إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

حرب أكتوبر : نموذج النصر المطلوب

حرب أكتوبر : نموذج النصر المطلوب

بقلم : زياد ابوشاويش

في مثل هذا اليوم السادس من تشرين أكتوبر عام 1973 عبر الجيشان المصري والسوري خط الهزيمة إلى النصر وخطا بدماء شهدائهما عنواناً للكرامة العربية فكان نصر أكتوبر المؤزر.

في أكثر من كتاب صدر عن حرب تشرين بين العدو الصهيوني وكل من سورية ومصر أكد كتابها على أن ما جرى كان مفاجأة استراتيجية للعدو من الزاوية العسكرية وأن النصر الذي حققه الجيشان السوري والمصري يمثل نموذجاً فريداً لمواجهة ناجحة للجيش الأقوى في المنطقة الذي اعتبره الخبراء خامس جيوش العالم من حيث القوة والتجهيز بالمعدات الحديثة.

إن سر الانتصار يكمن في مسألتين هامتين جعلتاه واقعاً فرض على عدو متغطرس ومدجج بالسلاح هما الإرادة الصلبة والرغبة في دحر إسرائيل وهزيمتها، والثانية في القدرة على استيعاب آليات وتكتيكات حرب عصرية حديثة تستخدم فيها تقنيات متطورة للغاية.

إن جملة التكتيكات في مجال التمويه والخداع التي مارستها قيادة البلدين العربيين للتمهيد للحرب كانت على درجة عالية من الإتقان والحنكة والذكاء، ولا شك أنها لعبت دوراً جوهرياً في الخديعة التي فوجئت بها اسرائيل. بالطبع لم يكن لدى العدو فكرة عن حجم الإصرار لدى القيادة السياسية في البلدين على خوض معركة تحرير الأرض وساعد ذلك على نجاح عمليات الخداع، كما أن كل التحذيرات السابقة للحرب لم تقنع جولدا مئير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني في حينه بأن العرب جادون حقاً في خوض الحرب، غير أن وقائع السادس من تشرين أكتوبر بددت كل أوهامها حول الإرادة العربية التي حررت في ذلك اليوم الأغر من عام 1973 وكان لشعبنا العربي في كل مكان ما أراد من الانتقام لكرامته المجروحة منذ الخامس من حزيران يونيو عام 1967.

لقد كتب الأستاذ هيكل في مقالاته السابقة للحرب حول طبيعة ومستوى المعركة القادمة وشرح أسباب تقديره لهذا الحجم والمستوى، ويمكننا تلخيص ما ورد في التمهيد للحرب ونتائجها حسب هيكل بالقول أن معركة القناة واقتحام خط بارليف سيكون من أجل تحريك العملية السياسية والوصول لاتفاق ينهي احتلال سيناء، وأن الاشتباكات لن تستمر حتى تحرير أراضينا كاملة بقوة السلاح وكان دائم التنبيه إلى أن حالة اللا حرب واللاسلم لن تستمر إلى ما لا نهاية وأنه لابد من تغيير  يمهد لتسوية مقبولة عربياً ومن الشارع المصري، وفي الوقت ذاته كانت سورية تعد نفسها لخوض حرب تحريرية تنهي الاحتلال من كامل الجولان المحتل والتوغل في فلسطين حتى أقصى نقطة ممكنة، وهذا ما جرى فعلاً مع بداية القتال حين تقدم الجيش السوري متجاوزاً بحيرة طبريا إلى سهل الحولة وبعض مناطق شمال فلسطين إلى أن جرى التغير الكبير في موقف الرئيس المصري الراحل أنور السادات حين حول المفاجأة الاستراتيجية إلى مفاجأة تكتيكية وقبل وقف القتال مبكراً تاركاً الجبهة السورية بمفردها أمام تفوق ملحوظ للعدو الذي استطاع أن يبدل المعادلة، ولتنتهي الحرب الناجحة والعظيمة بواقع لا يمثل الاستهداف المقصود ولا يحقق الهدف الذي من أجله قاتل الجيشان السوري والمصري.

ربما يكون من الإنصاف إعادة التأكيد على دور وفعالية وشجاعة الضباط والجنود المصريين والسوريين الذين استبسلوا في القتال واستخدموا بكفاءة عالية المعدات الحديثة وأساليب الحرب العصرية قبل أن نتحدث عن النتائج السياسية الكارثية التي وقعت بعد انتهاء الحرب وبالاستناد إلى نتائجها من قبل أنور السادات الذي هزته التهديدات الأمريكية وجعلته يوقف خطة جيشه في التصدي لثغرة الدفرسوار بين الجيشين الثاني والثالث للقضاء عليها ومن ثم التقدم للممرات الاستراتيجية في سيناء، وهي الإشكالية التي اختلف حول تفصيلها واستخلاص النتائج الصائبة منها كثير من الكتاب والمحللين ليصبح الموضوع عرضة للتأويل حسب الميل السياسي والولاء الحزبي ، وحيث أجمع الخبراء العسكريون على أن إجبار مصر على التفاوض غرب القناة على بعد مئة كيلومتر من العاصمة المصرية القاهرة فيما سمي وقتها بمحادثات الكيلو 101 هو بمثابة هزيمة للخطة المصرية وتمثل فشلاً كبيراً في عمل القيادة السياسية، وأن هذه المفاوضات تمثل في الحد الأدنى للت
قييم تغيراً جوهرياً في واقع المعادلة التي حققتها بدايات هذه الحرب حين تم تحطيم خط بارليف المنيع على الجبهة المصرية ودحر الجيش الإسرائيلي عن الجولان على الجبهة السورية، بل والتوغل داخل الخط الأخضر، وعبر بعضهم عن أن ذلك يعني أنه لا منتصر ولا مهزوم في هذه المعركة، كما أن اتفاق الفصل الأول للقوات واتفاق الفصل الثاني  تركا أثراً سلبياً على معنويات الناس، ليس هذا فحسب بل إن الأستاذ هيكل وكان وقتها وزيراً للإعلام كتب مقالاً بذات المضمون تسبب في طرده من الوزارة تحت عنوان ” انتقلنا من حالة اللا حرب واللاسلم إلى حالة اللانصر واللاهزيمة ” وكان هذا أوضح تعبير عن فشل الهدف السياسي من وراء هذه الحرب.

إن ما جرى بعد ذلك في واقع الأمر مهد لجملة من التراجعات والنكسات أدت في محصلتها النهائية إلى خروج مصر من كل معادلة الصراع العربية الإسرائيلية الأمر الذي وضع سورية في موقف حرج بالمعنى الاستراتيجي وأضعف قدرتها كثيراً على إشعال حرب جديدة مع عدو يتفوق عسكرياً ليس عليها فقط بل وعلى كل الدول العربية مجتمعة حسب إرادة البيت الأبيض الأمريكي الممول الرئيسي للجيش الإسرائيلي والذي يزوده بأحدث الأسلحة وأكثرها تطوراً ، ولضمان بقاء اسرائيل قوية ومهيمنة وقادرة على كبح أي تقدم تحرزه سورية أو أي دولة تتصدى للغزوة الصهيونية لبلادنا أو لتحرير فلسطين، وقد مارست إسرائيل على هذه الخلفية من النتائج الكارثية عربدتها وما زالت سواء باجتياح عاصمة عربية هي بيروت للمرة الأولى في التاريخ عام 1982 بعد مرور أقل من 16 شهر على اتفاق كامب ديفيد التفريطي وباجتياحات واعتداءات طالت أكثر من بلد عربي من تونس غرباً وحتى شمال لبنان وسوريا شرقا.

إن احتفالنا سنوياً بذكرى حرب تشرين أكتوبر هو في الحقيقة احتفال بانتصار الإرادة العربية والمقاتل العربي والقائد العربي الذي صدق ما وعد به شعبه وأمته، وللطريق السليم التي حفرتها تلك الحرب أمام الأجيال القادمة، وهو تاريخ ولادة جديدة وحقيقية يمكن البناء عليها لإعادة النموذج العظيم للانتصار العسكري مع التعديل الضروري فيه باتجاه استثمار هذا النصر بطريقة صحيحة سياسياً ولتتناسب النتائج السياسية مع الإنجازات على صعيد الأداء العسكري وهو ما افتقدته تلك الحرب المجيدة بسبب من تخاذل أنور السادات وتردده بل وخوفه من التهديدات الأمريكية وانتقاله المريب لاحقاً للمعسكر الغربي وإخراج مصر العربية من المواجهة مع الكيان الغاصب لأرضنا وحقوقنا.

في هذا اليوم المجيد نوجه التحية لشهداء تلك المعركة الجسورة التي خاضها جيشنا العربي السوري والمصري في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، ونوجه التحية لروح قائد تشرين الكبير صاحب الرؤية الحكيمة الرئيس حافظ الأسد ونترحم على روحه الطاهرة، ولتكن ذكرى تشرين أكتوبر منارتنا للمقبل من أيامنا في المواجهة المستمرة مع العدو الصهيوني.

زياد ابوشاويش

[email protected]

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد