إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

وصية " حنا مينه أفضل لو كتبها نصا أدبيا "

7anaaaناجي حسين 
قبل أيام غادرنا الشاعر الكبير محمود درويش ,شاعر صوت الفلسطيني المقاوم ,هل هناك ما أشد صدمة على القلب من قسوة , الموت لمن حمل فلسطين بجراحها النازفة ,الذي يتوج بشعره المميز , شاعرا عربيا كبيرا , إلى آفاق إنسانية وعالمية , له حضوره الفاعل بالكلمة الشعرية , وتجربته الشعرية الخاصة , رائد الفكرة المبدعة في الزمن الرديء , سيبقى منارة لكل الثائرين من أجل الحرية , في حركة التحرر الفلسطينية وحركة التحرر العالمية , سيظل الكيان الصهيوني يسمع شعرك حتى يرى الشعب الفلسطيني القدس فلسطينية , كما عشقتها , ظل مسكونا بهاجس عن تلك الحرية والهوية عاشقا عنيدا للوطن والأرض صارخا بوجة الطغاة والمحتلين:
 
سجل أنا عربي
 
 أنا أسم بل لقب
 
ورقم بطاقتي خمسون ألف .
 
 يستريح للمرة الأخيرة من نهاراتنا المتعبة ,يذهب إلى أسئلة الموت , مسلحا بكل جماليات اللغة , وحرارة نبض الحياة..وعندما قرأت قصيدته الأخيرة “لاعب النرد ” أحسست بألم أنه يرثي نفسه وتدخل ضمن سياق الوصية. بعده بفترة قصيرة أصبت بالذهول أولا , لأن الوصية جاءت علنية أراد أن يفاجئنا في أسلوب مماته , وأصبت بالحزن أيضا , لأن خلف هذه الوصية كثيرا من الألم والعتب, أخذني بقسوة وشدني الألم كثيرا حين قرأت وصية الروائي السوري حنا مينه ونشرها في الصحافة مجاهرا على خلاف الوصايا التي تظل حبيسة في الاقبية السرية , حتى يرحل أصحابها , بادرة جيدة وشجاعة وجريئة جداً وقلّما يقوم بها الأدباء الذين يؤثرون إبقاء الأمور الشخصية في الظل. قد بلغ من العمر 84 عاما , موضحا عن شعوره بأنه عمر يكنفه الشيخوخة , طلب في وصيته عن رغبته في ألا يُحتفى به ميتاً وألا يبكيه أحد ولا يحزن عليه أحد وألا تقام له حفلة تأبين. وأصرّ على جنازة بسيطة جداً مثل حياته، يحمل نعشه فيها أربعة أشخاص «غرباء» من دائرة دفن الموتى، ثم يهيلون التراب على جثمانه وينفضون أيديهم من بعد وكأن أمراً لم يحصل. هذا ما منّى حنا مينة نفسه به بُعيد وفاته وكأنه يريد أن يموت بهدوء بعيداًمن صخب الإعلام والضجيج الذي يرافق
 موت الأدباء العمالقة، وفي منأى عن حفلات التأبين والتعزية و »الفولكلور» الرسمي. هل هذه سمة من التواضع الذي يلجأ إليه العمالقة الذين يدركون حجمهم، أم انها مجرّد أمنية سرعان ما تصبح حبراً على ورق في لحظة الوفاة؟ أياً يكن غاية هذا الروائي الرائد والمؤسس في إعلان مثل هذه «الوصية»، وأياً يكن حافزها، فهي تمثل حالاً من الجرأة في مواجهة الموت جهاراً وبعينين مفتوحتين، وفي تخيّل ما سيحيطه من أمور أو وقائع. هذا الكاتب الذي لم يهب البحر وعواصفه حين عمل بداية حياته حلاقا , ثم حمالا في ميناء اللاذقية , ثم بحاراً في مقتبل العمر، يبدو أنه لا يهاب الموت ولا أنواءه في خريف العمر. لم يُخفِ حنا مينا «العجوز» سأمه «تكاليف» الحياة كما عبّر الشاعر القديم، ولم تعد لديه أي «رغبة في ازدياد» مثلما قال المعرّي المتشائم. لقد أصبح زاهداً في الحياة بعدما عمّر طويلاً بحسب قوله، ودب فيه الحنين الى «البحر» الذي لا نهاية له، والى السماء التي تضيئها «المصابيح الزرق». ألقى حنا مينة نظرة من «نافذة» الثمانين الى ماضيه وهاله كم أن الحياة وهم والشهرة وهم، واكتشف أنه مثلما جاء وحيداً الى هذا العالم سيرحل وحيداً. كتب يقول في ” وصيتة ” : ” ليس لي أهل لأن أهلي جميعا لم يعرفوا من أنا في حياتي ” . ليس من السهل أن يفكر ويتخيل الكاتب حنا مينه لحظة رحيله وجنازته .. هذا ما اعتاد أن يفعله إزاء شخصياته في أعماله الروائية . أما يجعل نفسه شخصية في وصيته مشرفة على الموت , فهذا نوع من العبث الذي لا يخلو من الجمالية . لماذا لم يكتب ” وصيته ” نصا أدبيامثلما فعل الشاعر الألماني ريلكة عندما كتب ” الوصية ” عام 1920 ولم يتوهج ضوءها إلا عام 1974 , وفيها يعبر خوفه من الموت لم يتيح لأحد إذا حل , وقد أكمل ديوانه الرائع ” مراثي دوينو ” . وقد قلد مينه ب” وصية ” فيكتور هيغو حيث كتبها في فترة شيخوخته وسماها ” هي ذي وصيتي ” وما زالت تقرأ بمتعة . وأيضا كتب وصية أمين الريحاني عام 1931 وسماها ” وصيتي ” .. وهناك أدباء عرب آخرون كتبوا وصياتهم , بعضهم نشرها وبعضهم أرادها شخصية أو عائلية. أما أجمل ” وصية” كتبها الروائي البريطاني، المجري الأصل، أرتور كوستلر عام 1938 فهي ” الوصية الإسبانية ” يمكن أن تقرأ كعمل روائي ينقل فيها معاناته في السجن الإسباني أيام حكم فرنكو وكيف كان لواجه الموت يوميا . علما أن ” وصية ” حنا مينه جاءت بعد عدة أيام من صدور روايته الأخيرة ” عاهرة ونصف مجنون ” يبدو من ” وصية : حنا مينه يشعرنا بحزن عميق ومؤلم لما آلت إليه العلاقات الإنسانية مع أقرب المقربين , وهذه تمثل قمة المأساة تلف هذا المبدع الذي نذر حياته لنشر الفكر الإنساني وقي
مه النبيلة التي خطت جميع أنتاجاته الأدبية , إذ نشعر بخيبة أمل بعدم تكريم المبدعين وهم أحياء من قبل حكومته الشمولية , والأتحاد الكتاب العرب السوري , وهو أحد المؤسسين لهذا الأتحاد. أليس عارا على أنظمة العربية ومؤسساتها الثقافية تجاهل تكريم أدباءها وفنانينها وصحافيها في حياتهم لينتهي الأمر بهم في بضعة كلمات تقال بحقهم في زاوية صغيرة جدا على صفحة هامشية وليس على صفحة الأولى من الصحيفة أثناء رحيلهم ؟. أن هذا الموقف المخزي يعطي عدة دلائل عن عميق التجاهل والأستهتار من قبل حكامنا اتجاة الثقافة , ورعاية المثقفين , بسبب خوفهم على كراسيهم , من خلال توعية وتهيئه المواطن العربي بحقوقه وحريته , وحقه في الحياة أفضل وأكثر إنسانية . ستبقى وصية حنا مينه وصمة عار في جبين لكل من لم يقم أداء الواجب الوطني والأخلاقي والإنساني تجاهه , وجديربالذكر في دول العالم عندما يبرز شاعر أو قاص أو روائي يكون عيدا وطنيا ويعتبر علم من أعلام هذه الدول , بينما نرى العكس في بلداننا . يؤسفني ما أوصل إليه الشعب العراقي من أمراض نفسية خطيرة نتيجة التناحر والأفرازات التي سببتها الحروب والحصار الظالم وثم الاحتلال الكارثي ,وتفتت القيم في ظل تلك وهذه الظروف, بصراحة أرى بحاجة إلى شعب جديد . سأكتب ” وصيتي “في نصا أدبيا: “ليس لي أهل لأن أهلي جميعا لم يعرفوا من أنا في حياتي ومنفاي “.
 
 
 
ناجي حسين
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد