إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

استحالة التعايش بين باكستان والحكم الشمولي// زهير الخويلدي

“تعمل الايديولوجيا الشمولية على وضع العقول في حالة عبودية وتعيقها في منبعها الحي عن كل رفض ملغية فيها حتى إمكانية تبلور النية في ذلك”. كلود بولين
 
        
 
وأخيرا قدم برويز مشرف استقالته وتخلى قسريا عن سدة الحكم في باكستان وخرج من قصر الرئاسة مما يسمح لهذا البلد باستئناف المسار الديمقراطي وتنقية الأجواء السياسية وإنعاش الحراك الاجتماعي بعد أن حاول هذا الرجل العسكري أن يفرض على الجميع منطق سيطرة السلطة العسكرية على بقية السلطات وإحكام القبضة الحديدية والنظام الشمولي على شعب متعدد الاثنيات ومتنوع المرجعيات وشهد لسنوات عديدة بروز قوى ديمقراطية ممثلة في أحزاب ذات قاعدة شعبية وهيئات من المجتمع المدني لا يستهان بها.
 
 استمرار مشرف في مهامه كرئيس لدولة باكستان تحقق بعد زجه بالجيش في الحياة السياسية وتلقي المساندة الخارجية من عدة أطراف لخدمة أغراضها التوسعية ومصالحها الاقتصادية ونيله شرف الدعم الأمريكي خاصة بعد تحالفه مع الولايات المتحدة ضد أشقائه في القومية البشتونية أثناء العدوان على أفغانستان بغية مواجهة الإرهاب والتصدي للقاعدة وطالبان وتفكيك المحاضن الآمنة لقوى التشدد.
 
تضم باكستان هذا البلد المسلم التابع للعالم الهندي والمستقل عنها وعن بريطانيا على أساس ديني إسلامي خمسة أقاليم هي البنجاب والسند وكشمير وبلوشستان و تقسم إداريا إلى عاصمة فيدرالية هي إسلام أباد وحكومات أقاليم ويعرف عنها أنها دولة نووية وأن اقتصادها يراوح بين العام والخاص ويعتمد على زراعة القطن والأرز والسكر والشاي والحبوب وصناعتها توفر بعض الأجهزة الكهربائية والمواد الكيميائية والمعدات والآليات الخفيفة كالسيارات والأسلحة المعدة للتصدير.
 
يمكن القول أن باكستان شهدت في عهد برويز مشرف حكما شموليا بالمعنى الحقيقي للكلمة وليس فقط نظاما دكتاتوريا ورأس الأمر في ذلك أنه نظام يقوم على الحكم الفردي ويعتمد على الأجهزة الأمنية ويفرض خياراته على الناس بالقوة ويستعمل القوانين ومؤسسات الدولة وهيئات المجتمع بما في ذلك الأحزاب والنقابات من أجل تبرير هذه الممارسات وإعطائها المشروعة وقد أدى به الأمر إلى حد تعطيل الحياة المدنية الدستورية العادية وإعلان حالة الطوارئ والأحكام العرفية في العديد من المرات.
 
من المعلوم أن الشمولية هي صيغة جديدة من الطغيان ظهرت في القرن العشرين وطريقة استبدادية في الحكم تزيد عن إدارة الحياة السياسية وتنظيم العلاقات بين الناس إلى التحكم في شؤونهم الخاصة وتنتهك حتى حياتهم الشخصية وتحدد الذوق العام وتنمط أفكارهم وتضبط سلوكهم وميولاتهم.
 
زد على ذلك يتميز الحكم الشمولي بعدة خصائص منها وجود نظام يعطي لحزب واحد حق احتكار الحياة السياسية متسلحا بايدولوجيا يعتبرها الحقيقة الرسمية للدولة ويقوده رئيس ذا كاريزما خاصة يجمع بين السلطات في شخصه ويعتمد على جهاز أمني قوي يحتكر وسائل الإعلام التي تقوم بالدعاية اللازمة للإدارة المركزية للاقتصاد وللنشاطات الفوقية المصلحية للشخصيات الحاكمة.
 
كل هذه الخصائص الشمولية متوفرة في أسلوب الحكم الذي قاد به مشرف باكستان لعدة سنوات فمنذ استقدامه كان معادي للديمقراطية والمكاسب الوطنية ويسير ضد الاتجاه الذي سارت فيه البلاد منذ سنوات وجعلتها تنافس عدة دول نامية وصاعدة مثل الهند وإيران والصين وماليزيا وإندونيسيا.
 
البعض فسر هذا الانسحاب وهذه الاستقالة بتنامي الضغط الذي تمثله القوى المتشددة في باكستان ومحيطها المجاور وخاصة أفغانستان وكشمير وظهور ما يسمى بالقاعدة في باكستان وصعود نجم جديد اسمه محسود وفشل المعالجة الأمنية والاستخبارات العسكرية في الحد من ظاهرة التطرف وتخوف مشرف على حياته خاصة بعد تعدد محاولات اغتياله وكثرة التهديدات الموجهة إليه من هذه القوى الغاضبة على خضوعه لاملاءات الغرب وتنكره للمشروع القومي الباكستاني.
 
البعض الآخر يرى أن خروج مشرف حصل بعد أن رفعت الولايات المتحدة يدها عنه وسحبت التأييد التي كانت تعطيه له سواء الدبلوماسي السياسي أو الاقتصادي والعسكري وبالتالي تحميله مسؤولية الفشل وتوتر الأوضاع وعجزه عن حل العديد من الأمور العالقة والملفا
ت الساخنة مما يتيح الفرصة لقدوم شخصيات جديدة أكثر نجاعة وتستطيع الدوائر الغربية وخاصة واشنطن أن تعول عليها في معالجة ظاهرة الإرهاب وإيجاد مخرج لمشكلة أفغانستان وقضية كشمير مع الهند.
 
هذا ويأتي رحيل مشرف مع قرب رحيل بوش من البيت الأبيض وعدم توضح الرؤية حول ما ستفرزه الانتخابات الرئاسية المقبلة وهوية خليفته ان كان ماكين أو أوباما ومضمون السياسة الأمريكية في العالم الهندي وطريقة تعامل الهيكلية الجديدة مع الملفات القديمة في هذه المنطقة وترددها بين الحل العسكري ومواصلة الحرب المترحلة والتواجد العسكري والتدخل المباشر والفوري أم اعتماد الحل السلمي وأسلوب الحوار والتفاوض والتوجه نحو الإدماج والتشريك والتشجيع على التنمية والديمقراطية من أجل تلميع صورة أمريكا في العالم.
 
بيد أنه يمكن القول أن مشرف أقيل أكثر من استقال أو أنه أجبر على التنحي عن الحكم واعتزال العمل السياسي بعد أن أجبر على التخلي عن رتبته العسكرية والتحول إلى شخصية مدنية قبل ذلك.
 
 كما يبدو من غير المنطقي أن نفسر هذا الانسحاب بمجرد سحب واشنطن ومعها بعض الدوائر الغربية تأييدها ودعمها لهذا الشخص ولا كذلك تزايد الخطر الذي تمثله القاعدة وعودة الاستخبارات الباكستانية إلى التحالف مع حركة طالبان ومناهضتها لحكم كرزاي في أفغانستان لأن هذا عامل من بين عدة عوامل أخرى أهمها فقدان المشروعية الشعبية وتوقف حركة التنمية وفقدان الدولة العديد من المكاسب والانجازات في فترة قصيرة ومعايشة البلاد حالة الحرب الأهلية والتناحر بين المذاهب.
 
نستخلص من هذا التنحي أن الحركة الديمقراطية في باكستان انتصرت في معركتها مع الحكم الشمولي وأن القوى الشعبية استعادت زمام المبادرة وفرضت منطقها الخاص وتحكمت في مجريات الأمور وأن الدوائر الأجنبية الغربية والشرقية فشلت في التأثير على الرأي العام وفي توجيه مجريات الأحداث نحو تحقيق أغراضها الخاصة.
 
 ان هذا الانتصار للحركة الديمقراطية الباكستانية ليس وليد الفراغ بل هو نتيجة التضحيات التي قدمت وخاصة الشهداء من الرموز والناشطين وخاصة زعيمة حزب الشعب الراحلة بيناظير بوتو التي اغتيلت في عملية غامضة قال عنها بعض المتابعين أنها لم تكن لتحصل لولا التسهيلات والتساهل الأمني الرسمين ومن المعلوم أن حزب الشعب حزب يسار الوسط وله قاعدة جماهيرية عريضة وساهم في بناء دولة باكستان وعصرنة الحياة الاجتماعية.
 
 لكن لا ينبغي أن ننسى مساهمة الجماعة الإسلامية التي مثلت جبهة الاعتدال الإسلامي ضد التطرف والغلو وآمنت بالقيم الديمقراطية وحاولت التأليف بين روح العصر والقيم الدينية السمحاء وقد احتلت ركنا أساسيا في الحراك السياسي وساهمت من موقعها في تثبيت السلم الأهلي والتوافقات القبلية، ولعل إصرار نواز شريف على العودة ورفضه كل الحلول التلفيقية يتنزل في هذا الإطار وخاصة حادثة رفض استقباله وطرده بطريقة مذلة من المطار وعودته إلى دول الخليج العربي من حيث جاء بعد أن امتنع برويز مشرف أي تفاهم سياسي يكون فيه رئيس الوزراء الأسبق طرفا رئيسيا.
 
رحيل برويز مشرف يعني الكثير بالنسبة لمستقبل باكستان والمنطقة ويدل أن تعطش الشعوب للحياة الديمقراطية هو أمر حيوي وأن خيار إدخال رجال المؤسسة العسكرية إلى الحياة السياسية من أجل فرض الأمن وتحقيق الاستقرار والسلم والرخاء هو خيار فاشل وأن أسلوب الانقلابات من أجل تعديل المسار والحفاظ على المكتسبات هو أسلوب مرفوض ويحاول تجاوز الخطأ بارتكاب حماقة أفضع، كما يدل أن أحسن وسيلة لمعالجة الإرهاب ليس المعالجة الأمنية بل المعالجة العقلانية وزرع نبتة الديمقراطية وتفعيل آلياتها والالتزام بقيمها واحترام نتائجها والكف عن الاعتداء على مكاسبها والتعامل معها بانتهازية وذرائعية مقيتة، فمتى يعمد العرب والمسلمون إلى مقاومة نمط الحكم الشمولي عن طريق فرض نمط الحكم الذي يستمد شرعيته من توافق المواطنين وإجماعهم؟ 
 
كاتب فلسفي
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد