إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

فواغي القاسمي .. أميرة الحداثة

فواغي القاسميفائز الحداد
نص : دعني أتشظى بك ..
 
فرمان الفتح الجديد
 
الجزء الاول :
 
 
 
فواغي القاسمي .. صوت شعري راكز ، خلق مكانته بجدار القصيدة في المشهد الشعري الخليجي والعربي، لما امتلكه من مقومات الموهبة والخبرة معا ، فلهذه الشاعرة من خصائص التميز ما جعلها حاضرة ، ليس على صعيد ( الأدب النسوي ) فحسب ، بل على صعيد الأدب الإنساني بشكل عام ، متخطية بذلك عنصر الجنس ومتجاوزة الشكل والأنماط .. تميزها في نبرتها الخاصة الخالصة التي لاتشابه إلا صاحبتها ، لما تمتلكه من حس مرهف بض وجزالة بنيوية سابرة لأسرار الشعر ، حيث المخيلة الخصبة والأداة الأنيقة والأسلوب الرافض للمحددات والمتمرد على نمطية التقليد التكويني حين تكتب القصيدة الحديثة المستشرفة لأبجديات الإبداع الحقيقي ، وما يحققه من خلائق واسعة تدين المفاهيم المتحجرة والمشوهة ، برهانها منجزها الذي يحظى بالاهتمام والكتابة في محافل ومشاهد الإبداع وفي مقدمتها المشهد الشعري(سيد الأدب ).
 
 فواغي القاسمي .. في نصها الأثير ( دعني أتشظى بك ) الحائز على امتياز بيان القراءة المنتجة ، من النصوص التي اصطلح عليها اسم النص ( المخادع ) الذي يعنى بالإخفاء والإعلان والإظهار والإبطان في منحاه اللغوي والشعري على حد سواء ، وهذا مايؤكد صحة الفهم في القراءة النموذجية لتشاكل وحدات النص.. هذه القراءة : قد اسقطت في تقديري مزاعم العديد من النظريات النقدية الوافدة إلى الأدب من الضروب المعرفية الأخرى، والتي أرادت من الشعر محض مطية لتصريف أحمالها( المنهجية ) من على ظهره الى غير أغراض الشعر ، لكنها لم تستقر في رحابه ورحلت هاربة كالقشة في مهب رياحه العاصفة ، وظلت القراءة النموذجية المنتجة السابرة لثيمة وشفرة النص ، الأساس الموضوعي في بيان جمالياته واكتشاف كنوزه الثرة ، وهذا ما يلخص رؤيتنا الانطباعية في نص فواغي ، موضوع البحث وبما يشي الى تجربتها الجميلة على صعيد القصيدة الحديثة .. فهي تبدو بهذا النص .. مخرجة شعرية من طراز خاص في ( مسرح الفعل الشعري) حين وضعت قرينها المخاطب في مراجعة استئناف حقيقية وافتراضية ، أو بصورة محاكمة الآخر بصولة الذات الشعرية في التذكير والاستذكار ، والقصدية فيه بائنة وواضحة لما انطوت عليه من معالم تعبير تقود وفق ( القول الشعري ) .. الى التمرد والتخارج ( على وعن) سجن الروح ، حينما يكون القرار مشروعا وممكننا ولو على جناحي ( فراشة ) ، لبلوغ أقصى مديات الذات في (هو ) المطارد ب(الأنا ) العليا ، المستحكمة في الاستدراج للفوز بصيد القرار .. فبغير ذلك لايكون للطيران معنى ، والسقوط حياله أرحم من البقاء في سجن الكلمة ، لذلك لا أعتقد أنها ستبقى دون تحقيق حلمها لتطير بعيدا عن كل شيء ، ولن تكتفي بأن تحط على حجر من تحب مستسلمة لهذيان صوت رياح (التبرير ) دون مجادلة عادلة ، لها فيها صوت ( الادعاء العام ) كأدلة واقعية لواقعة .. بالاضافة الى شواهد الاثبات كشهود عيان ، ويبقى قرار ( الحكم – عند – الأنا.. الأعلى ) في روح الشاعرة الغاضبة ..
 
وفي خضم كل هذا ، أعتقد بأنني ساستعير جناحيها شعريا لأحلق حول مملكتها وأطرق باب عالمها السماوي، وأدخل بكامل وضوء الكلمة مستشرفا عالم نصها الذي تجمعني وأياه شظايا مشتركة قاتلة في ابتكار ممالك اليقين ، بأننا نعيش نحن الشعراء بقدرة مالكين – سبحا لهما – ( الإيمان والعشر ) ولكن قدرنا بأننا لن ولا نعيش بدون الشعر ، وهذه هي حقيقة تماثلي السلبي كمضارع لكل نص جارح و( مخادع ) يذبحني حد اللعنة ، فهذا النص قد لامس جراح أشرعتي الساقطة في مرافيء بحار الأناضول وقذفني كطير جريح على شواطئ الخليج العربي ، حياض إمارت القواسم العظام - فرسان التاريخ وعيون البحر – لأنادي من أعلى منارة هناك :
 
بلى دعوني أمشي على الضوء مخترقا حدود أسى الكلمة ب( دعني أتشظى بك ) تأسيسا لفجر الإمارة الثالثة بصولة الشعر والتاريخ والجمال .
 
وقبل أن أدخل مملكة فواغي ، لابد من التنويه : على أن تركيزي في الكتابة عن بعض مفاصل النص لايلغي بتاتا أهمية إخواته .. فمن الصعب كاستحقاق كتابي تناول جميع المفاصل بشرح وتأويل تفصيلي ، وسأكون كالذي يمر برياض حديقة واسعة وغنية بمفردات الجمال . وكما تفعل الفراشات المحبة لصداقة الزهور ، سأشم هذه الوردة وأنهل من تلك ، وأتفيأ بالأخرى وأصاحب الأخريات ، وربما سألامس ذات الجرح بأديم كلماتي الراحلة في ( القبل الراكضة ) ، وليس لي من عطر إلا ما تضوع به جميع زهرات النص .. فأغادر !! ..
 
وكي لا أبدو دخيلا ، وأزاحم عاشقيها من ( الفراش والطيور والنحل ) .. سأكون أول الناطقين في ضيافة الشعر ، ولو أنني الخاسر كشاعر في أحسن الأحوال لكنني استرقت الخطى بالدخول إلى بوح مملكة فواغي، ومن رتاج حجيج البداية ..
 
أغلقت كل محاريب قدسك
 
وأفرغت هيكلها من هشيم اعتقاداتك
 
لست تلك الصابئة التي
 
نشرت ضفائر حزنها ، على ضفاف الشمس
 
أو ..
 
 اغتسلت بنور الشفق الأحمر
 
الذي يقدح فتيل النص كشرارة للبوح منذ الاستهلال هو إسم ( كل ) كموضوع للاستغراق بمفضياته المتعددة لتعميم تشخيص القصد ب ( أنا ) التي ( أغلقت كل .. ) فهذه الشخصنة تؤخذ على خاصية التحذير في مدلولات البوح الشعري ، كونها تجسد القصدية الثائرة على جنوح الادعاء الناشزفما يجمع بين سر (الاعتقاد والإيمان ) هي الحقيقة الشاخصة في محاريب دلائلها .. منارات أو فنارات ، لكن الذي يحيلها إلى ( هشيم ) كذاكرة ساخرة هو ( الاعتقاد السلبي ) الآخر .. بأنك : غاف أو قد(صبأت ) .. ( فلست بصابئة )، لكنني وقفت عند ( الشفق الأحمر )فهل هي فعلا قد (اغتسلت بنور الشفق الأحمر ) الذي اكلته العولمة لتبرر ما لنعمان في الشقائق ؟!!.
 
وبما أنها لم تبح للخروق .. و تشد ( ضفائرها ) الى اغراءات اللحظة المهلكة ، ظلت بعفاف الملح الذي يقي الأشياء من دبيب طواريء الفساد .. لذلك تتساءل :
 
هل خدعتك مرة
 
أصوات العنادل الهائمة
 
أو بكاء الحجل البري
 
أو تنهيدة الرياحين في غابات العبير ؟
 
يظل التساؤل المغري في هذا المقطع عائما على سطح الاحتمال حقيقة وافتراضا .. ولأنه لم يأت بجواب القطع ، سيظل الشك شاخصا كإجابة مفتوحة ب ( لا أو نعم ) وسيبقى هكذا لا على غرار من السذاجة و (معنى الشعر في قلب الشاعر ) …إنما ببقاء الإبطان مخرزا لحياكة شكل الاحتمال على طول خيط شرنقة المملكة التي تصوغها الأميرة فواغي حول حرف استفهامها ب ( هل ) تجر خلفها قطار الخديعة المبهمة كـ ( أصوات العنادل وبكاء الحجل وتنهيدة الرياحين ) ، وبصفات معرفاتها ( الهائمة والبري وغابات العبير )، وبين قطبي أرجوحة السؤال .. تقطع الشاعرة على مخاطبها سلسلة ( الترنح ) ، في غياب أناه لتسقطه بثمالته في سفر حكمها الأول .. كنتيجة لقطبي أرجوحته الممتدة بين ( هل .. وإذا !! ) …
 
اذا :
 
قف على حافة هاتيك الليالي الدائخة
 
لاتتغلغل في عمقها
 
فقط .. استبح اطراف ذهولها
 
قسم مواجعك ، على نوايا الغروب
 
وعلل الحرف برقيق الحزن ..
 
المتساقط من أهداب الحنين
 
اسقه رشفة من رضاب الليل
 
المعتق في أقداح السهر .. سلافة
 
تاخذك الى مهاوي الهيام
 
فلا تخش .. فقط
 
اترك ليقينك إشارة الرجوع
 
ودع وعيك ، يتراقص
 
قبل ان تشحذ سهام حيرتك
 
فتخطئ الهدف
 
لابد أن تكون صيغة الأمر قوية جارحة بعد الإغارة والسيطرة على مواطن الاستحكام ووفق ايعاز هيئة القصد ( أذا – قف ) كي ياتي الاسترسال والامتثال كنداء وتنفيذ وإيعاز وتطبيق ، ولكن إلى أين ( على هاتيك الليالي الدائخة ) اتبث فواغي وصاياها بتشاك أمري واضح ، وياللجمال بانسراح التداعيات المجنونة ويالعمق الوجع المبرح !! .
 
فكيف يكون الحزن رقيقا بتعليل الحرف كيف ؟ ف( هاتيك الليالي الدائخة … تاخذك الى مهاوي الهيام ..) إذا ( قف ، فلا تخش ، فتخطئ الهدف ) . فأمام فواغي ساحة مفتوحة واسعة ، لتطلق خيولها في إغارة الحسم صوب حداثة القصيدة الطالعة صوب الشمس .
 
إن لدى هذه الشاعرة طاقة شعرية هائلة مؤشرة سلفا وتمتلك منجما شعريا حافلا بالنفائس إذا كشفت عنه ، لاشك سينافس أسعار النفط في الخليج وسيسقطها دونه في سوق صرف النادر والثمين ، لهذا أدعوها بمودة شعرية عالية إلى الالتفات إلى منجزها الحداثي حصرا وتمتين نصها بالدلالات والتكثيف والترميز والاختصار في وحدات اللغة تحقيقا لرشاقة النص وجمالياته .. وهذا ماسنعمل على تأشيره تلميحا لاترسيخا.
 
وعودة على بدء فنصنا الجميل موضوع البحث ، يبدأ في هذا المقطع بمنادى مقصود لضمير معرف ..
 
يا أنت ..
 
تخادعك لذة الشوق
 
وتسوقك الى سفوح العشق
 
إلى انزلاقات قلبك الهش
 
ذاك الذي أسلمته لصواعق العاصفة
 
ولم تدع له خارطة طريق ..
 
ليعود
 
وفي إعادة هيكلية هذا المقطع فأن خسائرنا في إجمالي اللغة بائنة وعلى حساب ناتجنا الشعري ، ولا أجدني هنا مبررا لهذا الإسراف غير الذي يدخل في ميدان الإيصال والتواصل لمخاطب تحرص الشاعرة بهذا المعني أن يكونه ، لكنني أقرأه في الإنتاج الأمثل ..
 
يا أنت .. تخادعك
 
لذة الشوق ،
 
و تسوقك إلى سفوح العشق
 
الى انزلاقات قلبلك الهش ..
 
الذي أسلمته لصواعق العاصفة
 
وفي خضم رحلة النص ، تواصل فواغي إرسالها الشعري ..
 
هذا رجيم أقدارك ،
 
تهيأ اذا للحظته الشائكة ..
 
مولع هو بإحراق أصابع الورد
 
المتنفس بآية الوله ،
 
وصلب أبجديتك على متون الشرود
 
تبقى انثيالات النص ذات منحى ترادفي مضطرد ، تتبنى لغة التنبيه بصيغتي التهديد والتحذير بسبب ( رجيم أقدارك ) كي تجيء أفاعيل البوح استجابة تكميلية لمفردة ( تهيأ ) وجميعها تعود بلائمة الترميز الشعري إلى هذا ( الرجيم ، المولع ، المتنفس .. على متون الشرود ) .
 
إن المقطع الآتي يحاور الذي قبله تحضيضا ولكن بشعرية أكبر وأعمق فهو قائم على مسرحة القول الشعري..
 
قلت لك قبلا ، هل تذكر ؟
 
الريح تلبس قناعها عند كل مفترق
 
وتذهب ، لتحضر احتفالاتها برأس السنة المتجددة في كل لحظة
 
ذاك الذي يخفي عينيه عن شريعة اليقين
 
ويلوك المنى بعتمة اللواذ
 
تملؤها سكرة الغيب
 
فتخال لها الكؤوس المتلاطمة كبحور
 
من شجن تعبرها ، وتعبر أنت برفقتها :
 
متشحا بأكاليل القدرة المزيفة
 
وتجعل نذرك على مذابح الريح ..
 
قسما أعظما       
 
 
 
الملاحظ .. بعد صيغة المخاطبة المباشرة ( قلت لك قبلا ، هل تذكر ؟! ) وهي صيغة تعبيرية على تقريريتها.. تبدو كضارة الضرورة في إفشاء سرها الخطابي بالتذكير المباغت المعلن كي ينبثق الشعر بأعلى تجلياته من كوي عيون الرصد كذاكرة تمتد على سفوح جماليات الإنشاء الشعري ، وفي تقديري أن هذا المفصل من أهم مفاصل النص في مداميك بنياته ولغته وفي مواطن الجمال أيضا ، ويبدو لي كنص في نص ويشغل إمكانية عالية القدرة للتأويل ، فهو حاشد ومكتنز لدرجة التميز من ( الريح تلبس قناعها عند كل مفترق ) ، ولنقف عند رشاقة البناء المختصر الدال في دلالات التمثيل السيميائي ( عند كل مفترق .. والقناع الذي يخفي عينيه عن شريعة اليقين .. ويلوك المنى بعتمة اللواذ .. ) .. والى آخر ( تنزيل ) شعري لنبؤة فواغي في ( متشحا باكاليل القدرة المزيفة ، وتجعل نذرك على مذابح الريح … قسما أعظما ) .
 
فهل لقلبك أن يبره؟ أم أنه يمين غموس ؟
 
 
 
بلى: ربما هو ملح ( يمين غموس ).. فمنذ خطاب الأنا الموزع بالحوارات المشعرنة ( يا أنت ، وقلت لك قبلا .. إلى تساؤل يمين الغموس ) يستمر نداء الإفصاح بشكل أكثر إيضاحا لخطى التأنيب ..
 
واهم أنت .. ياهذا
 
فصلاتك ليست لقِبلة رشيدة
 
قلت : قِبلة .. فلا تأوّلْ !
 
تلك الأخرى ليست في معرض الورود
 
 
 
هل بعد هذا البوح في الجمال والمعنى من بوح .. ؟ وعلى حافة الندم المأخوذ بالوهم ، تميز الشاعرة بين قبلتين كدالتين على أفاعيل ذلك الندم المتحسب .. فالأولى لم تبلغ رشدها ، والثانية مستعارة تحمل ذات الوهم، ومابين ( الندم – الوهم ) تكون التورية بالترميز أذكى إحالة حين يكون السقوط حيالها جميلا مفعما بالتأويل ..
 
آآآآه ،
 
مرة اخرى ..
 
أسقط في مطبات لغتنا الجميلة
 
سأدعها لتأويك …….
 
هكذا تأخذ إجابة القصد المشفرة صورة بوح الاجتياز بالتحايل الشعري على معنى القصد بامتياز التحايل والمراوغة ..
 
لابأس !
 
أعرني بعض اشتعلاتك
 
لأريك كيف أخمدها في صقيع عثراتك
 
وانج إن شئت بمعطفك
 
أما سوا،، فلا تملكه
 
                             ******************
 
فواغي القاسمي ..
 
أميرة الحداثة .. في الامارة القاسمية القادمة
 
نص : دعني أتشظى بك ..
 
فرمان الفتح الجديد
 
 الجزء الثاني :
 
 
 
أن نصوص فواغي القاسمي ، من ظاهر خافيها وخافي ظاهرها ، وفي شفرة خطاباتها التي تتسع بين نص وآخر ، أجدها تحاكي رجلا تريد أن يبقى ظله مطاردا بالشك ، كي يبقى عند يقينياتها المطاردة بالشك الشعري الذي يطبق على أنفاسها في خلوة الروح ، وهذه بتقديري هي جدالية الإنسان الشاعر الذي يعيش الحلم والوهم معا.
 
فمثلما يقوم الشعر على الشك باحساس قابض وآسر ويستهدف المعنى والجمال ، يتشظى إلى معاناة ( الأنا ) التي تطارد ( حبيبا ) بالشك أيضا .. الحبيب الذي تريد له أن يبقى مأسورا ومقبوضا عليه حتى في أحلك الظروف ، لذا نجدها تؤكد شخصنتها المتعبة والخائفة من المجهول الافتراضي الذي يخلقه الشك .. رغم عزة (الأنا ) السلبية بادعاء ما ليس لها من أسباب القوة ..
 
 
 
أنا يااااا …… أنا
 
تعتريني رجفة البكاء
 
فتعبر الدمعة آخاديد قلبي المتعب
 
اجعل احتمالاتي رهن التحقق
 
وحقيقة تتوسد قلبي الشفيف ولا تفاقه …
 
أعشقها ،
 
غير أني أغرق في بحور التيه تارة والغفلة تارات
 
فأبلل ذاتي الصاهدة بقطر عبورك سمائي
 
 
 
برغم مايقال : أن ” الاعتراف سيد الأدلة ” يبقى المعترف قاب قوسين من الحقيقة أو عدمها ، ولكن حين يكون البكاء أفصح الكلام تكون ( أنا يااااا ….. أنا ) عنوان كارثة ودالة صادقة ترسخها شاعرتنا بكل صدق في ( رجفةالبكاء ) وهكذا تريدها.. أن تعوم ببحر بكائها ، شارحة غصة التمني بتعويم كل شيء على قارب الدموع و لتبقى ( في بحور التيه ) .. تتساءل ( صاهدة ) ..
 
 
 
من أنت؟
 
لماذا ؟
 
كيف ؟
 
حيرة تتقاذفني وتعكسها مرآة قلبك المرهق
 
 
 
هل صحيح ياسيدتي ( قلبه المرهق .. أم ان قلبك المرهق ؟ ) الذي يموه بإلقاء التهمة عليه ، فقلبك من يقول:
 
 
 
لم أتسلل إليه راغبة أو مكرهة
 
لكنه كان ..
 
 
 
ب( لكنه كان ) وباحتمالاتها المفتوحة في التأويل نكون قد نسفنا المعنى وقاطعنا حقيقة السائد كاعتراف ، وبلغنا حقيقة الشعر بعيدا عن إلقاء جريرة اللوم .. فدالة الدليل أبصرها قولا وأبلغها اعترافا تتجسد بالتغذية الراجعة عبرحشود الأسئلة الجديدة ..
 
 
 
وتعود طاحونة الأسئلة من جديد
 
من احتل من ! فلست أنا تلك الجزيرة
 
ولست أنت من يحتلها ، فاطمئن !
 
لماذا ، لم تقرأ لافتة العبور
 
وأخمدت كل ضوء ، أشرت به إليك
 
ألأنك تريدهاعتمة مرتسمة بابتسامة الأعذار ؟
 
لتكن ..
 
 
 
أما في ذلك تراجيديا ( سير- ذاتية ) لعاشقة تدرك .. أن طواحين الأسئلة لا تدور إلا بالريح ، كأسئلة تتوالد انشطاريا ولايمكن إحصاء مردوداتها ؟ ..لكننا نلتقطها بصيغها المكرسة ( يا أنت- من أنت ) وب ( هل ) التي تشطرت (لماذا – كيف ) وهذه الأسئلة ستبلغ رشد جواباتها باحتمالات التأويل ب ( سوف أو لن ) … فلا نستبق الأمر زعما ، فالنص لازال بذورة حمأته وبأعلى درجات غرور ( الأنا ) الشعرية بين ( محتل – ومحتل ) .. بينما عنصر الوثوق لم ينل شأوه إلا بكلمتين ( اطمئن – لتكن… ) و مابين احتلالين ، واحسب أن ذلك جزءا مما يوصف به الشاعر على أنه الراسخ غرورا ) بتميز فعله الشعري والذاتي احيانا .
 
فهل هو بالصادق رغم تمكنه من لغة الإقناع ؟! وعلى افتراض القناعة تلك بـ ( ابتسامة الأعذار ) تعاود الشاعرة طرح مشروعها عبر المشاعر اللينة ، بيد أن سؤالها الكبير يبقى قائما ( لماذا لم تقرأ لافتة العبور ، ولهذا يأتي تأكيدها ..
 
 
 
اجعلها وثيقة سفرك إلى اللا أين
 
 
 
ولنقف بدقة عند هذه الجملة ذات التعبير المبطن…
 
 إما أنها تحمل من وصايا الخوف أكثر من وصايا (اللا أين ) ؟! ، وإن كانت جهة المجهول شاخصة ومجرورة بـ ( رجفةالبكاء ) الملازمة لها حين ( القيظ يسلبها النعاس ).
 
أنا ممن يجدون الشعر في كلمة قبل فعل جملتها ، وأبحث عن حراكها الخاص و المحيطي ، بل وأقرأها جملة بكلمة احيانا وقد أجد الشعر بجرس حرف الجر وشبيهه .. وبالنسبة لفواغي القاسمي فانها تجيد الأداء الشعري بكفاءة اللغة ورهافة التعبير ، ولكن أمامها طريق مبلط ( بالزهور والزئبق ) وعليها أن تدرك مالها وماعليها بتؤدة الشاعرة العارفة تماما بمدارك الشعر وخطورته كمسؤولية دون إسراف أو هدر ولو بفارزة لاتؤدي فعلها في جسد المعنى .. ولنتابع ذلك من خلال هذا البناء ..
 
اجعلها وثيقة سفرك إلى اللا أين
 
فضبابك وجهتك ،
 
 يحيل دون رؤيتك لي ورؤيتي لك ..
 
آرامية قلت لك ، وقد اتخذت قراري
 
 
 
فما الذي يميز الآرامية عن غيرها في خلود القرار ..؟ هذا لشاعرتنا ..؟
 
 ولكن الأرومة العربية أرسخ من غيرها كثيرا .. إلا إذا كان القصد ذا علاقة بفيصل القطع دون رجوع .. وعلى كل حال ولأي معنى أو اعتبارينساق إليه القصد فإن ( ضبابك .. ) بمثابة إسفين يحيل دون الرؤيتين ليكون القرار ( آراميا ) مبهما ، لذلك سيأتي البوح متقاطعا تماما مع سابقه ..
 
سأجلو عنك غبار الغربة
 
وأعزف لك تقاسيم الرحيل
 
فاقرأني بتريث لم تعتده
 
وضع فاصلة بين جملة وأخرى  
 
ونقطة على نهاية السطر
 
وحين تعكسني مرآتك كما أردتني
 
سأريحك قليلا ، وأتعبك كثيرا
 
فقد اتخذت قراري
 
لتعلم أنني … أنا الأنا
 
التي لم تعرف بعد
 
 
 
لا كالذي يقرأ الحروب من نهاياتها ، وفي مواقع جمع الخسائر يعيش آخر القرارات ولكن هذا هو حال معارك الشعر فمهما سيبطن سيظهر والعكس مايبرر ترميز القول الشعري في نهاياته المفتوحة أو المغلقة فمابين فعلي مضارع الاستقبال ( سأجلو – سأريحك ) أتت الأفعال بصيغة المضارع والأمر .. وجميعها محكومة بسطوة أمر ( القرار ) وبلغة تهديد واضحة تكرس سطوة الذات بـ ( أنا – الأنا .. التي لم تعرف بعد ) ولله دره .. ( فمن علم الحروب ضراوة النساء ؟؟ ) .
 
لقد أرادت الشاعرة أن تجلو غبار المشهد بالكشف عن مكنونات روحها العاشقة وتزيح استعارة الغربة بالعزف في الهواء الطلق على أوتار عودها المنفرد ، فلم تعد للثقة مكانتة بمؤهل البراءة المطلقة إلا لماما .. ولهذا تأتي ردود الأفعال مستمكنة وحازمة ، لكنها رغم ذلك تحمل من الحلم الكثير الكثير ..
 
سأغلق نافذتي التي ساقتك الى مرافئي الحالمة
 
نفرغ ذاتينا في بواتق النزق
 
ونخالف أقنوم الليل
 
ونفترش ناصيته ..
 
بعذاباتنا وغضبنا
 
برجائنا وعتابنا ..
 
بسهدنا وشوقنا ..
 
ببعضنا وجمعنا..
 
بكلنا …………
 
لنرى هذا التصاعد في الانفعال الشعري الذي يشبه صيحة ( الصاروخ ) بانتحاره الأخير ، أو خروج الروح من أسر الجسد في أعلى عنفوانها .. ويا لصراع الذات بمعنى ( الندبة ) والقهر .. فكم يحمل هذا البوح من الصدق والصداقة والعذاب والعذوبة ، وكم شيد من صروح الصراحة وكم كتم واطوى .. ولندع حرائق فواغي تتدفق بعد أن( تفرغ ذاتها نزقا .. وتفترش الليل ) في متقابلاتها الثمانية الجميلة ، أي بشكوى العذاب و الغضب ، وبالرجاء والعتاب على أكف الضراعة والحب وبسهد الشوق القادم مع الحلم .. ببعض الجمع وجمع البعض بـ ( يا أنت – أنا لأنا ) ، وللقاريء حجة التفسير بتأويل ( كلنا ) .. أجل إنها ( سنفرغ ذاتينا.. بكلنا ) و ..
 
 
 
سوف أسجل اسمك في دفاتر العبور
 
إلى جانبه إشارة حمراء قاصمة
 
وعبارة : ( كان هنا ولم يعد )
 
فقط كي أتشظى بك ..
 
 
 
أن هذا المقطع هو استكمال لما سجله فعل سابقه في معادلة الأثر ، ولا أشك أبدا بأن فواغي ستعمل ( رقيبة حدود عند الطواريء ) لتمهر جواز من تحب بـ ( إشارة حمراء ) تحكمه إلى الأبد بعائديته لها .. بعد أن تدخله سجلها المغلق ، رغم التمويه المتعمد بشائع العبارة ( كان هنا ولم يعد ) لأنها اتخذت قرارها الراكز منذ العنونة في رحلتها الشعرية الطويلة هذه وحتى أخر نقطتين وضعتهما على السطر ، فهما دالتان تفصحان عن فحوى العنوان والخاتمة بـ ( دعني أتشظى بك …)
 
 
 
لعمري أن هكذا بناء يتمنى كل مجتهد شاعر أن ينال شرف هذا البوح الرصين ، ولو كنت ممن يضعون إشارة المقارنة الشعرية لفعلت لكنني لا أنحى هذا المنحى مخافة إضعاف المعنى والتجني على موهبة خلاقة ولماحة وغزيرة ، وكعادتي في إنصاف ذات القول الشعري بأن أبقيه كمقدس على غرار الفتح الكتابي الجديد ، وأتمنى أن يسعفني العمر لأرى الذي ستكونه هذه الشاعرة المتدفقة في سجل فتوحات القواسم وسجل فتوحات الشعر في القصيدة الحديثة ، لكنني أخاف عليها من نبرة الأقننة الشعرية المجدولة كالتزام تقيلدي بنظام الغنائية والعروض الذي أكلني زمنا طويلا لضرورات القبيلة ومجالس البهرجة والإرضاء لأبوة متحكمة ومستحكمة !!
 
 
 
الشاعر و الناقد فائز الحداد
 
30/ 08/ 2008
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد