إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

نص : ” على حافة القرار ” لقاسم العزاوي

فائز الحداد
تبقى رغبة الكتابة الشعرية عند (قاسم العزاوي)هاجساً مثيراً كاهتماماته الإبداعية المتعددة ،فهو الفنان التشكيلي والقاص ،واحسب له بإجلال تطور مادته لغةً وبناء شاهدها ذاكرة النشر المحلية والعربية .
 
إن هذا الأديب لن يمر بجواز مرور ويجتاز منطقة (الحرام) دون ان يعمده الرصاص بالتواقيع، فذنبهُ الكبير التلبس في الواقعة ، وله من شواهد الإدانة كمبدع ما تتعمده الأقلام . هو كالصوفي لاتتداعى أصابعه تسبيحا لغير الإبداع ،ولا يخشع فؤاده لغير الكلمة المعبرة .لذلك كان القرار”على حافة القرار” نصه الشعري الذي سنتناوله في الكتابة دون ولج اهتماماته الأخرى .
 
ابتداءً ..اتساءل لماذا على حافة القرار هذا العنوان ذو الجرس الإيقاعي المثير ؟ هل حقا ً للقرار حافة يقف عليها كحافة جبل مسنن مثلاً.. والسقوط دونها يعد انتحارا ً؟ فالقرار لم يبلغه الشاعر في الإفصاح والتجسيد بشكل قاطع ،لذلك ظل في مكانة الخوف المتصل بالنية والحذر في آن .
 
يبتدا النص باسم إشارة وذلك للدلالة على بعيد غير قصي وحمل (الغواية )جوازا كإعلان عن بوح مهاجم صيرتها (السين ) للاستقبال كإجراء وإصرار على هدر شيء ما يتقصده بالفناء والتلاشي.
 
تلك الغوايةُ لي ،وهذا جوازي
 
سأهدرُ بالشواظِ أباطيلي
 
وادرأ بالشياطين الخطى
 
فتبني الغواية سبيلا يفضح عن النية كفعل مغاير لحقيقة الإيمان.. والملفت للنظر ان الناص في الزمن الذي يقوض الأباطيل بالشواظ ويدرء بالشياطين الخطى يرى ربما فيها خطرا يتعدى الحدود الذاتية إلى موضوعات قد تكون قاضية ومهلكة ،والشياطين على قبحها أنجع في تبني وسائلها ،لدرء مخاطر الخطى المجهولة ، وانه تلخيص للمعرفة المسبقة لهذه الخطى في الموت أو المنفى و عليه فالشياطين القريبة أفضل دارئ لذلك المجهول بالحيلة أو الإغراء.والمهم هو كسر غائلة الخطى المرتحلة بوهم مفترض لاحالة الخطاب من الاعتراف إلى السؤال ليمضي في إمعان الرافض (للأباطيل والخطى )معا ،رافعا شاخص الاعتراض المحض بلغة القطع وينتهي بعلامة استفهام وتعجب…
 
ِلمَ ترحل أيُها الشاعر
 
المسكون بالحقائب..؟!.
 
إن المخاطب غائب لكنه معني بدلالة (الشاعر)وعلى هذا الاساس نحى النص منحى الخطاب المرسل إلى شخص يعنيه تماما ويتهمه بضالة الهرب ومحاولة النأي عن الالتزام يستلزم الإيفاء لا أن يكفن كل شيء بحقيبة مسكونة بهوس الارتحال ،لذلك يشط في لغة أمره ويدعو إلى التخلي أو السقوط وكأنه يتوقف إلى انجاز حساب أو ازداء نصيحة بكلمة (تريث)،لكنه يناجزه اللائمة      موقعا عليه فعل المثلبة دون تحفظ .
 
تريث..
 
أنت من اصطفى الطيش،
 
فأثرتَ حولك الغبار
 
أي (عليك تحمل عاقبة الطيش) الذي أثقلك بالجراح ،ولم تثر بجنونك غير غبار الاتهام .هذا لو لم يكن هناك من تابعات خفية تشحن الحقائب بأسرار مؤجلة لاتفتح صدرها للبوح إلا باجتياز الحدود،ودليلنا هي لغة الإغراء في هذا المقطع الصغير المنطوي على إقصاء لقرار الرحيل وفي الوقت ذاته يؤشر له بخط الشروع تندرا …
 
المسافة ..
 
 
 
دونك أباريق
 
 
 
أي أن المسافة قصيرة ومغرية أيضا . وكي يكرس شان المنع ويصطفيه صديقا حميما ودون مضارع آخر ، يدعوه إلى مائدة النسيان والتخلي وبصوت اقل حدة ،وهذه مجاهرة في إسقاط التهم أو إغفالٍ لها كدعوة للمصالحة والتقرب بإطراق التواصل في العذوبة إلى حد بلوغ الموت لدفن الماضي بالنسيان ..
 
 
 
اِشربْ ..
 
 
 
وضعْ بأنهارِ العذوبة
 
 
 
وان شئتَ فمُتْ
 
 
 
فكم الغربة مخيفة وسطوتها مميتة على روح الناص الذي تعمد إقصاءها عنه باجتراح مخاطبا آخر ، وهنا لابد من تأكيد ذكاء الصنعة في كتابة الشعر لغة وبناء وموضوعا ،لذلك لم تفلت من أصابع قاسم العزاوي أي شاردة لتأنيب (شاعره )على عقوقه وإصراره على الاغتراب ،بل ويرجعه إلى ذاكرة الماضي كسخط البحر على السفائن والرياح..
 
 
 
كنت تنازع الرياح،
 
 
 
أيها البحر
 
 
 
وتؤبن السفائن
 
 
 
برذاذِ الحروب
 
 
 
اما غادرتها لحظة الصخب..؟
 
 
 
وفي هذا المفصل من النص يمنحنا العزاوي رأس الخيط كي نمسك باشكالياته ونفك عقده ونجتهد ،إذ الحرب هي سيدة المأساة وقد تبناها النص كتسبيب ومشغل ،لإطلاق أفاعيل الاشتغالات الشعرية بمساحة تتسع للبوح المتنامي وصفا وتخاطبا ،تلك الحرب هي” قاب شارعين أو أدنى أو بين بيتين وغرفة ضماد” هي المأساة التي تحكم   انفعالاتنا وتشظي أجسادنا أشلاء وجوازات وليس بالإمكان أن تغادرها كما يتمنى الشاعر وبهذه البراءة ..
 
 
 
هذا التساؤل له جوازات تفسيرية متعددة حين رهن الحروب (بلحظة اللهب) والتي قد تندلع (هنا ) في أي زمن وفي أي مكان حيث تناسلت في صور شتى .وانتقلت من على الحدود إلى داخل الوطن بهيئة مقاومة للاحتلال أو” احتراب مصالح أو صراع على السلطة ” ، وهو التحذير من مغبة استحالتها كزاد يومي تعتاش عليه الشوارع والبيوت ..لذلك يحذر الشاعر من النكبات ويدعوه إلى الترصد والتعقل إزاء الطوارئ المخيفة .
 
 
 
تأمل الخرافة ساعة البيارق
 
 
 
وتمهل بالرصد ،
 
 
 
لنتأمل هنا دقة التعبير وذكاء الحرفة ،(تمهل ) هذه هي صدى (تريث)كموازنة شعرية تفصح عن دالتها الأولى انها استكمال لشرطها التعبيري انف الذكر وترادف له ،فيما وظفه النص من ثيمات البوح إذ رهن (التمهل بالرصد) لأدراك مالم يضع له حسابا وكانت الفجيعة .
 
 
 
الفجيعة ..إن اللصوص
 
 
 
كلابُ الحي
 
 
 
فلا تتخاصم
 
 
 
وتلك الحقيقة التي أراد الإفصاح عنها وكشفها للعيان ،فالمعنى واضح دون أدنى عناء ،لكن لغة المنع والتحسب ظلت شاخصة للحؤول دون الفجيعة أو قل الفجائع القادمة حين يكون الخصام سبيلا للاقتتال والحرب.. لذلك يدعوه بلغة لينة وأليفة لأن يصارحه في ادق التفاصيل
 
 
 
أنتَ نصفي المرتجى ،
 
 
 
وفيك مساقط ُالندى
 
 
 
فهل بعد هذا التأكيد لحميمية العلاقة مع مخاطبه من آصرة.. ؟ أي (أنتَ _أنا )وأياكَ أتقاسم حلو الحياة و صابها وفيك أجد السلام هذا ..إذا ، يجد وطنا يخاف ضياعه (بضياع نصفه المرتجى ).
 
 
 
إنني أحس في مفردة (المساقط ) جرسا يفضي إلى معان تتجاوز الندى إلى مفضيات أوسع ومقاصد اعم وما دمنا في موضوعة الوطن، فان التقصي ما يحقق فهما للانتماء وبمفردات تتوالد من رحم وحضن من تنتمي إليه كأبوة وأمومة مشتركين.لذلك يرفض العداء بندية الحوار ذاتيا وموضوعيا .
 
 
 
لاتكن غريمي في الزهور
 
 
 
ونحن ..
 
 
 
الصعاليك في اختمار الطرق
 
 
 
فإذا تجوزنا لغة التهديد والمخاشنة ب(لاتكن غريمي) .فأي طرح جميل كهذا الذي تجسده المشاكسة في تماثل القصد عند النحل حين يتزاحم صراعا على زهرة أكثر رحيقا من غيرها ، هذا القصد ما يستهدفه المعنى تماما . وما نعرفه عن (الصعاليك) وإيمانهم أو عن (الشطار) وأدوارهم مايجسد ذات القصد وان اختلفت الاستعارة في الزمن والمكان. وهي تجسيد أيضا وترسيخ للسلام الذي بات بعيدا في وطن أكلته الحرائق ولم يبقى إلا الرهان على مجهول في رصاصة أو زهرة وبكليهما معا .
 
 
 
راهن على الثلوج
 
 
 
فانا ”البيلسان “
 
 
 
وفيك مساقط ُ الندى
 
 
 
بهذه الثقة المكتنزة لثراء المراهنة على نقاوة الزهور وبهذا الإصرار المطمئن للثلوج يعلن انه (زهرة البيلسان )التي تحيا على صدر الثلج وتتكحل بنثيثه الأبيض .فهناك حياة أخرى حيث (مساقط ُ الندى)التي يكررها الناص فموازنة للمعنى مرة ثانية ،فالبيلسان هي غير زهرة (القيصوم)الصحراوية فهناك بون” بين الزهرتين ” يلخص النأي والمنفى والضياع أو التصحر والموت ..فلنقرأ..
 
 
 
دعني أسافرُ فيكَ
 
 
 
صوب أزمنةِ الحياة
 
 
 
أما كنا بهيجين ..
 
 
 
نحلقُ بالنوارس ِ..
 
 
 
ونبتكرُ الصباح..؟!
 
 
 
في هذا المفصل الأخير يتبنى قاسم العزاوي مخاطبه ليعلن سفر العودة إلى الوطن فينهي نصه الجميل بسؤال أكثر جمالا بابتكار الصباح الذي رهنه ب(كن) كذكرى ما قبل احتلال العراق . فهل (سيحلق بالنوارس) فوق دجلة يوما كحلم وأمنية .؟ هذا ما أتمناه يائسا !!.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد