..يَصعدُ وفي قلبه آثار أنامل الطبيب الذي لم ينجح أن يُعيدَ له النبض
ولا الأمل…يرحل وفي قلبه طِفلٌ يبلغُ من العمر سبعة أعوامٍ..يلتفت إلى
عكا..يتمنى أن يقفزَ إليها..مُتَلهفا للرجوع..وكأنه أحمد الزعتر…
 
كان درويش قد أعدَّنا لرحيله عدة مرات..في جداريته مرةً وفي قصيدة “الآن في النفى” من ديوان كزهر اللوز أو أبعد…حيث قال في نهاية القصيدة: “قل للغيابِ:نقصتني…وأنا حضرتُ لِأكمِلك”..وفي كتابه “في حضرة الغياب” أيضا كان يودعنا…لكننا حتى الآن لا نستطيع أن نُدركَ غيابَه..كيف يغيب ويترك الحصان والبلاد وقلوب الناس (جِنسيتهُ) يتركهم وحيدين..؟!
من الصعب أن ننجُوَ من موتِهِ ونرجع سالمين..مع أنَّه يُخلِّدُ نفسه ويُخلِّدنا بصوته العذب الذي سنظل نسمعه بين طيّات قصائده وخالديِّاته..والجداريّات..!
 
سنحاول أن لا نبكيك..سنعمل ما أوصيتنا به..سُنربِّي الأمل..فنشيدك للوطن ما زال صداه يدقُّ أبواب قلوبِنا..ورائحة خبز قصائدك يطلع مع بزوغ الشمس في كل فجر..”سلامٌ عليكَ وأنت تُعِدَّ نشيد الصباح..سلامٌ عليكْ”…
 
يا نبيَّ الأنبياء..وشاعر الشعراء من رسائل المصري في الوادي حتى أشلاء طفل في شاتيلا..حتى أشلاء قلوبِنا التي تتناثر فوق ضريحك شقائق نعمان..
أنت منذ الآن نحنُ…سنحمل ظلك ونسير معه ونحميه من هُواة الرثاء..وسنظل ننشد لك أنشايد الحياة..لأننا نحبها طالما استطعنا إليها سبيلا
ونحبُّ أنك كنت فيها بيننا…كما ستبقى خالدا فيها بيننا…
 
لن نقولَ وداعا يا درويش…ليس لأنك لم تغب فقط..بل لأننا نحن ما زلنا على قيد الحياة…ما زلنا نكتب عنك ولك…فلا يمكن أن نودَّع أنفسنا وأقلامنا ما زالت قيد النبض على الأوراق…وكما علّمتنا أن حبة القمح التي تموت..تملأ الوادي سنابلْ..وقد نكون نحن بضع سنابلَ أحيتها روحُك…
 
حسنا سيِّدي…لم يبقَ سوى كلمتين..وأريحُك من عبء الكلمات…فلترقد بسلام…وترتاح من احتراق يصيب الوطن من المحيط إلى الخليج…
ولا تشهد..فأنت العبد والمعبود والمعبد..فلا تشهد..فلا تشهد…!!
 
فوزي باكير
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد