إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

انتفاضة فلسطينية ثالثة لن تكون في المدى المنظور

بقلم:محمد أبو علان- فلسطين
المحللين والمراقبين السياسيين في الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي يتداولون في تحليلاتهم وقراءتهم للواقع الفلسطيني سؤال وهو هل هناك انتفاضة فلسطينية ثالثة تلوح في الأفق؟، وهو سؤال منطقي ومشروع في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تعيشها فلسطين المحتلة، ومن يتوقع أن تكون هناك انتفاضة فلسطينية غير قادر على الجزم في أي اتجاه ستكون هذه الانتفاضة الفلسطينية، تجاه الاحتلال الإسرائيلي لقسوة ممارساته على الأرض ضد الشعب الفلسطيني ولاستمرار اعتداءات المستوطنين وتزايدها ، أم على السلطة الفلسطينية في شقي الوطن (حركتي فتح وحماس) لفشلهم السياسي في تحقيق ولو جزء من آمال وطموحات الشعب الفلسطيني، بالإضافة لدورهم في شق الوطن وتعزيز ثقافة الطائفية الحزبية في الشارع الفلسطيني.
 وقبل السؤال عن مدى إمكانية انتفاضة فلسطينية ثالثة يتبادر للذهن سؤال آخر هل الانتفاضة الفلسطينية الثانية (انتفاضة الأقصى) قد انتهت فعلاً أم هي في مرحله يمكن تسميتها باستراحة المقاتل؟، وعلى اعتبار أن الجميع على المستويين الرسمي والشعبي يتعاملون مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية كتاريخ نرى أن إمكانية انتفاضة فلسطينية ثالثة أمر غير وارد في ظل المعطيات الحالية القائمة على الأرض، وبمعنى آخر الظروف الموضوعية السائدة حالياً تختلف عن تلك التي كانت سائدة قُبيل الانتفاضتين الأولى والثانية.
فقُبيل اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى كان الأفق السياسي أمام الشعب الفلسطيني مغلق بالكامل، بمعنى أن الجمود هو سيد الموقف في حينه، فلم يكن هناك أية مشاريع سياسية جادة تطرح لحل القضية الفلسطينية في إطار حل يحقق السلام الشامل والعادل للشعب الفلسطيني، فكانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى هي المحرك للبحث عن حل عادل للقضية الفلسطينية، وكان تناغم قيادة منظمة التحرير الفلسطينية ودعمها المطلق لهذه الانتفاضة بمثابة الطاقة الإضافية لهذا المحرك، تناغم عكس نفسه على وحدة الصف الفلسطيني الداخلي عبر تشكيل القيادة الوطنية الموحدة، وكان الشارع الفلسطيني برمته هو الحاضنة لهذه الانتفاضة.
وكان إعلان الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية ودولة الاحتلال الإسرائيلي الذي وقعه كل من الرئيس الراحل الشهيد أبو عمار ورئيس وزراء دولة الاحتلال في حينه إسحاق رابين بمثابة الإعلان عن نهاية الانتفاضة الفلسطينية الأولى انتظاراً (حتى للمعارضين رسمياً لهذا الاعتراف المتبادل) لما ستنجم عنه المفاوضات التي ستلي إعلان الاعتراف المتبادل والذي كانت نتيجته اتفاقيات أوسلو التي قامت بموجبها السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، ورغم الخلاف الفلسطيني الحاد الذي نتج عن هذه المفاوضات إلا أن المواطن الفلسطيني شعر ببعض التغير على أرض الواقع، وبات لديه نوع من الأمل في قيام دولته الفلسطينية المستقلة خاصة في ظل الوعودات الدولية للمساعدة في بناء الدولة الفلسطينية العتيدة على المستويين السياسي والاقتصادي، بمعنى آخر كان لدى الشعب الفلسطيني ثقة بقيادته السياسية في حينه بالتالي كان لديه للصبر والانتظار لنتيجة المفاوضات بنفس الدرجة التي كانت لديه من الاستعداد للتضحية والمواجهة لمساعدة هذه القيادة في التوصل لحل عادل للقضية الوطنية الفلسطينية.
ولكن المنجزات على الأرض لم تكن بحجم الآمال التي بناها الشعب الفلسطيني على مسيرة السلام التي بدأت من مدريد وانتهت بأوسلو، وعلى مدار سبع سنوات من عمر السلطة الوطنية الفلسطينية وجولات وصولات من المفاوضات مع دولة الاحتلال لم تحرز السلطة الوطنية الفلسطينية أي تقدم على صعيد تحقيق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني لعدة عوامل كان من أهمها عدم جدية دولة الاحتلال الإسرائيلي بتحقيق سلام حقيقي، وثانيهم الدعم الأمريكي المطلق لدولة الاحتلال في مواقفها السياسية تجاه مفاوضات السلام وثالثهما عجز الاتحاد الأوروبي عن القيام بخطوات عملية تجاه هذه المفاوضات وبقائه بمثابة الممول فقط للخط السياسية الأمريكية في العالم ككل وليس في فلسطين المحتلة فقط، والعامل الرابع العجز العربي الذي لا يستحق حتى الحديث عنه وعن تفاصيله فبات صغيرنا قبل كبيرنا مدرك لهذا الدور ومراميه السياسية التي لا تبتعد عن الإطار الأمريكي في الحلول.
وإن كان حادث استشهاد الفلسطينيين الأربعة بعملية دهس إسرائيلية قد فجر الانتفاضة الفلسطينية الأولى، كانت حادثة زيارة المسجد الأقصى في العام 2000 من قبل آرئيل شارون رئيس المعارضة في دولة الاحتلال الإسرائيلي في حينه الشعلة التي فجرت الإحباط وفقدان الأمل لدى الشعب الفلسطيني، وإن كانت الانتفاضة الأولى قد أوصلتنا لاتفاقيات أوسلو ولأمل بحل سياسي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي كانت نهاية الانتفاضة الفلسطينية دو
ن نتائج سياسية على الأرض إذا استثنينا عملية خروج الاحتلال من مستوطنات غزة والتي لا يمكن وضعها في إطار كجزء من حل سياسي كونها تمت من جانب واحد ودون تنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية.
وبعد قراءة الظروف السياسية التي كانت سائدة قُبيل اندلاع الانتفاضتين الأولى والثانية نرى أن إمكانية اندلاع انتفاضة ثالثة غير ممكن وذلك لغياب الظروف التي سادت قُبيل الانتفاضتين السابقتين والتي اولهما وحدة الصف الفلسطيني الداخلي رغم الاختلافات السياسية التي كانت سائدة بين فصائل العمل الوطني، ثانيهم تمسك القيادة السياسية الفلسطينية بخيار المقاومة المُسلحة إلى جانب خيار المفاوضات السياسية وإعلان ذلك على رؤوس الأشهاد دون خوف أو وجل من قطع المساعدات أو من غضب دولة الاحتلال وحليفتها المركزية الولايات المتحدة الأمريكية، وثالث هذه الظروف الاستعداد المطلق لدى الشعب الفلسطيني للتضحية والعطاء في ظل قيادة كانت متمسكة بثقافة المقاومة كأسلوب لإنهاء الاحتلال.   
أما الظروف السياسية السائدة حالياً وخاصة على الساحة الفلسطينية الداخلية تجعل من المستحيل اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، فالصف الفلسطيني بات عدة صفوف وشُعب لكل منهم مطامعه السلطوية الخاصة به، وارتباطه السياسية التي تحد من تعدد خياراته على الصعيد الداخلي الفلسطيني، ولدرجة أن مطامعه وحساباته السلطوية والتنظيمية وارتباطاته السياسية باتت فوق الاعتبارات الوطنية وخاصة بعد الانتخابات التشريعية الثانية في العام 2006 ، وما أحداث حزيران غزة 2007 وما تلاها إلا خير دليل وأفضل شاهد على هذا التفسخ والانحدار.
والإعلان الصريح والواضح من قبل القيادة السياسية الفلسطينية التي تقلدت الحكم بعد الرئيس الراحل أبو عمار أن المفاوضات السياسية هي الحل الوحيد للصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، وإن المقاومة المسلحة مرفوضة كأسلوب لإنهاء الاحتلال حيد جزء كبير من المقاومة المسلحة في مواجهة الاحتلال وبالتحديد حركة فتح وكتائب شهداء الأقصى التي كانت جزء رئيسي وهام من المقاومة المسلحة الفلسطينية، وباتت هذه الكتائب تجلس في مقرات الأمن الفلسطينية شهوراً طويلة في انتظار “العفو” من الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بدلاً من أن تكون بمثابة العمق الإستراتيجي لقيادتها السياسية وورقة ضغط في يدها ضد الاحتلال وسياسته.
 هذا إلى جانب دخول حركة حماس اللعبة السياسية وتخليها غير المُعلن عن المقاومة المُسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي كجزء من الحل، وهذا التوجه برز لدى حركة حماس بالتحديد منذ محادثات القاهرة في أيار 2005 والتي أجريت تحت عنوانين رئيسيين إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وتحقيق تهدئة مع الاحتلال، ناهيك عن التزام فصائل اليسار الفلسطيني بكل تهدئة أو هدنه تطرح سواء من قبل السلطة الوطنية الفلسطينية أو من قبل حركة حماس مما جعل من هذا اليسار بمثابة ديكور سياسي لا أكثر ولا أقل على الساحة الفلسطينية وبات عجز عن تحديد موقف متميز في هذا الإطار.
كما كان لظهور تيار على الساحة الفلسطينية يعمل على تعزيز فكرة عبثية المقاومة المُسلحة ضد الاحتلال، ويسعى للترويج لأفكار ومشاريع سياسية تفرغ القضية والحقوق الفلسطينية من محتواها دور في المساهمة في رفع درجة الإحباط لدى الشارع الفلسطيني وكان آخر ما تفتق عن بنات أفكار هذا التيار ما بات يعرف بحل الدولة الواحدة.
وخلاصة الموضوع هي أن عوامل انفجار انتفاضة فلسطينية ثالثه أمر غير ممكن دون توحيد الصف الفلسطيني بفصائله الوطنية والإسلامية، ووجود قيادة فلسطينية قادرة على تحمل مسئولية تبينها لخيار المقاومة المُسلحة كجزء من مواجهة الاحتلال وإنهائه، ومصارحة القيادة الفلسطينية لشعبها أن ما المفاوضات مع الاحتلال باتت عبثية ولا أمل فيها للوصول لحل عادل للقضية الفلسطينية، وإن أردنا اختزال هذه العوامل بجملة واحدة نقول لا انتفاضة فلسطينية ثالثة دون حل السلطة الوطنية الفلسطينية وإعادة القرار ليد الشارع الفلسطيني ليفرز قيادة ميدانية قادرة على تحمل مسئوليات ونتائج أي قرار تأخذه.
 
فلسطين 2/10/2008
 
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد