إخبارية سياسية - لاسعة - لاذعة - حاقدة - غير محايدة

فقهاء.. أم وزراء إعلام…!؟

جهاد نصره

 

 

 

شهد تاريخ الإمبراطورية الإسلامية العديد من الانقلابات العسكرية السياسية التي استعملت فيها السيوف كما لم تستعمل من قبل فحصدت باسم الإسلام، وباسم الرسول، وباسم آل البيت، رقاباً لا يمكن إحصاء عددها..! لقد تناثر تاريخ الإمبراطورية ما بين أموي، وعباسي، سني، وشيعي، وفاطمي، لكن، ما يعنينا من تلك التفاصيل التاريخية في هذا العجالة هو ما تعلق منها بمقولة شعبية تقول: الحاجة أم الاختراع.!؟

لقد احتاج كل خليفة حكم في فترة من تلك المراحل المختلفة الناجمة عن الانقلابات المتتالية والمستمرة إلى زمرة من المتعلمين الدينيين الذين عرفوا بعد تكاثرهم المطرد برجال الدين.! منهم مشايخ المناسبات، والوعاظ، والدعاة، وخطباء الجمعة وغير ذلك.!  أما أكثرهم معرفةً بخفايا الدين فقد اصطفوا لأنفسهم تسمية: الفقهاء.! هذه الفئة، كانت أكثر وصولاً و تخصصاً واطلاعاً على التفاصيل والأسرار والمخبوءات  الدينية، وقد حازت على المواصفات التي تتطلبها حاجة الحاكم الخليفة لتعزيز مشروعيته من جهة وتأمين دوام حكمه وذريته من جهة ثانية.! لقد ابتكر أولئك الفقهاء الكثير من فنون التسويغ، والتسويف، والكذب، والتدليس.! وهم حازوا على مهارة عالية في قلب المسائل عاليها سافلها حين تتطلب مصلحة الخليفة الحاكم ذلك.! وقد قاموا بعملية مزج خطيرة ما بين النصوص الدينية القدرية والسياسة بما هي حكم الخليفة المعني بما هو أرضي راهن.! ثمَّ تلا ذلك تقديس متعمد للسنة القولية وكانت تزيد جرعة التقديس مرحلة بعد مرحلة وخليفة بعد خليفة وذلك بهدف حسم الجدل حول المسائل التي يثيرها المخالفون في الرأي والمعارضين للخليفة الحاكم والذين يظهرون هنا وهناك..! وقد وصل فعل تقديس السنة القولية إلى مرتبة تعادل مرتبة تقديس القرآن وبخاصة  ما تعلق منها بكامل المرحلة التي عاشها ـ محمد ـ صلعم وأصحابه المقربين وأقربهم بالطبع كان العشرة الذين بشَّرهم مسبقاً بالجنة الخالدة…!

هؤلاء الفقهاء الذين لعبوا الدور الذي يلعبه الآن وزراء الإعلام، كانوا يقرون بأن الرسول منع كتابة ما يقوله منعاً باتاً وذلك حتى لا يختلط قوله بما يوحى إليه من قرآن.! يقول أبو هريرة وهو أكثر من روى عن الرسول: [ خرج علينا الرسول ونحن نكتب أحاديثه فقال: ما هذا الذي تكتبون..؟ قلنا: أحاديث نسمعها منك يا رسول الله فقال: أكتاب غير كتاب الله..؟ فجمعنا ما كتبناه وأحرقناه بالنار ].

أبو هريرة نفسه الذي روى حديث متفق على تواتره وصحته هو: [ لا تكتبوا عني غير القرآن ومن كتب عني غير القرآن فليمحه.! ] راح يروي آلاف الأحاديث عن الرسول..! وقد فعل غيره نفس الأمر في مخالفة صريحة لأمر ونهي الرسول ولما ورد في القرآن ذاته.! غير أن الطريف في الموضوع هو حقيقة أن أبا هريرة كان أمياً لا يقرأ ولا يكتب غير أنه اشتهر بمهارته في الكذب على الرسول وتقويله ما لم يقله حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب أرسل إليه تهديداً بعقابه أمام الملأ إذا لم يتوقف فوراً عن رواية أحاديث عن النبي…! وقد توقف أبو هريرة بالفعل عن رواية الأحاديث لكن ما إن توفي ـ عمر ـ  حتى عاد إلى سابق عهده فروى عدداً لا يحصى من أحاديث نسبها للرسول محمد صلعم وكان قد استقر به المقام في قصر ـ معاوية ـ  في الشام فأية أحاديث سيرويها عند السلطان.. وفي قصره بالتحديد…!؟

لقد اعترف أبو هريرة شخصياً أنه أكذب من وزراء الإعلام الذين سيخلفونه بعد مئات السنين بما فيهم الوزير الصحاف حين قال: [ إني أحدثكم بأحاديث لو حدثتكم بها زمن ـ عمر ـ لضربني بالدرة ] وقد ورد هذا في تذكرة الحفاظ للذهبي الجزء الأول الصفحة السابعة..! ومن كثرة الكذب والاختلاق فإن البخاري لم يدون سوى /4000 / أربعة آلاف حديث من / 60000 / جمعها ومعروف أن أبو حنيفة لم يصح عنده سوى / 17 / حديث من كل تلك الأحاديث…!؟

يبقى في هذا المجال ما هو أطرف فمن المعروف أن الفقهاء إياهم يعتبرون ـ عبد الله بن عباس ـ من أفضل وأشهر الرواة لذلك  أطلقوا عليه لقب ( حبر الأمة ) وهو روى
/ 1660 / حديث سمعها شخصياً من الرسول أي جرى تصنيفها على أنها أحاديث آحاد لكن ما غفل عنه الفقهاء الأجلاء فهو أن حبر الأمة هذا كان عمره دون العاشرة حين توفي النبي عليه السلام.!؟

إن أحاديث الرسول التي لم تدون في زمنه ولا في زمن الخلفاء الراشدين بدأت كتابتها واستخدامها بفعل الحاجة إليها مع بداية توسع الإمبراطورية الإسلامية وبداية حكم القصور السلطانية وبداية ما عرف لاحقاً بالاستبداد الشرقي..! لقد اكتشف السلاطين أو أدركوا أن من بين أدوات استبدادهم الأكثر أهمية من العسس والمنجنيق هو تلك الشريحة من الرجال الذين تفقهوا فاحترفوا هذه المهنة وصاروا فقهاء زمانهم بعد أن امتلكوا موهبة تفسير النصوص، وتأويلها، والإضافة إليها، وتعديلها، واختلاقها، وكل ما من شأنه أن يلبي حاجة السلطان، ويحقق رغباته، ويستجيب لمصالحه…! تماماً كما يفعل ورثتهم وزراء الإعلام في دول الاستبداد العربية المعاصرة…!؟

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد