إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الأسد ـ ساركوزي: الصفقة الكبرى

Safqa
عندما يدافع الرئيس الفرنسي عن الحوار الذي أطلقه مع دمشق واصفاً هذا الحوار بـ«الضروري» رافضاً تمديد «عزلة» سورية، هو يدرك تماماً الأهميّة التي تنطوي عليها رحلته. فالوصل السوري ـ الفرنسي لا يساعد في تثبيت التعاون اللبناني ـ السوري على ركائز  واضحة ومتينة فقط، وإنما يؤسّس أيضاً لرعاية فرنسية ـ أميركية مشتركة لمفاوضات السلام السورية ـ الإسرائيلية، بما في ذلك الترتيبات الأمنيّة التي يمكن أن تقود إليها هذه المفاوضات.
 
ونيكولا ساركوزي يعرف طبيعة العلاقة التي تربط فرنسا بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل في هذه المرحلة، ويدرك تماماً أن الرعاية الأميركية للمفاوضات تعني تطبيع العلاقات الأميركية ـ السورية، وأن التقاطع الفرنسي ـ الأميركي ـ السوري في لبنان بات ممكناً في المدى القريب، وكل هذا يعني أن لبنان لن يعود ساحة مفتوحة للتنافس أو التطاحن السوري ـ الفرنسي ـ الأميركي، وإنما ساحة تلاق للمصالح الإقليمية والدولية الكبرى بكل معنى الكلمة، بعد عقود طويلة من المشاحنة والصراع.
 
ملامح هذا التحوّل بدأت تظهر في التقارير والدراسات الأميركية المتصلة بسورية. هذه التقارير تؤكد في الأسابيع الأخيرة حقيقة أساسية خلاصتها أن عزل سورية أضر بمصالح الولايات المتحدة في المنطقة، كما تؤكد أن ظهور الرئيس السوري بشار الأسد في باريس ضيفاً على الرئيس ساركوزي في ١٢ تموز (يوليو) الفائت، بمناسبة انعقاد قمة «الاتحاد من أجل المتوسط» زاد في حدّة الجدال في واشنطن حول جدوى سياسة العزل التي اعتمدها فريق الرئيس جورج بوش مع دمشق. نقرأ في تقرير صادر عن مجلس العلاقات الخارجية بالتعاون مع معهد السلام الأميركي، أن هذا العزل لم يكن نافعاً وقد ألحق الكثير من الأضرار بالمصالح الأميركية.
 
وفي التقرير الذي يحمل توقيع كل من منى يعقوبيان وسكوت لاسنسكي الباحثين في معهد السلام، أن سياسات العزل والعقوبات لم تردع النظام السوري عما تعتبره الولايات المتحدة مضرّاً بمصالحها في المنطقة، بدليل أن واشنطن كانت غائبة تقريباً عن ثلاث مناسبات مهمّة في الأشهر الثلاثة الأخيرة هي: الوساطة التركية في المحادثات غير المباشرة مع سورية وإسرائيل، اتفاق الدوحة الذي رعته قطر وأخرج الأزمة اللبنانية من التدهور الذي بلغته، والوساطة المصرية بين «حماس» وتل أبيب لإقرار الهدنة في غزة.
 
التقرير يقول إن القاسم المشترك بين هذه الأحداث الثلاثة هو غياب الولايات المتحدة عن الساحة كوسيط وحتى كمراقب، وهذا يدل على التراجع غير المسبوق في التأثير الأميركي في العديد من الملفّات الشرق أوسطية. وانطلاقاً من هذا الغياب، يرى واضعا التقرير أن التحوّل الدراماتيكي في علاقات واشنطن ودمشق بات يفرض إعادة نظر في الكثير من المسلّمات المتعلقة بعزل سورية، في سياق استراتيجية براغماتية تبحث عن الأرضيات المشتركة التي يمكن أن تتلاقى عليها المصالح الأميركية ـ السورية، كما حصل إبان المشاركة السورية في حرب الخليج الأولى في مطلع التسعينيات من القرن الفائت.
 
والمشاركة في حرب الكويت لم تكن مظهر التعاون اليتيم. مظهر التعاون الثاني كان مشاركة سورية في مؤتمر مدريد للسلام (١٩٩١) والتي كانت بمثابة مبادرة لنقل عملية السلام في الشرق الأوسط الى مرحلة جديدة، حيث شهدت هذه الفترة مجموعة من اللقاءات بين الرئيس كلينتون والرئيس السوري حافظ الأسد، كان من شأنها أن تؤدّي الى اتفاقية سلام بين سورية وإسرائيل. رغم الاختلاف الكبير بين سياسات ومصالح واشنطن ودمشق، إلا القنوات الديبلوماسية للحوار كانت دائماً مفتوحة.
 
ويعرض التقرير «التحدّيات التي تمثّلها سورية للولايات المتحدة» بدءاً مما يطلق عليه الباحثان «الدعم السوري الدائم للارهاب»، من خلال العلاقة الاستراتجية بحركة المقاومة الإسلامية «حماس» و«حزب الله»، مروراً بسجلّ سورية في مجال حقوق الإنسان وانتهاء بتحالفها مع إيران منذ قيام الثورة الإسلامية في طهران. إلا أن كاتبي التقرير يعتقدان أيضاً أن سياسة العزل والعقوبات التي مارستها واشنطن منذ العام ٢٠٠١ مع دمشق، لم تفلح في الوقوف أمام هذه التحديات بل أدّت الى نتائج عكسية، منها تنامي قوّة «حماس» في فلسطين و«حزب الله» في لبنان.
 
ويستخلص التقرير أربعة دروس يمكن أن تستفيد منها الادارة المقبلة من المواجهة «غير المجدية» بين البيت الأبيض ونظام الأسد خلال الأعوام السبعة الماضية، أوّلها أن التجربة أثبتت أن العزلة الدولية لسورية حصدت نتائج عكسية للغاية، مؤكداً أن الاتجاه المسيطر في إدارة بوش يرى أن فتح قنوات ديبلوماسية مع سورية، من شأنه مكافأة النظام السوري والاضرار بالمصالح الأميركية، إلا أن المشكلة في هذه الرؤية هي الازدواجية ـ حسب وصف التقرير ـ وذلك لسببين:
 
الأول: هو أن استراتجية العزل لا تتوافق مع ديناميكية العلاقات التي تعتمد بشكل كبير على المتغيّرات التي يشهدها مسرح الأحداث الساخنة في الشرق الأوسط. وفي معرض تدعيم هذه الحجة يسرد التقرير أحداثاً سياسية بعينها، من ضمنها الحملة التي شنّتها الولايات المتحدة الأميركية ضد سورية بدعوى تورّطها في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، والتي جاءت في وقت كانت الولايات المتحدة تقاطع فيه سورية ديبلوماسياً، فعملية الاغتيال ليست السبب في إغلاق قنوات الحوار بين البلدين، على حد ذكر التقرير.
 
كما أن سحب السفير الأميركي من دمشق في العام ٢٠٠٥ كان القصد منه ردع سورية وتهديدها، إلا أن النتيجة كانت عكس ذلك حيث قامت سورية بالتصعيد في المقابل، واعتمدت سياسة المعاملة بالمثل مع واشنطن، وظهر في العديد من ردود الأفعال السورية، من ضمنها طرد بعض منظّمات المجتمع المدني من دمشق مثل منظّمة «أميديست» التعليمية، وكذلك هيئة «فولبرايت» للتبادل الطلابي الثقافي. علاوة على أن دمشق تعمّدت التصعيد ضد واشنطن بذكاء شديد لتبرير أفعالها في العديد من الملفّات على رأسها العراق ولبنان، بدعوى أنها ترد على التصعيد الذي بدأته واشنطن.
 
وفي ما يخص علاقة سورية بـ«حزب الله» و«حماس»، يؤكد التقرير أنه خلال الفترة التي سعت فيها إدارة بوش الى عزل سورية تزايد فيها دعم دمشق لـ«حزب الله» وليس العكس، وظهر ذلك بشكل واضح في الحرب اللبنانية ـ الإسرائيلية في العام ٢٠٠٦. هذا إلى جانب التصعيد الذي شهدته الجبهة الداخلية في سورية ضد المعارضين ونشطاء حقوق الإنسان، من خلال حملة اعتقالات شنّتها أجهزة الأمن السورية ضد المعارضين.
 
الدليل الثاني على فشل سياسة عزل سورية، هو أن دمشق أصبحت أقرب الى طهران من أي وقت مضى، بعدما تحوّلت إيران الى الحضن الوحيد الذي يستطيع استيعاب الدور السوري في المنطقة.
 
وينقل التقرير عن وزير الخارجية الأميركي الأسبق كولين باول قوله: «إنه ليس من المنطقي أن تذهب للتفاوض مع سورية حول مجموعة من المطالب، وتكون الشروط الأميركية لبدء المحادثات هي المطالب نفسها التي تتفاوض من أجلها. ويقول التقرير إنه خلال الحرب الباردة بين روسيا والولايات المتحدة كانت العلاقات طبيعية بين البلدين. وتلك العلاقات استفادت منها واشنطن بشكل كبير حتى بعد الحرب الباردة، والدليل هو حرب الخليج الأولى.
 
أما الدرس الثاني الذي يخلص إليه التقرير، هو أن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة كان لها تأثير محدود في الاقتصاد السوري. إلا أنه لا يمكن إنكار أن تلك العقوبات قامت بإحداث حالة من القلق من قبل الشركات الدولية حول مستقبل الاستثمار في سورية، مما ألقى بظلاله على معدّلات النموّ وأداء الاقتصاد السوري في الأعوام الثلاثة الماضية. إلا أن هذه العقوبات ليست أولويّة في سياسات النظام السوري، أي أنها لم يشكّل ضغطاً يذكر عليه.
 
الدرس الثالث الذي ينبغي أن تضعه الادارة المقبلة في اعتبارها، هو أنه لا بد من أن تكون السياسة الأميركية واضحة الأهداف والتوقّعات في ما يخص علاقتها مع سورية. ويعتبر التقرير أن إدارة بوش لم تكن أهدافها واضحة في هذا التعامل خلال الولاية الأولى والثانية؛ وتأرجحت بين هدفين هما «تغيير النظام السوري» أو تغيير سلوك النظام السوري. وهذا أدّى إلى حالة من الخوف لدى نظام الأسد، وأعاد الى ذاكرته ما حدث مع صدّام حسين. وهنا على الادارة المقبلة أن تحدّد بشكل واضح الأهداف التي تريد تحقيقها في ما يخص علاقتها مع سورية، لأن هذا سينعكس في سياستها التي ستكون أكثر تأثيراً من ذي قبل.
 
التنسيق مع اللاعبين الدوليين والإقليميين هو الدرس الرابع الذي يخلص إليه التقرير، حيث أن الهجوم الديبلوماسي بالتنسيق مع الدول المهمّة وجعلها تتبنّى الأهداف نفسها، يعطي صدقيّة أكثر في المجتمع الدولي، ويكون أفضل من كونها مجرّد خلاف على المصالح بين واشنطن ودمشق.
 
ويضرب كاتبا التقرير مثالين على ذلك، وهما قرار مجلس الأمن الرقم ١٥٥٩ الصادر في العام ٢٠٠٣ والذي انتهى بخروج القوّات السورية من لبنان، أما المثال الثاني فهو المحكمة الدولية التي يجرى إنشاؤها للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري.
 
وينتهي التقرير إلى أن تراجع نفوذ الولايات المتحدة بات واضحاً في العديد من الملفّات في الشرق الأوسط، أوّلها التهديد المتزايد للمشروع السياسي في العراق، وفشل عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وتراجع أجندة ترويج الديمقراطية لدى إدارة بوش. ومن هذا المنطلق يرى كاتبا التقرير، أن فكرة إشراك سورية والتعاون معها لا بد من أن تضعه الادارة المقبلة في اعتبارها بشكل جدّي، وذلك من خلال تحديد «المصالح السورية والدافع» في كل ملف رئيسي في الشرق الأوسط.
 
ماذا يعني هذا كلّه؟
 
إنه يعني أن التلاقي الفرنسي ـ السوري يمكن أن يشكّل بداية انعطاف أميركي في اتجاه سورية، عندما تمسك الادارة الأميركية الجديدة زمام الأمور وتحاول حلحلة المشاكل الكبيرة الناتجة من الانتكاسة الأميركية في الشرق الأوسط. والتقاطع الأميركي ـ الفرنسي على التنسيق مع دمشق وارد، لأن الإسرائيليين سوف يستفيدون من هذا التقاطع. أما في لبنان، فإن دمشق يمكن أن تؤمّن مصالحها الأمنيّة وفي الوقت نفسه أن تضمن مصالح شركائها اللبنانيين في المفاوضات المقبلة مع إسرائيل. والسوريون في النهاية يريدون استعادة هضبة الجولان، وممارسة نفوذهم في لبنان فلا تستخدم الساحة اللبنانية (كما حصل خلال السنوات الماضية)، للضغط على مجلس الأمن، كما في القرار ١٥٥٩ أو لمنع تسلّح «حزب الله»، أو التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري انطلاقاً من اتهام سورية بتدبير هذا الاغتيال. بكلام آخر، إن التقاطع الأميركي ـ الفرنسي في سورية يسمح لدمشق بحماية نفسها من الضغوط الخارجية، واستخدام لبنان ورقة في المفاوضات مع إسرائيل عندما يحين وقت التفاوض المباشر.
 
انطلاقاً من هذه الحقائق، يميل الكثير من المراقبين الى الاعتقاد بأن رحلة ساركوزي الى دمشق تعزّز فرص التقارب بين الولايات المتحدة وسورية، ويفتح الباب أمام الرئيس الأميركي الجديد لإعادة النظر في الكثير من المواقف المتصلة بالملفّات العالقة بين واشنطن ودمشق. وفي هذه الحال لا تشكّل مسألة إقامة علاقات ديبلوماسية بين سورية ولبنان سوى تفصيل صغير في صفقة كبيرة.
 
الجولة الخامسة من مفاوضات السلام غير المباشرة التي ستعقد في اسطنبول خلال الأيام المقبلة علامة أخرى من علامات الصفقة، ورحلة رجب طيب أردوغان الى سورية قبل يوم واحد من وصول ساركوزي تأكيد على هذا التوجّه، وهناك من يتوقّع أن تقود هذه الجولة الى الاتفاق على تحويل المفاوضات الى مفاوضات مباشرة. نقرأ في صحيفة «تشرين» السورية: إن الرئيسين السوري بشار الأسد والفرنسي نيكولا ساركوزي سيبحثان خلال لقائهما الأوضاع في لبنان والمفاوضات غير المباشرة، وقد استبق ساركوزي الزيارة بتأكيد «أهميّة الانفتاح الفرنسي الدولي على سورية».
 
ونوّه ساركوزي كما أوردت «تشرين» الى أن «لقاءه مع الأسد في ١٢ تموز (يوليو) الماضي، خلال قمّة الاتحاد من أجل المتوسط، أتاحت له تحقيق نقطتين متقدّمتين، الأولى على مستوى تطوّر العلاقات بين سورية ولبنان، والثانية دخول فرنسا كشريك مع الولايات المتحدة في رعاية المفاوضات المستقبلية المباشرة» >
«المشاهد السياسي»
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد