إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

الوساطة السعودية بين الأطراف الأفغانية: مقامرة يائسة من قبل إدارة بوش

Taleban
بقلم خالد حسن
مع ما تناقلته التقارير من محادثات بين الأطراف الأفغانية المتقاتلة في إطار الوساطة السعودية في مكة المكرمة من 24 إلى 27 سبتمبر، فإن ذلك يوحي بتحولات في اتجاه الجوانب الخفية من “الحرب على الإرهاب” في أفغانستان، تتعلق بالجغرافية السياسية للحرب.
 
 
وقد أحدث رئيس الوزراء الكندي، ستيفن هاربر (أعلن انسحاب القوات الكندية من أفغانستان في عام 2011) ثقبا في السفينة، عندما صرح قائلا: إن بعض القادة الغربيين، اعتقد خطأ أن قوات منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) يمكنها البقاء هناك إلى الأبد. وأضاف أن أحد أهم الأمور التي يخالف فيها بعض الزعماء الغربيين، هو أن خطة الناتو للبقاء عسكريا في أفغانستان غير محددة الآجال، وشدد على أهمية وضع جدول زمني لوجود الناتو في أفغانستان.
 
 
الدور السعودي في التوسط بين الطرفين الأفغانيين المتصارعين، يعكس أهمية الجغرافية السياسية للحرب على أفغانستان، بالنسبة للولايات المتحدة، وهذا ما يتضح من التقارير المتناقضة بشأن المحادثات في مكة المكرمة.
 
 
ولم يتسرب أي شيء في كابول عن المحادثات، إذ يعتبر الساسة هناك أنه من السابق لأوانه كشف ما جرى في المحادثات، غير أن قناة (سي أن أن) أوضحت في تقرير لها نقلا عن مصادر موثوقة، أن العاهل السعودي الملك عبد الله استضاف محادثات رفيعة المستوى في مكة المكرمة بين الحكومة الأفغانية وشخصيات من حركة طالبان، ممن قطعت علاقاتها مع تنظيم القاعدة.
 
 
وأيا ما كان، فإنه من الصعب القفز على الحقائق التالية:
 
 
المملكة العربية السعودية كانت واحدة من الدول القليلة التي اعترفت بنظام طالبان في أفغانستان، وكان هذا من الاعتبارات التي رشحت الرياض لاحتضان هذا اللقاء والتوسط بين الأطراف المتحاربة، بدفع من واشنطن، خاصة بعد تصاعد موجة العنف وارتفاع الخسائر في صفوف قوات حلف الناتو. وكان العاهل السعودي قد استضاف لقاء في الأيام القليلة السابقة، حضره بعض ممثلي حركة طالبان، مسؤولون في الحكومة الأفغانية، ممثل عن قلب الدين حكمتيار، وكذا رئيس المحكمة العليا الأفغانية السابق، فاضل هادي شنواري، من بين ممثلي الحكومة، بحضور رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الأفغاني، الجنرال بسم الله خان.
 
 
وذكرت قناة (سي أن أن) عن مصادر سعودية، أن لقاء مكة الأخير، استغرق تحضيره سنتين من المفاوضات وراء الكواليس. وفضلا عن ذلك، كشفت تقارير إعلامية أخرى، أن وراء هذه الخطوة السعودية (بدفع وتنسيق مع واشنطن)، الرئيس السابق للمخابرات العامة السعودية السابق وابن شقيق الملك، الأمير تركي الفيصل، الذي له علاقات وحضور قديم في أفغانستان، حيث تولى رئاسة جهاز الاستخبارات لمدة 25 سنة، من عام 1977 حتى قبل وقت قصير من 11 سبتمبر 2001م، ويقول البعض إن الأمير تركي تفاوض سرا مع زعيم طالبان الملا عمر في عام 1998 في محاولة يائسة لتسليم أسامة بن لادن إلى السعودية.
 
 
وقبل هذا وأثناءه وبعده، كان هناك سيل من التصريحات في الأيام الأخيرة، مما يؤكد عدم جدوى الحرب في أفغانستان. والرئيس الأفغاني، كرزاي، نفسه، الذي يطمح إلى الرئاسة في الانتخابات المقررة العام المقبل، دعا الملا عمر إلى الحوار.
 
 
وفي السياق نفسه، اعترف القائد العسكري البريطاني في أفغانستان، العميد مارك سميث كارلتون، لصحيفة صنداي تايمز من لندن، أن الحرب ضد حركة طالبان لا يمكن كسبها. ونصح الجمهور البريطاني بأن لا يتوقع انتصارا عسكريا حاسما، ودعاه ليتهيأ لصفقة محتملة مع حركة طالبان. وباختصار، فإنه لما أدرك الجميع أن الحرب على أفغانستان محكوم عليها بالفشل، جرى الحديث عن الوساطات والدعوة إلى المفوضات. ومما لا شك فيه، أن محادثات السلام بين الأطراف الأفغانية قد بدأت أخيرا.
 
 
وقد أسهمت عدة عوامل في تحقيق هذا لأمر. الأول، بعد سبع سنوات من الحرب، وجدت قوات الاحتلال نفسها في مأزق، وأن حركة طالبان تكسب أكثر مما تفقد. الثاني، تركز الولايات المتحدة بشكل متزايد على إنقاذ اقتصادها، مما يضيق المجال أمام واشنطن من حيث الوقت والموارد، لتنغمس في حروب على أراضي وعرة. الثالث، تجد الولايات المتحدة صعوبة في إقناع حلفائها (بما فيهم بريطانيا) لتزويدها بالقوات، وقودا الحرب، ويبدو أن الحرب أنهكتهم، وما عادوا مرتاحين لإستراتيجية أمريكا الحربية.
 
 
الرابع، فقدان النظام في كابل إلى الشعبية. الخامس، اكتسبت حركة طالبان ثقة شرائح واسعة من السكان، وحتى المزاعم عن دعم باكستان لها، لا يمكنها إخفاء حقيقة أن قاعدة تأييد حركة طالبان في اتساع. السادس، يتجه المناخ الإقليميالحالي ـ عدم الاستقرار في باكستان، والتوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا، ودور حلف الناتو، صعود إيران الجديد لتأكيد ذاتها ـ من سيئ إلى أسوأ، والحاجة ملحة بالنسبة للولايات المتحدة، لإعادة تقويم الجغرافية السياسية الحالية للتحالفات والسياسات المتبعة في الحرب على أفغانستان.
 
 
وإزاء هذه الخلفية المعقدة، كان على واشنطن أن تتوجه نحو الأمم المتحدة، لإطلاق عملية السلام الأفغانية. وبدلا من ذلك، تحولت ـ بشكل شبه غريزي ـ إلى الحليف القديم في الهندوكوش، ممثلا في المملكة العربية السعودية.
 
 
ومن الممكن القول، إن واشنطن ليس لديها خيار حقيقي في المرحلة الحالية، ولكن انتقلت إلى السعوديين لمد يد المساعدة. والسعوديون يعرفون حركة طالبان، وكيفية تفاعل العضلات والأعصاب في كيانها، ومن ثم، يدركون كيفية إشراك حركة طالبان. الآن، فإنها يمكن أن تفعل ـ تقريبا ـ ما فعلته باكستان، التي تملك مهارات مماثلة، وكانت قادرة فيما مضى على القيام بالوساطة، إلى أن بدأت تفقد قبضتها وثقتها بنفسها.
 
 
كما أن واشنطن غير متأكدة إلى أي حد يمكن الوثوق بإسلام آباد في مثل هذا الدور المركزي. وفي حين، يؤكد الجميع أن الرئيس الباكستاني الحالي، آصف زرداري، هو الطرف الذي يمكن التعويل عليه أمريكيا، ويمكن الوثوق به، إلا أنه لا يمكن المراهنة عليه في مرحلة ما بعد الجنرال برويز مشرف، خاصة وأنه لا يمسك بزمام الوضع بشكل قوي.
 
 
ونقطة الفصل في أمر هذه الوساطة، أن السعوديين يملكون الموارد لتمويل عملية السلام بين الأفغانيين، باعتبار أن المال هو السلطة الأقوى في أفغانستان اليوم، أو هكذا تعتقد واشنطن. وفي نظر واشنطن أيضا، فإن دخول السعودية على الخط، سيعرقل محاولات إيران لبناء جسور مع المقاومة الأفغانية.
 
 
ومن جانب آخر، ولأن أفغانستان كانت دائما محور التنافس والصراع الروسي الأمريكي، فإن الولايات المتحدة تسعى لدفع حلف الناتو إلى موقف مناوئ لروسيا في ظل مناخ إقليمي ودولي مشابه لفترة الحرب الباردة.
 
 
وخلافا للاتحاد السوفيتي، فإن روسيا لا تعتمد إيديولوجية “التوسع”، التي تهدد أمن الغرب. على العكس من ذلك، سمحت موسكو لمنظمة حلف شمال الأطلسي، بنقل الإمدادات اللازمة لأفغانستان عبر أراضيها ومجالها الجوي. وبما أن بلدانا محورية في حلف الناتو (مثل ألمانيا وفرنسا) يشككون في إستراتيجية الولايات المتحدة بخصوص تأليبهم عبر تحالف أطلسي ضد روسيا، فإن الولايات المتحدة لا يروقها احتمال استخدام موسكو حساباتها مع ألمانيا أو فرنسا ضمن إطار شامل لمنظمة حلف شمال الأطلسي، باعتباره ورقة رابحة في علاقاتها مع واشنطن.
 
 
بينما يتمثل التحدي الرئيس لمنظمة حلف شمال الأطلسي، في أن الاعتماد على موسكو لتأمين الدعم اللوجستي في الحرب الأفغانية، لا يمكن إنهاؤه، ما دامت طرق الإمداد عبر باكستان، غير آمنة. وهنا يمكن للسعوديين المساعدة. مشاركة الرياض في عملية السلام الأفغانية، قد تؤثر على استهداف حركة طالبان وتعطيلها لطرق الإمداد عبر باكستان.
 
 
ومن منظور الولايات المتحدة، فإن الميزة السياسية للمشاركة السعودية، ستكون ذات شقين: الأول، تأثيرها على الرأي العام الباكستاني، والثاني، التصدي لتوسع النفوذ الإيراني داخل أفغانستان. وقد ذكرت سي ان نقلا عن مصادر سعودية، أن “التوسع الإيراني هو واحد من أكبر اهتمامات وانشغالات المملكة العربية السعودية في أفغانستان”، الأمر الذي يشجعها على التوسط في عملية السلام بين الأطراف الأفغانية المتحاربة.
 
 
كما تأمل واشنطن أيضا في أن يخفف الدور السعودي من حدة نبرة “معاداة أمريكا” في باكستان، إذ إن الولايات المتحدة يمكن أن تتعايش مع حالة “العداء لأمريكا” السائدة في الأوساط الشعبية، شريطة أن يبقى عند مستوى “مقبول” وفي حدود الخطاب السياسي. وهنا أيضا، يمكن للسعوديين أن يقدموا يد المساعدة، نظرا لتأثيرهم الكبير على عدد من الأحزاب الإسلامية في باكستان.
 
 
وفي المحصلة، فإن الوساطة السعودية بين الأطراف الأفغانية المتصارعة، هي مقامرة يائسة من قبل إدارة بوش في آخر أيامها، وهذا باختصار لأنها تفتقد لعوامل إنجاحها، خاصة وأنها جاءت لإنقاذ الوضع الأمريكي في أفغانستان وفي سياق الاستجابة للمخاوف والهواجس من “البعبع” الإيراني، كما تسوقه واشنطن.
قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد