إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

أنياب الأحلام

A7laamناجي حسين

أحلام تقف فوق عتبة الذاكرة. تشحن روحي بأهزوجة كانت أمي ترددها كلما تصفحت عيناها جلدة وجهي تتأملني بعمق. تنهض الذكريات وسط ركامات الزمن.. كلما فتحت نافذة جديدة تطل على عالم أمي المجهول, كلما عانقت أبتسامتي التائهة, أبتسامتها التي انهكتها المتاعب والحروب , وقسوة أبنائها , قسوتهم على بعضهم البعض, كلما أعدت قراءة الأشياء التي كانت أمي تصرها في حقيبة حزنها, راودتني أفكار مشتتة, مبعثرة , وحاصرت قلبي سنوات الفراق الطويل.

 
أسئلة تفتح شهية الذكريات.. أجوبة لأمور أصبحت أحلاما ربما يتحقق بعضها وبعضها الآخر يختبىء بين طيات الشتات والمنافي. أتَجرّعُ كؤُوسَ العَذآبْ .. ونضال الأخلاقيَ الوطني .. لمْ يَعدْ له وُجُودْ .. كلّه يصب في أجندة الخيانة..! دعونا نسب إله النضال وزيف الشعارات الزائفة , وتدَمّرَ أحْلآمِ الشعوب , سنفضحكم واحدا ..واحدا .. يا ظلال الرجال.
بعد هذا الحصار الموجع من الآلام والذكريات , لاحت أمامي صورة أخر قطرة دمع خرجت من عيني أمي , يا أجْملُ زهْرةً , تجَمّلُ الكَونَ بِعطْرهآ, عند وفاة أبي , أمامك مآذن قلبي تسطع بالخشوع ، تفتح الفضاءات أجنحة الصلاة ، وتسبر الأرضين طهارة القصائد. والنخل يركع عذقه فوق قبرين , توضأ بهما ركعتين , والفجر يملأ كفيهما الخيرتين ..ينظرنا, كنتما زهد الرافدين وكبريائه , كنتما كالنخل الطالعَ من أضلاعِ الأرضِ‏, أعِيـشُ وَجَـعًا لاَ يَنْـتَهِي أَبَــدًا‏ , وَأحْـضُنُ الْحَرْفَ جُرْحًا‏, يَغْتَدِي أَلما‏ , كنتُما لنا البئرَ الأولى يولدُ منها الماءُ , كنتُما هواءً بكراً , كنتُما بهجةَ البيت ,‏ والكلمات الأولى فوقَ شفاهنا , كنتُما القمرَ الساهرَ فوق رؤوسِنا , وكنا الدفء الطافحَ من حضنِ الأمِ , كنتُما الخالقَ ‏والمخلوق‏ , بعد منفانا أصبحت الدمعةَ تقطرُ من عيني أنهكتني بالصراخ والأحزان, وجسدَي المثخنَ والروحَ المتمزقَ والقلبَ المحروقْ‏ , تظنينُّ وطنٌ سيكونُ أجملَ في غدٍ, الآن وطنٌ بهِ لُقطاؤُهُ تتحكَّمُ , هذي البصرة ألا ترى شرفاتها, تعلو ووجهك في القصيدةِ تبتسمُ؟ هذي البصرة على رفيفِ جفونِها تغفو عصافيرٌ وتسهرُ أنجمُ, واللهِ إنْ رافدان سيجفُّان ماؤُهُما بعد رحيلك , وبعدها هجرت دموعها , وسافرت إلى أعماق الروح .
أخر سؤال راودتني : لماذا نضبت دموع أمي? ولم أعد أشاهدها تتقاطر فوق خديها ؟ تذكرت ابتهالاتها اليومية في الجوامع والأضرحة والكعبة.. شممت رائحة أعواد البخور, وقطعة القماش المعقودة على شباك المقام.. كل هذة الصلوات والأدعية كانت من أجلي.. غير أن مفاجآت عدة ظلت تعشش في صدرها.. يحرسها قلب خائف وموجوع يترصد حواسها.. خوفها من المفاجآت كان يبعث الحزن في قلبي. أشياؤها المجهولة وأرقها اليومي.. آلامها.. الآمال التي تعشق أن تحلم بها.. الحناء التي أشترتها ووضعتها في صندوقها .عيناها تقيسان جسدي كل يوم شبرا, شبرا.. ويتهلل وجهها المجعد بسؤال: متى يكبر أبني? متى أوزع الحناء وأسمع الهلاهل تصدع وتملا فضاء البيت سرورا? متى, ومتى أصبح جدة ?
كانت أمي خبيرة في شؤوني, فاحصة لمعالم نفسي وشجوني , كما أنني نبشت حنايا روحها, وداعبت أهازيجها الداخلية ..كنت أفرح حين ألاقيها مبتسمة والعصافير على كتفيها .. كانت البهجة فوق طبق المداعبة تزغرد وتتواثت أحلاما مقدسة , تباركها بأناملها اللجوجة.
وأنا في هذا الوجع فوق سرير في أحدى مدن المنفى رددت عبارة دوستويفيسكي حين صرخ :”إن أعظم لحظة للتعارف هي اللحظة التي تسبق الفراق”. ومنذ ذلك الحين وعندما طاردني سوط الجلاد, وتخطيت الحدود بعيدا, بعيدا , فقدت أشياءها الجميلة, باقي شعورها وأحاسيسها وتأملاتها ترافقني, بقيت الأحلام التي أبثها شوقا مصلوبة وبقي الأمل من عودة أبنها صورة ممزقة فوق الجدران والدروب ووراء النوافذ.. بقى بصرها مشدودا إلى نخلة شامخة في أرض الدار تسقيها من دموعها الهاطلة بسخاء, وصورتها تسكن في قلبي وقصائدي, وإذا ما تم اللقاء فسيكون في أمكنة أخرى ربما بجانب ضريح أو تحت نخلة, وربما سيطول اللقاء ويطول ويبقى حلما يتلاش مع الزمن !.
 
ناجي حسين
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد